ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

 

التغيير في العراق

كيف يمكن الانتقال من ثقافة القتال إلى ثقافة الحوار

الفصل الأول: عملية التغيير الاجتماعي

(طبيعة العلاقة بين سلوك الفرد وثقافة المجتمع)

 سعدون محسن ضمد

 المقدمة

تلعب العلاقة الجدلية بين الوعي الفردي والثقافة الاجتماعية دوراً مهماً في التحكم بعملية التغيير الاجتماعي، خاصة وأن هذه العملية التغييرية ترتكز أساساً على النهوض بنفس منظومة الوعي الفردي ومن خلالها بالثقافة بصورة عامة. فمن الواضح أن وعي الفرد هو نتاج غير مباشر لثقافة المجتمع الذي ينشأ فيه، ومن جهة أخرى فإن ثقافة المجتمع ـ أي مجتمع ـ هي مجموع المتراكم من خبرات ومعلومات ومعارف ونشاطات أفراده. إذن فالتأثير متبادل بين الطرفين، وبالتالي فثمة معادلة يكون طرفها الأول الوعي الفردي أو الثقافة الفردية، وطرفها الثاني الوعي المجتمعي أو الثقافة المجتمعية. مما يعني إن أي عملية تستهدف التأثير على أي من الطرفين تستلزم بالضرورة الأخذ بنظر الاعتبار التأثير على الطرف الآخر. بعبارة أخرى، نحن لا نستطيع أن ننجز أي عملية تغييرية يكون موضوعها ومجال تأثيرها وعي الأفراد ـ وصولاً لسلوكهم ـ دون أن نأخذ بنظر الاعتبار التأثير على ثقافة المجتمع الذي يعيشون فيه؛ ذلك أن السلوك الفردي مرتهن ومرتبط بالوعي الجماعي أو بثقافة المجتمع. فنحن مهما تنازلنا عن مقولة أن الفرد يرى موضوعات إدراكه من خلال ثقافة الجماعة ( 1)، لا يمكن لنا أن نتنازل عن كونه يكتسب منظومته الإدراكية من تلك الثقافة التي ينشأ وسطها، ويظل من ثم مضطراً للرجوع إلى هذه الجماعة خلال ممارسته لنشاطاته اليومية (وعي إدراك سلوك) (2 )، على هذا الأساس فإن عملية تغيير وعي وسلوك الفرد تظل ناقصة ما دامت لا تأخذ بنظر الاعتبار التأثير على ثقافة المجتمع. كما أن استهداف ثقافة المجتمع بالتغيير لا بد أن تمر من خلال استهداف ثقافة أفراده، أو من خلال التدخل بصورة مباشرة بعملية التنشئة التي تمارسها الثقافة على الأفراد.

إن هذا البحث يسعى للكشف عن أبعاد عمليات التغيير الاجتماعي، من أجل تسخير هذه الأبعاد في تجربتنا الحالية التغييرية التي نسعى من خلالها لدفع عملية التنمية البشرية، التي يمكن لها وحدها أن تنجز بناء العراق المتحضر المنسجم مع ذاته بما فيها من مكونات كثيرة.

إن السؤال الذي انطلق من فضاءه هذا البحث، هو السؤال الذي يدور حول أسباب ظاهرة العنف في التعاطي الاجتماعي بين مكونات الشعب العراقي، فقد خرج هذا الشعب لتوه من دكتاتورية أغرقته بسيول من الدماء، وعرضته لمذابح لم يعرف التاريخ مثلها، ثم وفي ذات الوقت الذي خرج معافى من تلك الدموية التي كانت مفروضة عليه فرضاً، إذا هو يختار لنفسه دموية من نوع أبشع وأغرب، دموية يتوسل بها للتعاطي مع الآخر، كل الآخر، ويتخذ منها سبيلاً وحيداً لإنجاز خياراته وتحقيق طموحاته. من هنا انطلق السؤال الذي يقول: إذا لم يكن القتل ذاتياً فينا، فكيف يمكن لنا أن نتعافى منه، ونقضي على مسبباته. كيف يمكن لنا أن ننتقل بالعراق من ثقافة القتال إلى ثقافة الحوار؟

يتكون هذا البحث من فصلين، يندرج الفصل الأول منهما في سياق الكشف عن التأثير المتبادل بين وعي الفرد ووعي الجماعة، سعياً وراء التعرف على بعض العوامل المؤثرة في سلوك الجماعة، من أجل التوصل إلى صورة أوضح لمتطلبات  العملية التغييرية، والآليات الأنجح فيها. فمهما كان سلوك الأفراد خاضعاً لآليات القسر الاجتماعي، ومحكوماً بها، صار من العبث أن تتجه العملية التغييرية، باتجاه نفس السلوك، وتقفز على آليات القسر والثقافة التي تنتجها، فما دامت آليات القسر هذه موجودة، وفعالة، فإن الأفراد سيضلون مستجيبين لضغطها.

أما الفصل الثاني فمخصص للبحث بالكيفية التي يمكن لنا من خلالها إنجاز عملية تغيير اجتماعية سريعة، تستطيع أن تنقل العراق من القتال إلى الحوار.

 أولاً: الإنطلاق من القسر الاجتماعي باتجاه السلوك الفردي

(مفاهيم، آليات، مفردات)

مبدئياً نستطيع أن نقول بأن التغيير الاجتماعي عملية إصلاحية تهدف للتأثير الإيجابي على سلوك الأفراد داخل الجماعة، وحتماً لا يكون الهدف تغيير سلوك فرد بعينه، وإلا كانت عملية التغيير هذه واقعة في سياق العلاج النفسي، لكن المقصود هو تغيير سلوك الجماعة من خلال التأثير على سلوك أفرادها. إذن فموضوع عملية التغيير هو السلوك الفردي بهذا الشكل. لكن ما هو السلوك؟ وما هي المفردات الاجتماعية وغير الاجتماعية المتحكمة به؟ وهل أن هذه المتحكمات قابلة للتأثير والتغيير أم لا؟

السلوك هو جميع النشاطات والاستجابات اليومية الصادرة عن الفرد خلال تعامله مع الآخرين ومع البيئة. أي أن السلوك يعني جميع النشاطات (الداخلية والخارجية، السايكولوجية والبايولوجية) التي يقوم بها الإنسان بإرادته أو بدون هذه الإرادة. وعلى هذا الأساس ينقسم السلوك إلى: السلوك الحركي والسلوك الانفعالي. وكلا قسمي السلوك هذين ينقسمان إلى السلوك الإرادي والسلوك اللاإرادي. والسلوك الذي نتناوله ويهمنا في حدود بحثنا هو السلوك الإرادي، باعتبار أن السلوك اللاإرادي يصعب التأثير عليه، وهو بالتالي غير قابل لأن نعتبره واقعاً ضمن موضوعات عملية التغيير الاجتماعي. وبما أن السلوك الإرادي هو في حقيقة أمره سلوك موجه مقصود وينطوي على غاية، فإننا ونحن نواجه سلوكاً بحاجة إلى التغيير، سنجد أنفسنا حتماً بمواجهة سؤال ملح هو: ما سبب هذا السلوك؟ لماذا يختار الإنسان أداء السلوك المنحرف دون غيره في بعض المواقف؟ ذلك أننا لا نستطيع أن نصل لتحديد دقيق لآلية التغيير ما لم نحدد سلفاً طبيعة الموضوع المراد تغييره. إذا ومن جديد: ما سبب السلوك الذي نحن بصدد تغييره؟

إن أول ما يواجهنا في سياق الجواب على هذا السؤال هو (الدافع) الذي هو »حالة داخلية ـ جسمية أو نفسية ـ تثير السلوك في ظروف معينة، وتواصله حتى ينتهي إلى غاية معينة«(3)، أو هو »المنبه الذي يحفز الكائن الحي على السلوك والحركة لنيل أهدافه وغاياته«(4) إذن فقد استخدم مفهوم الدافع للإشارة لكل ما يفسر السلوك ويقف خلفه. فبسبب الدوافع يتحرك الإنسان نحو أداء سلوك بعينه، وبما أنه وفي جميع أحواله لا يخلو من سلوك يؤديه، فهو دائماً إذاً واقع تحت تأثير دافع واحد أو عدت دوافع مكتسبة (نفسية أو اجتماعية) أو غير مكتسب (بايولوجية). فهو منذ ولادته يأخذ بالتصرف والسلوك بتأثير من الدوافع البايولوجية أولاً، ثم تأخذ الدوافع النفسية بالظهور، ثم وما أن يأخذ بالتأثر بالجماعة حتى تبدأ الدوافع الاجتماعية بالانظمام لمجموعة الدوافع المحركة لسلوكه. ولكننا لسنا مهتمين بحدود هذا البحث بجميع أنواع الدوافع، بل فقط بتلك التي تؤثر على سلوك الفرد الاجتماعي وتقع تحت طائلة التأثير والتغيير. فالسلوك (الفردي/الاجتماعي) يتميز بأنه منضبط بالجماعة التي يتحرك هذا الفرد داخلها، بل نجد أن المجتمع يساهم بصورة فعالة ومباشرة بصياغة ملامح شخصية الفرد العامة التي تمثل بدورها مجموعة العوامل المؤثرة في وعي الفرد وسلوكه، فالدافع لكسب احترام الجماعة يختلف بين المجتمعات من ناحية إنتاجه لأنواع مختلفة من السلوك، ففي المجتمعات التي تغلب عليها وتتحكم بها القيم المعنوية نجد أن معظم الأدوار(5) التي تحوز على احترام الجماعة هي الأدوار التي تكون قاعدتها معنوية مثل دور رجل الدين كما هو الحال بالنسبة لمعتنقي الديانة الإسلامية في مجتمعاتنا. أما في المجتمعات التي تغلب عليها القيم المادية فنجد أن الأدوار التي تستأثر باحترام الجماعة ومن ثم تكون نتاجاً لدافع كسب احترام الغير هي الأدوار المرتبط بالعمل والإنتاج كأدوار رجال الأعمال مثلاً. وعلى هذا الأساس فإن الدوافع ليست قوى متحكمة بالسلوك ومنفصلة عن شخصية الفرد وتأثير الجماعة، بل أن عملية التأثير والتأثر متبادلة بين سلوك الفرد وشخصيته ومجموعة دوافعه من جهة وبين المجتمع من جهة أخرى. ذلك أن الـمجتمع Society ليس سوى »مجموعة من الأشخاص، تعيش وتعمل سوية لفترة من الزمن تكفي لخلق تنظيم خاص بها، ولاعتبارها نفسها وحدة اجتماعية مميزة«(6)، أي أن المجتمع عبارة عن تجمع مجموعة من الشخصيات الفردية، وهذه الشخصيات لم تأت من الفراغ بل جاءت من التأثير المباشر للمجتمع الذي نمت وترعرعت فيه فقد »أكدت الدراسات الاجناسية الثقافية أن الثقافة مسؤولة عن الجزء الأكبر من محتوى أي شخصية وكذلك عن جانب مهم من التنظيم السطحي للشخصية وذلك من خلال تأكيدها اهتماماتٍ أو أهدافاً معينة«(7). إذن فالتأثير وثيق ومتبادل بين الطرفين، بين الشخصية الفردية من جهة وبين المجتمع أو الجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها. ومن هنا فقد عرفت الجماعة الاجتماعيةSocial group  بأنها:»جماعة من الأفراد، يربطهم رباط عام ثابت من العلائق الاجتماعية، ويمتازون عن غيرهم من الجماعات بطراز سلوكي جمعي خاص بهم، وبوجود درجة من التكامل الاجتماعي، والاتصال المباشر، والألفة، وقدر من الشعور بالمصالح المشتركة بينهم، وإحساس بروح الجماعة وبانتمائهم إليها. وأهم خصائص الجماعة الاجتماعية: التفاعل الاجتماعي بين أفرادها، وتكوينهم وحدة ثابتة ذات كيان مميز، وحفاظهم على معايير خلقية للسيطرة على سلوك أفرادها«(8). أي أن مجموع أفراد الجماعة يشتركون مع بعضهم بأشياء كثيرة من أهمها؛ المعايير المشتركة، الأعراف والتقاليد المشتركة، وأيضاً وكما جاء بالتعريف، فهم يشتركون بطراز سلوكي خاص بهم، وبمعايير خلقية للسيطرة على هذا السلوك. وبما أن الفرد ينطلق في ممارسة نشاطه اليومي من منظومته المعرفية، وبما أن مجموع أفراد الجماعة يشتركون بطراز سلوكي خاص بهم، إذن فلهذه الجماعة إطار مرجعي(9) واحد ـ نسبياً ـ  يجمع بينهم ويوجه نشاطاتهم جماعات وأفراد. طبعاً ليس المقصود هنا بالاشتراك، ما ينافي الخصوصية الفردية أو يلغيها، أي أننا لا نلغي تعدد نشاطات الأفراد وتغايرها وسط الجماعة، غير أننا من جهة أخرى نريد الإشارة إلى الاتجاهات الجماعية الموجودة لدى إفراد المجموعات الاجتماعية إزاء الأشياء والمواقف، تلك الاتجاهات التي تجعلهم يتصرفون بأساليب متشابهة، ففي مجالس العزاء التي تقام أثر وفاة أحد أفراد الجماعة نجد أن تصرفات الأفراد تتشابه داخل هذه المجالس في حدود الجماعة الواحدة، وتختلف من ثم بين جماعة وأخرى، ففي مجتمع الريف العراقي، نجد أن أهل العزاء يقومون بنصب خيمة كبيرة يستقبلون داخلها جموع أفراد الجماعة الذين يتوافدون لغرض أداء واجب العزاء، وعندما نلاحظ تصرفات جميع الأفراد داخل هذه الفعالية (الاجتماعية/الجماعية) نجد أن تصرفاتهم تتطابق بشكل كبير، فالقادم أو الداخل لهذا المجلس يقوم بمصافحة جميع الأفراد الجالسين داخل خيمة العزاء، وهو يبدأ من جهة اليمين، وخلال عملية المصافحة يقوم بتقبيل أهل العزاء وتبادل كلمات المواساة معهم، وبعد أن يتم عملية المصافحة، وقبل أن يجلس يطلب من الحضور إهداء سورة الفاتحة للمتوفى، ثم يجلس وينشغل بالقراءة، وما أن يتمها حتى يتأهب لاستقبال جملة (صبحكم أو مساكم الله بالخير) من جميع الحضور تعبيراً عن ترحيبهم به، ثم يتوافد عليه أهل العزاء والقائمين عليه للترحيب به مجدداً وبصورة مكثفة، وخلال ذلك يشرفون بأنفسهم على تقديم الماء والقهوة والشاي له. إن هذا السلوك يقوم به جميع أفراد الجماعة مهما كبرت، وبتكرار منتظم، وإذا شذ عن هذه الرتابة أحد القادمين، كان هذا الشذوذ علامة، يعرف من خلالها باقي أفراد الجماعة أن هذا الذي يتصرف بشذوذ هو غريب عنهم، أي أنه ينتمي لجماعة اجتماعية أخرى. لكن إذا تبين أنه من نفس جماعتهم، صار محتقراً عندهم، أو قليل الشأن على أقل تقدير، ولا يخلص عندها من عبارات الاستهزاء والاستهانة، التي يعبرون من خلالها عن رفضهم لهذا السلوك المغاير. إن هذا الاشتراك في السلوك يعبر لا عن الثقافة فقط، بل أيضاً عن وجود إطار مرجعي واحد يرجع إليه أفراد الجماعة خلال نشاطهم اليومي، فمهما كان السلوك الذي أوردناه قبل قليل مكتسباً عن طريق التقليد والتلقين، فإنه ينطوي ولا شك على قناعات مشتركة، فالدخول إلى المجلس من جهة اليمين، والمبادرة بالسلام من تلك الجهة تعبير عن مفهوم خاص يتعلق بهذه الجهة، حيث أنها جهة محترمة عند الجماعة، لهذا السبب يكون الدخول من جهة اليمين وتستخدم اليد اليمين في تبادل التحية بين المتقابلين، ويقدم شراب القهوة للضيف باليد اليمين أيضاً. كما أن قراءة سورة الفاتحة هو الآخر سلوك يعبر عن توجه لدى الجماعة إزاء الموت، يرتكز على مفاهيم ومعتقدات يزدحم بها إطار الجماعة المرجعي.

مما تقدم نستطيع أن نقول أن أفراد الجماعة ينطلقون في أداء نشاطاتهم من أطر مرجعية متشابهة مع بعضها، حيث أنها تحتوى على الكثير من المفاهيم المشتركة، الأمر الذي يؤدي لافتراض وجود إطار مرجعي واحد يجمع الجماعة على اتجاهات معينة، ويشكل مرجعية واحدة لجميع أفراد الجماعة. إن وجود كل هذه المشتركات بين الجماعة، وإنتاجها للشخصية المعنوية الواحدة التي تجمع الجماعة لدرجة أن أي فرد منها يمكن أن يعتبر مسؤولاً بصورة مباشرة عن أي عمل يقوم به أي فرد آخر ينتمي لنفس الجماعة، يكشف عن عمق الروابط التي تربط أفراد الجماعة الجماعية. وهذه المعطيات توصلنا لمفهوم الشخصية الاجتماعية الواحدة.

 انياً: الشخصية الاجتماعية (القومية)

(الصفات التي ينقلها المجتمع لأفراده في سياق ضبطهم اجتماعياً)

إن الشخصية الاجتماعية الواحدة (الشخصية القومية) هي »تلك الصفات والخصال السلوكية التي تميز الشخصية، والصفات الحضارية التي تميز المجتمع إضافة إلى الترابط الجدلي بين صفات الشخصية وصفات المجتمع«(10)، إن هذه الشخصية لا تؤدي إلى الحفاظ على تماسك الجماعة من خلال توزيعها المسؤوليات والواجبات بين أفراد الجماعة فقط بل هي فوق ذلك تقوم برسم ملامح الجماعة الاجتماعية الموحدة وبنقل هذه الملامح عبر أجيال الجماعة من خلال التأثير المباشر وغير المباشر. ولهذا السبب نجد أن شخصيات أفراد الجماعات المختلفة يتميزون عن بعضهم بحسب انتماءاتهم »إن دراسات عديدة تظهر أن الأطفال الذين ينشأون في ثقافة الطبقة الوسطى يختلفون في شخصيتهم عن الأطفال الذين يتربون في أحضان الطبقات العامة. ويؤكد ماك كاندلز Mc Candles (1969) في هذا المجال أن قيم ومعايير الطبقة الوسطى تؤدي بالطفل إلى التعلم والطموح والنظافة وضبط النفس (وخاصة فيما يتعلق بالاعتداء والجنس) بينما تخلق قيم ومعايير الطبقة العاملة أطفالاً منفتحين غير مكبوتين يحاولون إشباع حاجاتهم ودوافعهم الآنية«(11). بل إن تأثير الجماعة أو المجتمع في صياغة شخصية الفرد يتعدى حدود الفروقات البسيطة بين الطبقات داخل المجتمع الواحد إلى حدود أخرى تصل إلى حد الفروقات الحادة في ملامح شخصية التي تميز أفراد كل جماعة عن الجماعات الأخرى وهذا ما أثبتته الدراسات الإنسانية الانثروبولوجية وكانت »إحدى أشهر هذه الدراسات هي دراسة مارجريت ميد Margaret Mead (1935)  التي أظهرت أن هناك ثلاث قبائل بدائية في غينيا الجديدة تختلف من حيث سلوكها بالرغم من تشابهها العنصري. فأفراد قبيلة آرابيش Arapesh رقيقون ولطفاء ومتعاونون ووديين لا يميلون إلى الإصرار، بينما يبدوا أفراد قبيلة موندوكومور Mundugumor  عنيفين، اعتدائيين، يميلون إلى التنافس والشك. أما القبيلة الثالثة تشامبولي Tchambuli فتبدوا كأن الأدوار الاجتماعية فيها معكوسة تماماً. فالنساء هن اللواتي يقمن بالصيد والتجارة (دون أن يشتركن في الحرب) بينما يزاول الرجال الفن والحرف غير التجارية«(12). إذن فالمجتمع مسؤول مسؤولية كبيرة عن المميزات العامة التي تتميز بها شخصيات أفراده. وقبل أن ننتقل لمرحلة أخرى من مراحل الكشف عن طبيعة التأثير الذي يمارسه المجتمع على الشخصيات الفردية لا بد من إيراد تعريف للشخصية. حيث يعرفها كلايد كلوكهون بأنها »استمرار الأشكال والقوى الوظيفية التي تظهر من خلال تتابع العمليات وصور السلوك الظاهري المنظمة والسائدة منذ الولادة وحتى الموت«(13). ثم يعرفها فيكتور بارنوا بأنها »تنظيم ثابت لدرجة ما للقوى الداخلية للفرد، وترتبط تلك القوى بكل مركب من الاتجاهات والقيم والنماذج الثابتة بعض الشيء والخاصة بالإدراك الحسي والتي تفسر ـ لدرجة ما ـ ثبات السلوك للفرد«(14). وتعتبر (لندا.ل دافيدوف) بأن علماء النفس المعاصرون يقصدون بالشخصية »تلك الأنماط المستمرة والمتسقة نسبياً من الإدراك والتفكير والإحساس والسلوك التي تبدو لتعطي الناس ذاتيتهم المميزة إن الشخصية تكوين اختزالي يتضمن الأفكار، الدوافع، الانفعالات، الميول، والاتجاهات، والقدرات والظواهر المشابهة«(15). ومن هذه التعاريف الثلاث نستطيع أن نستخرج ثلاث مكونات أساسية تتعلق بالشخصية في حدود بحثنا هذا:

1.  ثبات لأشكال وصور السلوك الفردي، وهذا هو الطابع الظاهر من الشخصية، حيث يتصرف الشخص في المواقف المتشابهة بنسق سلوكي واحد.

2.  وجود تنظيم ثابت للقوى التي تفسر وتضبط السلوك، وهذا التنظيم ينبثق ويرتبط بجميع أشكال الضوابط السلوكية التي يتعبا بها وعي الفرد من قبل الجماعة.

3.  طبيعة هذا التنظيم أو مفرداته، التي هي مجموعة القيم والمعايير والأعراف والقوانين والمعتقدات وجميع أشكال الضوابط التي تتحكم بسلوك الفرد.

إن هذه المكونات الثلاثة تكشف بشكل واضح أثر المجتمع في سلوك الفرد، فالمكون الأول يعبر بوضوح عن سلطة المجتمع أو الجماعة الحاضرة في ضبط السلوك الفردي، إذ لولا وجود هذه السلطة التي تحتم على الشخصية الفردية الالتزام بنمط محدد من السلوك لما التزمت هذه الشخصية به، فمن المعروف أن الإنسان مجبول على الحرية والتمرد على كل أشكال النمطية والتكرار، غير أن توقع المجتمع لأنواع محددة من السلوك ـ وذلك بحسب المواقف ـ وأهمية رأي أفراد الجماعة بالفرد، تدفعان به إلى الالتزام بالسلوك المتفق عليه. أما المكونين الثاني والثالث، فهما يكرسان أيضاً سلطة المجتمع، على الشخصية، إذ أن تنظيم القوى هذا عبارة عن ضوابط السلوك التي يرثها الفرد عن المجتمع ويعمل وفقها في حياته اليومية. وهي بمجملها تعبر عن الثقافة التي ينقلها المجتمع لوعي الفرد ومن ثم يرسم من خلالها ملامح شخصيته. إذ من الواضح أن الشخصية الفردية تقع ـ خلال رحلة تشكلها ـ تحت تأثير نوعين من المؤثرات، هما: المؤثرات الوراثية، والمؤثرات البيئية، وأهم المؤثرات التي تقع تحت تأثير عملية التغيير الاجتماعي هي تلك التي تأتي من (البيئة الاجتماعية). والمقصود بالـ(بيئة الاجتماعية) مجموعة العادات والتقاليد والقيم والأعراف والدين. كما يمكن اعتبار كل من الطبقة أو الجماعة التي ينتمي إليها الفرد أو الحضارة أو الثقافة هي البيئة الاجتماعية، كما أن البيئة الاجتماعية تشمل كل من البيئتين الاقتصادية والسياسية. وتؤثر البيئة الاجتماعية تأثيراً بالغاً في تكوين الشخصية، بل أن العلماء يعتبرونها المسؤول الأكثر تأثيراً فيها ومن هنا قيل »إن الإنسان هو ابن الظروف، وإنك لو غيرت بيئات ثلاثين طفلاً من الهوتنتوت (شعب في جنوب أفريقيا) وثلاثين طفلاً من أرستقراطيي الإنجليز، فسيصبح الارستوقراطيون هوتينتوت، من كل النواحي العلمية، وسيصبح الهوتينتوت محافظين صغار«(16). والبيئة الاجتماعية هي المؤثر الأساسي الذي يعنى به موضوع بحثنا، لأنها تشمل مجموع المؤثرات التي يمكن التحكم بها والتي منها (العادات والتقاليد والقيم، الدين، القوانين والأنظمة ومؤسسات الضبط، مؤسسات التنشئة الاجتماعية).

من خلال ملاحظة ما تنقسم إليه البيئة الاجتماعية المؤثرة في الشخصية نستطيع أن نقول أنها جميعها تعبير آخر عن الثقافة، فالثقافة هي الجامع بين كل المؤثرات والمحددات، فالدين مكون مهم من مكونات الثقافة، والقوانين والأنظمة ومؤسسات الضبط ومؤسسات التنشئة تتخذ جميعها من الثقافة مرجعية كاملة لها. وبما أن الثقافة هي »ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في مجتمع«(17)، إذن فهي تعني وعي الإنسان لمفردات كل من العقيدة والفن والأخلاق والقانون والعرف، وأن مفردات الوعي هذه يكتسبها الفرد من خلال المجتمع، ويتصرف على أساسها، فهي إطار المفاهيم الذي يرجع إليه في إدارة نشاطاته الإرادية. والتأثير على هذا الأساس متبادل بين الفرد والمجتمع في ميدان الثقافة، إذ أن الفرد يتصرف على أساس وعيه المكتسب من ثقافة مجتمعه، ثم يتحول هو بدوره إلى وعاء يحفظ هذه الثقافة وينقلها ـ كما هي أو معدلة من قبله ـ للجيل الذي بعده، وهذا ما أكده مورجان الذي اعتبر أن الثقافة عبارة عن »مجموعة النماذج السلوكية والاتجاهات والقيم التي يساهم بها الأفراد وتنتقل بواسطة المجتمع نفسه«(18).

إن أثر الثقافة أو البيئة الاجتماعية على شخصية وسلوك الفرد يظهر بشكل جلي بعد أن تتشكل شخصية الفرد وتنبني لديه منظومته المعرفية التي اكتسبها من مجتمعه عن طريق التنشئة والتلقين والإيحاء، فهذه المنظومة ستتحكم  بشكل مباشر بعملية الإدراك اليومية، ومن خلال عملية التحكم هذه ستعمل على توجيه سلوك الفرد نحو الموضوع المدرك. إن وعي الفرد للموضوع الخارجي أو إدراكه له لا يتميز بالموضوعية دائماً، لا بل أن المخيف بموضوع الوعي الإنساني أنه نادراً ما يكون موضوعياً، فمجموعة القيم والعقائد والمعايير التي ينقلها المجتمع للوعي الفردي من خلال الثقافة، تعمل بشكل مباشر على التأثير في عملية الوعي من خلال تمرير المعطيات الواردة من الحواس على الإطار المرجعي الذي يظم كافة مفردات الثقافة ومعاييرها التي تعمل على تقييم المعلومة الواردة وتشكيل صورتها النهائية. وهكذا فإن عملية تقييم الموضوع المدرك تسبق السلوك الذي يتجه نحوه وتتحكم به، فمثلاً نحن نجد أن »من الصعب جداً أن تقنع امرأ على رأي يخالف ما تعود عليه من مصطلحات اجتماعية. انظر مثلاً إلى رجل قد نشأ بين جماعة محافظة تؤمن بالحجاب الشديد وتعتبره دليلاً على عفة المرأة وعلى شرفها. فهذا الرجل قد ارتبط في عقله مفهوم الحجاب بمفهوم الشرف وتركزت في أعماق نفسه قاعدة منطقية لا تقبل الشك مؤداها: أن المرأة التي لا تتشدد في حجابها لا عفة لها ولا شرف في عائلتها«(19). إذن ثمة ترابط جذري بين ثقافة المجتمع وبين الملامح الشخصية العامة بين أفراده، أو بين البيئة الاجتماعية وبين ملامح الشخصيات التي تعيش داخلها.

 الثاً: الوعي الفردي والثقافة الاجتماعية

(مفردات التشكل والتأثير المتبادل)

عندما يستيقظ الإنسان فهذا يعني أن عملية الوعي قد بدأت، الوعي بالذات أولاً، ثم الوعي بالمحيط ثانياً. ويبدأ هذا الفرد شيئاً فشيئاً بتنشيط منظومته الإدراكيه، من أجل تعزيز عملية وعيه، فيستلم من الجهاز الحسي المنبهات الخارجية والداخلية، ويأخذ بالتذكر والتفكير.... الخ. وعندما تستثار حواس الإنسان بموضوع ما فإن هذه الحواس تنقل هذه المثيرات إلى الذهن الذي يعمل بدوره على رسم صورة لهذا الموضوع »وتتوقف طبيعة هذه الصورة على قدرة اللوحة الذهنية على التلقي والحفظ وعلى سلامة الذهن، وعلى مدى وعي المتلقي وإدراكه لما يحصل، وبالتالي فإن إدراك الشيء المحسوس ليس بالضرورة مطابقاً بشكل جلي وواضح لحقيقة الشيء المُدرَك، فمطابقتها للحقيقة تخضع بأساسها لصحة الأداة العاكسة وحساسيتها أي للحواس، ولسلامة الجهاز المتلقي أي الدماغ واكتمال الوعي أي المعرفة. وتأثيرها في منطقة الشعور في الدماغ ليس بالضرورة مطابقاً لواقع المُدرَك، إنما ترتبط بما يترافق معه من مشاعر مستثارة، وبطبيعة الموقف العقلي من هذا المُدرَك أي بالوعي، ولإيضاح هذا العرض النظري، نقول إن صورة حدث واحد تنعكس في ذهن عدد من المشاهدين بصورة متباينة بقدر تباين إدراك المشاهدين الفردي العقلي وأوضاعهم الشعورية له«(20).

ويمكن لنا أن نتعرف على ماهية الوعي من خلال مقايسته بالمعرفة والتصور والتخيل، أو من خلال معرفة الفرق بين هذه المفهومات »ذلك أن معرفة الشيء هي تطابق حقيقة المُدرَك مع صورته في عقل المُدرِك، وذلك شرطه أن يتم بمعزل عن الشعور وخارج إطاره، فالمعرفة هي إدراك ذهني بحت وليس إدراكاً من خلال المشاعر، أما وعي الشيء فيقاس بدرجات المقاربة بين حقيقة الشيء وصورته العقلية، وحقيقة الشيء هي عرضُهُ وجوهره أي ماهيته (ما هو)، وتصور الشيء هو احتمال الصورة المفترضة في الذهن وافتراض لحقيقته، أي أن التصور هو افتراضٌ للحقيقة في ذهن المدرك، أما التخيل فهو الصورة الذهنية السابقة للتصور، وهو صورة يغلب على تكونها الحس، أي التي ترتسم من خلال المشاعر ويمكن نعتها بالصورة الشعورية«(21).

إذن فالوعي ببساطة هو الانطباع أو الصورة التي تنتج عن التعامل الإدراكي مع الواقع، بغض النظر عن مدى التطابق بين هذه الصورة والواقع المتصور. وبما أن كل الواقع ـ إذن فعملية الوعي ليست عملية تلقي سلبي للواقع الخارجي مقتصرة على تحسس هذا الواقع وإدراكه كما هو عليه في الخارج، بل هي عملية تأثير وإعادة إنتاج لهذا الواقعالخارجي منه والداخلي ـ يقع موضوعاً للإدراك، فهو من ثم سيكون مفردة من مفردات الوعي الفردي، بمعنى آخر أن الفرد يسجل في داخل منظومة وعيه صورة أو انطباع عن كل أمر أو واقعة أو موضوع أو مفهوم تعامل أو يتعامل معه، ويستخدم المخ في عملية التسجيل هذه آليات مختلفة، فطبيعة عملية الوعي التي يكون موضوعها مفهوم القانون ـ مثلاً ـ، غير تلك التي يكون موضوعها شجرة الرمان الموجودة في الواقع الخارجي، غير الآلية التي يستخدمها هذا المخ في وعي ذاته أو شخصيته. فهو قد يعتمد بصورة كبيرة جداً على الحواس في وعي شجرة الرمان، بينما نجده يقلل من أهمية الحواس في وعيه لمفهوم القانون، إذ أن مفهوم القانون ليس له لون ولا شكل ولا حجم وهو أيضاً لا يمكن التعرف عليه من خلال اللمس. ومن جهة أخرى، مهما كان مفهوم القانون مفتقراً لكل هذه المميزات فإنه يضل أمراً خارجياً، وعليه فإن الفرد يستطيع أن يستفيد من خبرات الغير في التعرف عليه وتقييمه، على غير ما هو الأمر عليه بالنسبة لوعي الفرد لذاته، فإنه أمر رهن بتجربته الخاصة، وعملية الوعي هذه ذاتية تماماً وخاصة إلى أبعد الحدود. وهذا مثال آخر يكشف لنا عن طبيعة الوعي البشري، وكيف أنه يتأثر بالبيئة أو بالثقافة السائدة في مجتمعه، تقول لندا.ل دافيدوف: »تؤثر الخبرات في ثقافة معينة على طريقة التعامل مع المعلومات فتصور مثلاً أقزام البامبوطي Pygmies BaMbuti الذي يعيشون في الغابات الاستوائية الكثيفة في الكونجو حيث يندر وجود المناظر البعيدة 100 قدم من أعلى شجرة إلى الأرض. ولكن أحد هؤلاء الأقزام ويدعى كنجي Kenge   قام برحلة مع أحد علماء الانثروبولوجيا ويسمى كولن تيرنبول Colin Turnbuill إلى سهل منبسط حيث رأى لأول مرة في حياته مسافة تمتد أميالاً وإليك ما كتبه تيرنبول عن هذا الحديث. نظر كنجي عبر السهول إلى مكان يوجد فيه قطيع من مائة ثور ينظرون إليه من على بعد أميال. فسألني ما نوع هذه الحشرات فأخبرته أنها ثيران وأنها في ضعف حجم ثيران الغابة المعروفة له. فضحك بصوت عال وأخبرني ألا أحكي مثل هذه الحكاية السخيفة وسألني مرة أخرى عن نوع هذه الحشرات. ثم أخذ في التحدث إلى نفسه وكأنه يبحث عن رفيق أكثر ذكاء وحاول أن يجد رابطه بين الثيران وأنواع الخنافس والنمل المألوفة لديه. وظل على هذه الحال حتى ركبنا في السيارة إلى حيث يوجد قطيع الثيران. وأخذ يراقب القطيع والثيران تبدوا أكبر فأكبر ورغم شجاعته، مثله مثل كل الأقزام، إلا أنه تحرك وجلس بجانبي ودمدم قائلاً بأن هذا سحر. وأخيراً عندما تحقق من أنها ثيران حقيقية. كف عن الخوف. ولكن ما كان يحيره هو السبب في أنها كانت تبدوا صغيرة جداً وإذا ما كانت فعلاً صغيرة وكبرت فجأة. أو أن هناك خدعة في الأمر«(22). إذن فعملية الوعي ليست عملية تلقي سلبي للواقع الخارجي مقتصرة على تحسسه وإدراكه كما هو عليه في الخارج، بل هي عملية تأثير وإعادة إنتاج لهذا الواقع، وهذه العملية من إعادة الانتاج تختلف من شخص إلى آخر، متأثر بكل العوامل التي شرحناها سابقاً، ومن هنا اختلف الأفراد داخل المجتمع الواحد في تقييم الموضوع الواحد، واختلفت المجتمعات فيما بينها في تقييمها للمواضيع المتشابهة أو الواحدة.

هكذا يتكون وعي الفرد، وهكذا ينمو ويزداد خبرة وكفاءة، ومن خلال هذا النمو وهذه الكفاءة تأخذ الجماعة التي ينتمي إليه الفرد، باكتساب سلبيات وإيجابيات وعيه؛ فما دامت الجماعة عبارة عن تجمع أفراد تربطهم مع بعضهم علائق ووثائق اجتماعية ويمتازون عن الجماعات الأخرى بطراز من السلوك يميزهم عن غيرهم، وبروابط تشدهم لبعضهم البعض وتمنحهم شخصية معنوية واحدة، فلا بد أن وعي هذه الجماعة يمثل مجموع وعي أفرادها، ومن ثم فإن الفرد يمارس من خلال عملية تشكيل وعيه، بتشكيل الوعي الجماعي، كما أنه كان قد اكتسب أوليات وعيه أو الهيكل العام الذي يحدد سمات هذا الوعي من نفس تلك الجماعة، أن التفاعل متبادل بين الطرفين، وأنهما يشكلان معاً كلاً متكاملاً ومتفاعلاً مع بعضه، وهذا ما سيتضح بصورة أكثر في الفقرة التالية.

وهكذا يتضح أن الوعي يتشكل عن طريق تفاعل عقل الإنسان مع المعلومات التي تأتي بها الحواس بعد استثارتها بالمثيرات الخارجية أو الداخلية. أن العقل سيعمل على تشكيل صورة عقلية للمُدْرَك، ولو توقفت عملية الوعي عند هذا الحد لما ارتبطت الصور العقلية بغير المثيرات التي تتولد عنها، ولما تأثرت بغيرها، وبالتالي لما كان لثقافة الجماعة دور يذكر في عملية تشكيل الوعي الفردي، غير أن الأمر أعقد من ذلك بكثير، حيث أننا نجد أن مفهوم البقرة يختلف بين الفرد الذي ينتمي لجماعة الطائفة الهندوسية، وبين الفرد الذي لا ينتمي لها، مع أن لون وحجم ورائحة وسلوك البقرة هو هو بالنسبة للفردين، أي أن المثير واحد والإثارة واحدة بالنسبة لهما، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى تكوين صورة عقلية واحدة في ذهن كلا الفردين، غير أن جماعة الطائفة الهندوسية قامت في مرحلة سابقة بتشكيل الصورة العقلية للبقرة، عن طريق إضافة بعض المفاهيم التي تدخل في تشكيل هذه الصورة، المفاهيم التي تؤدي لتقديس هذا الحيوان واحترامه.

وهذا لا يعني أن الفرد الآخر لم يستعن بجماعته في تشكيل صورة البقرة داخل منظومته الإدراكية، أبداً، غاية ما بالأمر أن أثر الثقافة الهندوسية في إعادة إنتاج صورة البقرة أوضح. فالفرد الذي لا ينتمي للطائفة الهندوسية، وبعد أن يكوِّن الصورة العقلية للبقرة لن يتعرف على غير حيوان يمشي على أربع بلون معين ومحددات شكل معينة، ولو أن عملية تعرفه على البقرة وتشكيل صورتها الذهنية الكاملة اقتصرت عليه لوجب عليه أن يتفرغ لهذا الموضوع زمناً طويلاً يمضيه في دراسة هذا الحيوان ومعرفة البيئة التي يعيش فيها ودرجة أهميتة بالنسبة للإنسان وسبب تدجين الإنسان له...الخ. غير أن الجماعة بدلاً من ذلك تقوم بنقل صورتها الذهنية، أو لنقل تنقل تجربتها مع مفهوم البقرة لهذا الفرد، وتفعل نفس الأمر بالنسبة لجميع المفاهيم. ولهذا السبب نجد أن دور الرئيس في الوطن العربي يختلف عنه في البلدان الأخرى، حيث أن هذا الدور ينتج دائماً عندنا سلوكاً مستبداً، ظالماً، وتكون منزلة صاحب الدور منزلة الأزلي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. لقد كرست الثقافة الاجتماعية هذا الدور منذ عهد السلطة الأموية، عندما هرع ملوك هذه السلطة لبث كل ما يشرعن عملية هيمنتهم على السلطة، فاستخدموا الأحاديث الشريفة، واستخدموا الفقهاء ورجال الدين، واستخدموا التاريخ، واستخدموا التظليل، الأمر الذي أنتج لعنة الخروج على الإمام، أمام الزمان وولي الأمر واجب الطاعة. لقد ركز ملوك السلطتين الأموية والعباسية على كل الذي يدعوا لطاعة أولي الأمر، بعد أن ربطوا داخل الثقافة الجماعية بينهم وبين هذا المفهوم، ثم هم من جهة أخرى تجاهلوا جميع التراث الذي يحدد أو يحاسب أو يصنف ولي الأمر الذي يجب أن يطاع. وهكذا ونتيجة لطول العهد تكرست هذه الأخطاء، وجاءت السلطة العثمانية لتستخدم هي الأخرى مفهوم أولي الأمر من جديد فتشرعن من خلاله عملية إهلاك الحرث والنسل. بالإضافة لكل ذلك فقد جاء من جهة أخرى مفهوم القائد، أو الخليفة، أو السلطان، الذي ارتبط داخل الثقافة بكل الشخصيات التاريخية الإسلامية التي لم يبخل عليها تاريخنا بكل ما من شأنه أن يخرجها من حيز الإنسانية لحيز الإلهية، ليكرس موضوعة الطاعة العمياء للرئيس، ومن ثم ليجعل دور الرئيس غير محدد ولا قابل للضبط. وهكذا راح شاغل هذا المنصب يجد في الثقافة ما يجعل المجتمع مهيأ لقبول استبداده وسلطويته وقمعه، ومن ثم راح يفعل كل ما يحلوا له. إن الخلل الذي يسببه تشوه مفهوم القيادة أو الرئاسة لا ينكشف من ملاحظة دور رئيس السلطة في المجتمع العربي فقط، بل من ملاحظة أدوار قادة الأحزاب المعارضة في معظم البلاد العربية، هؤلاء القادة الذين يكرسون حياتهم للقضاء على الاستبداد والظلم والفردانية في الحكم، في حين أنهم يمارسون كل هذه الأشياء من على كراسي الزعامة التي يتربعون عليها إلى الأبد. إن ثقافتنا ومنذ أمد بعيد تتوارث وتورِّثنا الكثير من المفاهيم المشوهة، التي تحتاج إلى جهود كبيرة لمراجعتها ونقدها وتغييرها، من أجل أن نمنح الأجيال القادمة تراثنا الناصع فقط، ونكيفهم بالتالي كل ما عملنا على تشويهه وتخريبه.

إن عملية الوعي بالأشياء تتم من خلال اشتراك ثلاث عوامل، هي: (الواقع والحواس والثقافة)، أو أن الإنسان يعتمد في تقييم الواقع على المعطيات التي يستلمها من جهتي الواقع والثقافة، فالواقع يزود الإنسان بالمعطيات المتعلقة بالموضوع، والثقافة تزوده بخبرة من سبقه من بني البشر مع هذه المعطيات. إن التزويد المعرفي الذي تقوم به الثقافة ليس اختيارياً بأي حال من الأحوال، إذ أن الثقافة لا تبسط أمام المتلقي الفرد مجموع إرثها وتترك له أن يختار ما يشاء، بل هي ترغمه على أن يأخذ ما تريد منه أن يأخذ، لا لشيء إلا لأنها تؤمن بمعطياتها، تؤمن بجدوى هذه المعطيات وبسلامتها وصحتها، ومن ثم فهي لا تريد للفرد الذي ينتمي إليها أن يأخذ إلا ما ترى أنه جيد بالنسبة له وصحي، إنها تريد سلامة كيانها من خلال سلامة أفراد هذا الكيان. وهكذا صارت الثقافة الإسلامية لا تنتج لنا إلا مسلمين، والمسيحية مسيحيين وهكذا بالنسبة لباقي الثقافات الأخرى.

إن الآلية التي تستخدمها المجتمعات الإنسانية لنقل ثقافاتها هي التي مكنت هذه المجتمعات من الرقي والتطور، لأنها كفت الأجيال اللاحقة من تكرار نفس تجارب الأجيال التي سبقتها، وهكذا ينقل كل جيل تجربته للجيل الذي بعده وتتراكم التجارب وتزداد المعارف وتنمو وتتطور الحضارة الإنسانية. 

الشخصية الاجتماعية الواحدة(القومية)

(عصيان الثقافة وتمردها على الإصلاح)

إذن هناك دور أو خدمة تؤديها الثقافة للفرد الذي ينتمي لها، هو أنها تختصر عليه عملية تعرفه على العالم المحيط به، وتختصر عليه بالنتيجة عملية تكيفه مع هذا العالم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هناك دور أو خدمة يؤديها الفرد للثقافة التي ينتمي إليها، هو أنه يتحول إلى وعاء يحفظ هذه الثقافة ويطورها، ويقوم بنقلها لمن بعده، عن طريق التنشئة الاجتماعية. إذن فثمة ثلاث معطيات حصلنا عليها تكشف لنا طبيعة العلاقة بين وعي الفرد وثقافة المجتمع:

المعطى الأول: عمليات إنتاج الوعي الفردي والجماعي؛ فكما قلنا إن وعي الفرد يتكون من خلال معاملة المعطيات الواردة عن طريق الحواس، بالمعطيات الواردة عن طريق الثقافة، ثم وبمرحلة لاحقة فإن وعي الأفراد بعد تجريده من خصوصياتهم، يتحول إلى مفردات الوعي التي تشترك بها الجماعة، إذ أن الوعي هذا أو الثقافة يضم داخله المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف، وكل هذه المفردات (في أغلب الأحيان) تكون مشتركة داخل إطار الجماعة الاجتماعية الواحدة.

المعطى الثاني: عمليات نقل الثقافة: وهذا المعطى يمثل الآليات التي تؤثر من خلالها الثقافة في وعي الأفراد الذين ينتمون لها، التي هي آليات تكفل للثقافة سبل الاستمرار خلال الأجيال المتلاحقة. وفي الحقيقة أن المجتمع، أو الجماعة هي التي تقوم بإنشاء مؤسسات التنشئة الاجتماعية(23) التي تتكفل بعملية نقل الثقافة للأفراد، بل أننا نستطيع أن نقول بأن لكل مفردة من مفردات الثقافة مؤسسة تتكفل بنقل تراثها إلى الأجيال اللاحقة، فلمفردة الدين، المؤسسات الدينية التي تقوم بعملية نقل الفكر الديني لوعي أفراد الجماعة التي تؤمن بهذا الدين، وكذلك الأمر بالنسبة لمفردة المعرفة التي تتولى مؤسسات التعليم نقل تراثها للأفراد، ونفس الأمر يقال بالنسبة لباقي المفردات الأخرى.

المعطى الثالث: عمليات حفظ الثقافة؛ حتى يتمكن المجتمع من التماسك وصياغة شخصيته القومية أو الدينية فلا بد له من ثقافة تحدد سمات هذه الشخصية، وبعد أن تتحد هذه السمات لا بد لهذا المجتمع من ممارسة عمليتين تكفلان له ديمومته، هما عملية نقل سمات شخصيته لأفراده وهذا  ما تكلمنا عنه في المعطى الثاني، والعملية الثانية هي عملية الحفاظ على سمات هذه الشخصية، وإلا فإنه ـ المجتمع ـ سرعان ما يتفكك وينهار. وفي الحقيقة أن هذه العملية الأخيرة ضرورية جداً لحفظ الجماعة الاجتماعية متماسكة وقوية ومن ثم قادرة على ممارسة مسؤولياتها بالنسبة لأفرادها، ابتداءً من رعايتهم مروراً بتنشئتهم وانتهاءً بالحفاظ على رفاههم وسلامتهم. غير أن نفس هذه الآلية هي في حقيقتها سلاح ذو حدين، فمهما كانت هذه الآلية ضرورية وحتمية بالنسبة لاستمرار البشرية غير أنها من جهة أخرى تقف حجر عثرة بوجه أغلب عمليات الإصلاح والتغيير الاجتماعي، فالجماعة وهي تسعى للحفاظ على وجودها تقوم بحماية ثقافتها، بسبب الترابط الوثيق بين ثقافة الجماعة وبين استمرارها، وهكذا تقوم الجماعة برفض جميع أشكال التدخل التغييري بثقافتها. ومن الآليات التي تتبعها الجماعة في حماية ثقافتها ووجودها هي آلية الجزاء (Sanction) التي هي »رد فعل المجتمع تجاه سلوك الأفراد، يتمثل في حثهم بالثواب، أو ردعهم بالعقاب، على الالتزام بالمعايير الاجتماعية التي يقررها المجتمع، والسلوك الأمثل الذي يتوقع منهم أن يلتزموا به. والجزاء نوعان: إيجابي، يعبر به المجتمع عن رضاه، ويجسد ذلك الرضا بالثواب، وسلبي يعبر به المجتمع عن رفضه وسخطه، ويجسد ذلك الرفض والسخط بالعقاب«(24)، والمجتمع قد يثيب من خلال الاحترام مثلاً ويعاقب من خلال المقاطعة، وقد يبالغ المجتمع بالعقاب عندما ينزع للتصفية الجسدية كما يحدث بالنسبة لجرائم الشرف في بعض البلدان العربية.

إن الشكل أدناه يوضح لنا علاقة السلوك الإنساني بجملة العوامل المؤثرة به، ونحن يمكن لنا أن ننطلق من هذا المخطط في فهم طبيعة الأطروحة التي يمكن التقدم بها في عملية التغيير الاجتماعي.

من المخطط السابق يمكن لنا أن نعرف أننا لسنا معنيين بمجموعة المؤثرات التي هي (الوراثة، البيئة الطبيعية، المؤثرات الموقفية) لأنها لا يسهل التأثير عليها أو حصرها. إذن يبقى لدينا الثقافة أو الشخصية الجماعية أو البيئة الاجتماعية، التي هي مجموعة من المؤثرات التي تلعب دوراً فعالاً في صياغة الشخصية وتحديد نوع السلوك الفردي وحتى الجماعي. ومن خلال ملاحظة طبيعة العلاقة الجدلية بين الوعي الفردي والوعي الجماعي، يمكن لنا أن نكتشف بأن عملية التغيير الاجتماعي يجب أن لا تتجاهل أياً من هذين الطرفين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يجب أن نعرف بأن الفرد لا يمكن أن يكون متفاعلاً بشكل كبير مع عمليات التغيير الاجتماعي التي تستهدف التأثير على سلوكه من خلال عمليات الانتقاد الموجهة لهذا السلوك، أو من خلال محاولات إقناعة بالتخلي عن هذا السلوك، حتى على مستوى الجماعة، والسبب في ذلك أن هناك روابط قسرية بين نوع السلوك وبين مجموعة المفاهيم المنتجة له، والتي تزدحم بها منظومة الفرد ومنظومة الجماعة (المرجعية)، وبالتالي يجب أن تتوجه عمليات التغيير ليس للسلوك بل للثقافة، للوعي، للإطار المرجعي الفردي والجماعي.

بين ثقافة  المجتمع وسلوك الأفراد

يشغل كل فرد مجموعة أدوار(25) داخل المجتمع، وذلك بحسب منزلته(26) فيه، ويكون ملزماً من قبل هذه المجتمع وبالاستاد لأدواره، بأنواع محددة من السلوك، وتحمل هذه الأنواع من السلوك الصبغة الثقافية للمجموعة الاجتماعية التي تنشط فيها، فمثلاً نجد أن الفرد الواحد قد يشغل دور أب ومدير مدرسة ومسؤول عن تجمع اجتماعي في نفس الوقت، وهو بالتالي مطالب من قبل المجتمع بتصرفات تناسب أدواره هذه، وعليه فهو يقوم بدور الأب في البيت، ودور المدير في المدرسة وهكذا. غير أن المهم في الأمر أن نلاحظ أن السلوك الذي يقتضيه دور الأب، يختلف بين المجتمعات المختلفة، ويتأثر بشكل كبير بالثقافة السائدة، ففي مجتمع ما، يكون الأب فيه صارماً وقاسياً، وميال إلى العنف، بل ويعتبر غير كامل الأهلية إذا لم يسيطر على أفراد أسرته سيطرة تامة، وهو من ثم يجد نفسه ملزما بأن يتدخل بشكل كبير وسافر في خصوصيات أولاده، فمن المعروف بأن عقد الزواج بالنسبة للفتاة لا يكون نافذاً في بعض المجتمعات  بدون موافقة الأب، حتى لو كانت هذه الفتاة بالغة. وفي مجتمعات أخرى يقتصر دور الأب على التنشئة الاجتماعية داخل العائلة وفي سنين الطفل الأولى، حتى إذا دخل هذا الطفل المدرسة، تولت هذه المؤسسة الكثير من فعاليات التنشئة ومنعت من ثم هذا الأب من ممارستها وبحكم القانون. إذن فثمة نوعين من السلوك اقتضاهما نفس الدور الاجتماعي، ولم يختلف السلوك لولا اختلاف الثقافة بين المجتمعين اللذين ينتمي إليهما كل من الأبوين. ولولا احتواء الإطار المرجعي للأب في المثال الأول على مفاهيم وقيم ومعايير تلزم الأب من خلالها بممارسة الدور الصارم، لم يتصرف غالبية الآباء في ذلك المجتمع على ذلك النحو، إذن فسلوك الفرد يحدده دوره في المجتمع (طالب، موظف، أب، رئيس جمهورية)، كما أن السلوك المتوقع من كل دور تحدده ثقافة المجتمع أو الإطار المرجعي له. حيث أن الأدوار تستمد »معناها من الإطارات المرجعية، فهذه الإطارات لا تحدد اتجاهاتنا فقط، ولكنها تحدد أيضاً إدراكاتنا لأدوارنا. والإطار المرجعي (مقياس) نحكم في ضوئه على البيئة الاجتماعية وعلى مركزنا فيها، وفي الجماعات المرجعية يتمثل الفرد قيم الجماعة بحيث يدركها كما لو كانت قيمه هو، ويسلك السلوك الذي يتفق مع هذه القيم دون أن يحس بوجود ضغط عليه، فما الإطارات المرجعية إلا إدراكات جماعية مشتركة«(27).

إن المجتمعات وهي توزع المنازل والأدوار بين أفرادها تحاول أن تحافظ على كيانها متماسكاً وعلى أنساق العلاقات في داخلها متينة وفعالة، وهي لذلك تبتدع لنفسها مجموعة من النظم الكفيلة بردع أفرادها عن الخروج عليها، أو التمرد على مجموعة أطرها الفكرية والسلوكية، فهي تلزمهم بهذه الأطر وحتى إننا نجد أن »من الصعب العثور على علاقات في السلوك الاجتماعي تخلوا كلياً بطبيعتها من الإلزام، أو احتمال الإلزام أو القسر، الذي يظهر نفسه في التفاعل الاجتماعي بأشكال وطرق متعددة. فالقوة، بالمعنى المادي للكلمة، ليست أبداً الطريقة الثابتة أو الوحيدة لإقرار الإلزام وتكريسه. قد يفرض الإلزام عندما تكون عقوبة العصيان أو التمرد هي السخرية، أو النبذ (من المجتمع) أو فرض حرم كنسي (إخراج المعاقب من مجموعة المؤمنين في الكنسية الكاثوليكية بخاصة)، أو الحرمان من الحب أو الحماية، أو حجب الاعتراف أو التقدير«(28).

 إعادة جمع المعطيات

من جميع ما تقدم نستطيع أن نقول: أن الإنسان وهو يؤدي دوره الاجتماعي لا يتصرف بمحض إرادته، ولا يختار سلوكه بناء على معطيات عقله ووعيه فقط، بل أن هناك عملية قسر غير مباشرة، خفية، غير محسوسة حتى بالنسبة لنفس الفرد، يقوم بها المجتمع أو الجماعة التي ينتمي إليها، ويعملان من خلالها على تحديد الأطر العامة للسلوك المفترض والمترقب منه. وإن أي محاولة نقوم بها خلال عملية التغيير لتحريك هذا السلوك خارج تلك الأطر، هي في الحقيقة عملية جناية على هذا الفرد، حيث أنه سيكون عرضة لضغط الجماعة المتمثل بالاحتقار والتسفيه والمقاطعة والازدراء..الخ. هذا فضلاً عن أن استجابة الفرد لهذه العملية ستكون قليلة أو نادرة، إذ أن الإنسان وكما أوضحنا سابقاً لا ينطلق من الوقائع كما هي بالخارج، بل منها كما يدركها هو، وعليه فيجب مراعاة هذه العملية فليس »السلوك الإنساني أو البشري مجرد منبه أو مثير أو استجابة، إنما (هو عملية تأويل للمنبه والاستجابة)، على حد تعبير هربرت بلومر الدقيق والمناسب. فنحن لا نتجاوب مباشرة مع أعمال الآخرين وأفعالهم، وإنما مع المعنى الذي نسبغه بنفسنا على تلك الأعمال. على أننا نقدر على فعل ذلك فقط من خلال سعينا إلى تعريفنا عمل الشخص الآخر وتأويله«(29). وإذا كان الأمر كذلك فهذا يعني بأن السلوك غير المقبول ينطلق في أغلب الأحيان عن قناعة فردية أو جماعية به، مبنية على الفهم الخاص الذي تمليه مجموعة القيم والمعايير والمفاهيم والمدركات التي يزدحم بها إطار الفرد أو الجماعة المرجعي، والسلوك الذي ينتجه الإيمان لا يزحزحه إلا الإيمان البديل. وهكذا لا يكون سلوك الفرد الاجتماعي خياراً تاماً، كما أنه ليس اضطراراً محضاً، بل هو نتيجة مباشرة للعلاقة الجدلية بين سلوك الفرد وثقافة المجتمع الذي يعيش فيه، عليه فإن عملية التغيير يجب أن تنال من ثقافة المجتمع التي تنتج القسر على السلوك المنحرف، أو غير المقبول. بعبارة أخرى؛ إن عملية التغيير الاجتماعي يجب أن تأخذ بنظر الاعتبار جملة العوامل التي تجعل السلوك قسرياً، وأيضاً تتفهم أن التغيير يجب أن ينطلق من تلك العوامل، لكي تتحول القسرية من إنتاج السلوك غير المقبول إلى إنتاج السلوك الذي يكون بمستوى طموح عملية التغيير.

مفردات القسر الاجتماعي

تعتبر ثقافة المجتمع من أهم الأواصر التي تبقي على المجتمع متماسكاً وقوياً، حيث أن الحاجة لهذه الآصرة تقوى وتبرز كلما كانت الأواصر الأخرى ضعيفة أو معدومة، فخارج نطاق العشيرة مثلاً تضعف آصرة النسب، الأمر الذي يجعل المجتمع المكون من عدت عشائر أو قبائل بحاجة لآصرة أخرى تشده لبعضه البعض. على هذا الأساس وعندما تكون ثقافة المجتمع عرضة للتغيير فإنها تنزع للثبات والمقاومة من خلال أفراد المجتمع، وهي تنجح بمنع هؤلاء الأفراد من التأثُّر بالتغيير أولاً، وبمقاومة هذا التغيير ثانياً من خلال عملية القسر الاجتماعي التي تمارسها عليهم. فمثلاً في الثقافة العربية تعتبر الملابس المحتشمة من أهم مقومات شرف المرأة، أي أن الملابس تدخل في صميم عملية تقييم المرأة اجتماعياً، وبالتالي فإن عملية إجراء تغيير على هذه الملابس ستهدد المختلف ـ سواء كان رجلاً يتبنى عملية التغيير أو مرأة تقوم بها مباشرة ـ بالقمع، حيث أن ممارسة مثل هذه العملية تعتبر انتهاكاً مباشراً لثقافة المجتمع، فكما قلنا أن المجتمع يتخذ من الملابس معياراً في تقييم المرأة مما ينتج أن ارتداء الملابس غير المحتشمة سيؤدي إلى كون النساء المرتديات لهذا النوع من الملابس متهمات اجتماعياً، ما يجعل الجماعة التي تنتسب هؤلاء النسوة إليها جماعة غير محافظة على قيم الشرف، وهذا ما يجعلها موضع نقد واحتقار من قبل الجماعات الأخرى، وهكذا وتفادياً لكل هذه النتائج فإن الجماعة وبصورة شبه آلية تقطع الطريق على عملية التغيير هذه منذ البداية عن طريق قمعها بشدة.

إن عملية القسر تتضح عندما يقوم أفراد هذه الجماعة بمقاومة عملية التغيير ليس بدافع من الاقتناع بعدم جدواها، أو بخطئها، بل فقط تماشياً مع رأي الجماعة، أو هرباً من ضغطها وعقوباتها، فالرجل الذي يسمح لزوجته أو ابنته بارتداء الملابس غير المحتشمة في مجتمع محافظ يكون دائماً عرضة للازدراء والتحقير والاستهانة، الأمر الذي يدفعه نحو التراجع عن هذا التغيير أو الاختلاف، من جهة. ومن جهة أخرى يقطع الطريق عن باقي أفراد المجتمع الآخرين من ممارسة مثل هذا الاختلاف.

على هذا الأساس فإننا نستطيع أن نميز عدت مفردات تقع في سياق تشكيل آليات القسر الاجتماعي الذي يدفع بالأفراد وبقوة لممارسة الكثير من الفعاليات والنشاطات بدافع من ضغط المجتمع وسلطته 

أولاً: مفردة الدين

يمارس الدين في المجتمع دوراً مهماً، حيث أنه يعتبر أحد أهم القوى الاجتماعية التي تضبط سلوك الأفراد داخل الجماعة، ومن ثم تبقي على المجتمع متماسكاً وبعيداً عن الانهيار، وهو لجهة التقنين والضبط فيه يعتبر واحد من أهم الركائز التي تعتمد عليها آليات القسر الاجتماعي، فهو يرفد المجتمع دائماً بمبررات عمليات القسر هذه، بل أيضاً يشارك في عمليتي الجزاء السلبي والإيجابي، إذ الكثير من السلوك الفردي يقع تحت طائلة الضبط الديني، الأمر الذي يجعل هذا السلوك أما مرغوب به، وهو بالتالي مُرَغَّبَاً به من قبل الدين، أو غير مرغوب به، وهو بالتالي مُعاقَبْ عليه.

ثانياً: مفردة العرف

العرف (Custom) هو:»تطبيق، أو ممارسة اجتماعية، يتعلمها الفرد باعتبارها عادة اجتماعية، ويمارسها أفراد المجتمع كافة بوصفها جزءاً من التقاليد، وتفرض عليهم برفض المجتمع لأي خروج عليها«(30). إن تعارف الأفراد على أنماط محددة من السلوك يرقى بهذه الأنماط لمستوى من القدسية ويضفي عليها قيماً اجتماعية كبيرة، الأمر الذي يدفع بالجماعة إلى الضغط على أفرادها ودفعهم للانضباط داخل هذه الأنساق وعدم الخروج عنها 

ثالثاً: مفردة المسؤولية الجمعية

ا(Collective responsibility) هي »شعور واسع الانتشار، وملزم إلى حد كبير، بين الشعوب البدائية. يتحمل الفرد في الجماعة القرابية أو القبيلة، بمقتضاه مسؤولية أي جريمة يقترفها أي فرد من أفراد جماعته، أو أي قرار تتخذه جماعته«(31)، وعندنا في الكثير من عشائر العراق ما تزال الشخصية المعنوية التي يتمتع بها أفراد العشيرة الواحدة تفرض على أبناء العشيرة الكثير من القسر الاجتماعي عندما تحملهم مسؤولية أعمال غيرهم، حيث نجد أن الطلب بالثأر سلوك على أفراد العشيرة القيام به اضطراراً، ومثله الكثير من الأفعال.

طبعاً هناك الكثير من المفردات الأخرى التي تدعم القسر الاجتماعي وتساهم فيه، غير أننا أوردنا هذا المقدار فقط للتوضيح.

السلوك (الفردي/الاجتماعي)

(من أين يبدأ وأين ينتهي)

لقد بعث الرسول محمد(ص) وسط جماعة اجتماعية هي أهل مكة، وكانت هذه الجماعة شأنها شأن باقي الجماعات تمتلك شخصيتها الاجتماعية التي تميزها عن غيرها، وتمتلك بالتالي إرثها الثقافي الخاص بها، وهي وكما بينّا سابقاً تنطلق في سلوكها استناداً لهذا الموروث ولتك الشخصية. وكان ما جاء به محمد(ص) يتعارض جملة وتفصيلاً مع معتقدات ومعايير هذه الجماعة. عملية تغيير شاملة كاملة( 32)، كان يجب على هذا الرسول أن يتمها في زمن قياسي، وكانت عملية التغيير هذه عرضة للجدل الذي تحدثنا عنه سابقاً، الجدل الذي يملي على جملة الواقعين تحت طائلة عملية التغيير هذه أن يتعاطوا مع دعوة الرسول بمنتهى السلبية والاستهانة، ذلك أنهم كانوا قد أنجزوا عملية الإيمان سلفاً، ورثوها من المجتمع، وإن مطالبتهم بإعادة صياغة هذا الإيمان ليس بالمطلب الهين أو اليسير، خاصة إذا تذكرنا بأن الجماعة الاجتماعية مرغمة على الحفاظ على مقومات وجودها، التي من أهمها الثقافة، لقد عرفنا سابقاً بأن المجتمعات ومن أجل أن تستمر متماسكة متينة قادرة على رعاية أفرادها فإنها يجب أن تدافع عن قيمها وأعرافها وقوانينها، وهي من أجل ذلك تتصدى لكل عمليات التغيير التي تتعرض لها، وتلزم أفرادها بالانضباط وفق معاييرها بشتى الطرق والأساليب، ولهذا فلم يكن الشاذ من أهل مكة هو ذلك الذي ضل متمسكاً بإيمانه السابق، بل الشاذ هو الذي تخلى عن هذا الإيمان، ولذلك وجدنا أن هؤلاء كانوا قلة من أفراد ذلك المجتمع، وكان الكثير منهم معارض سلفاً لقيم هذا المجتمع بسبب تعارض هذه القيم مع مصالحه الخاصة، الأمر الذي جعلهم يتوافرون على رؤية نقدية رافضة سهلت من عملية انتقالهم لصف المؤمنين أو المتأثرين بعملية التغيير الإسلامية. إن الانسلاخ من قيم الجماعة والقدرة على الخروج عنها وتحمل كل ما يتبع هذا الخروج من عقوبات مادية ومعنوية هو في حقيقته فعل لا تتحمله إلا شخصية واعية منفلتة غير تقليدية، ومثل هذه الشخصية لا بد أن تكون قليلة وشاذة عن باقي أنماط الشخصيات الموجودة في المجتمع.

لهذه الأسباب فقد هب أهل مكة للدفاع عن وجودهم ضد هذا التهديد السافر. ولم يكن أمر محمد(ص) بالنسبة إليهم غير عملية إلغاء لوجودهم وتسفيه لثقافتهم وتدمير لحضارتهم، ولهذا السبب أيضاً فقد لبث الأغلبية الساحقة من هؤلاء الناس على دينهم وعقيدتهم ولم تنفع معهم كل محاولات الرسول محمد(ص) التغييرية، بل إن الدلائل التاريخية تشير إلى أن مجموع المؤمنين بالدين الجديد لم يكونوا يزدادون بشكل كبير، ولو اقتصر الأمر على ذلك لهان، غير أن انتماء الرسول محمد(ص) ومجموعة المؤمنين به للمجتمع المكي، جعل هذا المجتمع مرغماً على وضعهم تحت طائلة آليات الجزاء التي تحدثنا عنها سابقاً، والتي يحمي من خلالها المجتمع وجوده، من خلال المقاطعة والنبذ أو من خلال أساليب أخرى، وهكذا تعرض المسلمون لشتى أنواع الاضطهاد، الذي كان بالنسبة لأهل مكة أمراً مشروعاً وآلية ضرورية يهدفون من خلالها لحماية مجتمعهم.

إن المهم في هذا المثال هو أن نعرف لماذا لم ينجح الرسول محمد(ص) مع أهل مكة رغم طول السنين التي أمضاها بينهم، ونجح مع أهل المدينة بزمن قياسي محققاً من الإنجازات النوعية ما سهل له من ثم نشر الدعوة الإسلامية وممارسة عملية التغيير بشكل منقطع النظير. لقد كانت مكة مركزاً دينياً مهما في الجزيرة العربية، ومن شأن المراكز الدينية أن تكون بنفس الوقت مراكزاً تجارية، وكان لكل قبيلة من قبائل العرب صنم أو رمز ديني موجود في مكة تحج إليه كل سنة، الأمر الذي يعني أن أهل مكة كانوا يعتمدون على السياحة التي تجلبها عليهم عقيدتهم، وبالتالي فلم يكن من السهل عليهم أن يتنازلوا عن هذه العقيدة. ومن ملاحظة الجدل الذي كان يدور بين أطراف النزاع والذي ينقله إلينا القرآن نستطيع أن نستنتج بأن الجدل الذي كان يدور لم يكن عقائدياً، فمن الإرباك الذي كان يعانية أهل مكة نستطيع أن نكتشف ذلك، من ترددهم بين تصنيف هذا النبي على زمرة السحرة والمشعوذين، أم على زمرة الكهنة والمتنبئين، أم على زمرة الكذبة فقط. لو كان الجدل فكريا لتم لأهل مكة تصنيف الرسول محمد(ص)، بل لقد ذكر لنا كل من التاريخ والقرآن بعض الروايات التي تكشف عن قناعات تولدت لدى أهل مكة تكشف عن أن الرسول محمد(ص) كان قد اخترق المنظومة الفكرية لهؤلاء الناس، واستطاع بالتالي أن يقنعهم بصدق دعوته, غير أن تحت الأكمة ما تحتها، لقد كان القوم مجبورين، وبالتالي لقد كان سلوكهم معه قسرياً ناشئاً من تحكمات وإملائات الإطار المرجعي الذي كان يتحكم بهم، هذا الإطار الذي كانت تتصارع فيه القيم بمعناها المادي الاقتصادي مع القيم بمعناها الديني المعنوي، لقد كان لهبل عند أهل مكة أهمية كبيرة لا سبيل إلى زحزحتهم عنها، وهذه الأهمية ناشئة من تضافر قيمتين هما قيمة هبل الدينية التي نجح الرسول بإقناعهم بعدم جدواها، وبقيمته الاقتصادية التي لم تنجح محاولات الرسول بزحزحتها. ولم يكن هذا الصراع شعورياً واضحاً عند هذه الجماعة التي كانت تتعرض لعملية التغيير الإسلامية، لقد كانوا يعتقدون بأنهم يدافعون عن مقدساتهم وعقائدهم. وهذا هو شأن جميع الجماعات والمجتمعات والأفراد، حيث يترسخ لديها اعتقاد ما وهي لا تعرف السبب الحقيقي الكامن وراء هذا الاعتقاد.

لقد أدرك الرسول محمد(ص) هذه الإشكالية ولذلك راح يبحث عن مجتمعات أخرى، ولو أنه لم يدرك هذا الأمر لفقد الأمل بنشر الدعوة، فما الفرق بين أهل مكة وغيرهم، وما دام هؤلاء لم يؤمنوا بالدعوة فما الذي يجعل غيرهم مهيئين لقبولها والإيمان بها، بل أن غاية ما يمكن أن يكون حال غيرهم عليه هو أن يؤمن قليلهم ويعارض كثيرهم شأنهم شأن أهل مكة، غير أن تحول الرسول لأهل المدينة يكشف عن أنه كان يبحث عن ثقافة ومجتمع لا توجد فيه نفس الموانع التي توجد في ثقافة أهل مكة.

إن إدراك المصلح أو القائمين بعملية الإصلاح لعمق الإشكالية الكامنة وراء السلوك المراد تغييره هو السبيل الوحيد الذي يمكن له أن يأخذ بأيديهم إلى النجاح، ولا بد من الحفر والتنقيب عن كل العوامل الكامنة وراءه، من أجل أن يكون موضوع التغيير مفهوماً بشكل واضح وجلي، ومن ثم نكون مهيئين لرسم خطة التغيير وتحديد الخطوات الواجب إتباعها في تفعيل هذه الخطة، بالضبط كما حصل مع الرسول محمد(ص) بين مكة والمدينة.

هناك حادثة يكثر من ذكرها علماء الانثروبولوجيا تفيدنا في فهم هذا الموضوع، هي حادثة أو قضية الكرسي الذهبي، وملخص هذه القضية أن حملة بريطانية استهدفت قبيلة الاشانتي سنة 1874، وكان لهذه القبيلة كرسي خشبي مطعم بالذهب يستخدمه ملوك هذه القبيلة كعرش لهم، وكان لهذا الكرسي قيمة أخرى لدى هذه القبيلة ناشئة من اعتقادهم بأنه نازل من السماء، ولذلك فقد عمد أفراد هذه القبيلة وعلى أثر الحملة البريطانية إلى دفن هذا الكرسي، غير أن الحاكم البريطاني طالب به، ورفضت القبيلة طلبه، وتحول هذا الأمر إلى نزاع واحتدم النزاع وتحول إلى اضطرابات وحروب استمرت حتى عام 1921، وعن طريق المصادفة وجد عمال الحفر والتنقيب هذا الكرسي، فسرقوا ما عليه من ذهب، فثارت حفيظة الاشانتي لهذا الأمر وطالبوا برؤوس العمال السارقين، وعلى أثر ذلك شرح  انثروبولوجي المنطقة للحاكم البريطاني الأهمية الرمزية لهذا الكرسي بالنسبة للاشانتي الأمر الذي دفع بالحاكم لترك المطالبة به(33). إن هذا المثال يؤكد ما أشرنا إليه، لقد كان الاشانتي مجبرين على الدفاع عن رمزهم، والذي لم يفهمه الحاكم البريطاني هو إصرارهم على المقاومة، لقد كان هذا الرجل يجهل القيمة المعنوية لهذا الكرسي، أو أنه يجهل طبيعة القسر الذي تسببه هذه القيم وتحكم من خلاله سلوك الجماعة.

على هذا الأساس فعلينا ونحن نريد إجراء تغيير إيجابي على السلوك الاجتماعي، أن نعرف قبل كل شيء، من أين يبدأ هذا السلوك، علينا أن نعرف ونشخص جميع العوامل التي تقع على طريق إنتاج هذا السلوك وجعله سلوكاً مطلوباً من قبل الجماعة، ومن ثم سلوكاً يجد الفرد نفسه مدفوعاً إليه دفعاً.

 

القسم الثاني