ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

 كرامة الإنسان في المفهوم المسيحي

 

الأكليريكي: سامر نمرود عزيز

المقدمة

»كل إنسان يمثل في ذاته قيمة سامية ومطلقة، لأن مبدع الطبيعة البشرية حباهُ نفساً خالدة«، لذا تطالب الكنيسة بأن تعاد للشخص البشري كرامته التي أعطاها الله إياها منذ البدء. وهذا يفترض أن يكون المجتمع كله في خدمة الإنسان. فإن الإنسان بصفته كائناً إجتماعياً لا يستطيع تنمية مؤهلاته وطاقاته إلاّ في المجتمع، لذا يتوجب على المجتمع أن يوفّر له المساعدة الضرورية في كل نواحي حياته المادية الفكرية والروحية والأخلاقية والعائلية والاجتماعية.كرامة الإنسان تقتضي أن يكون سيد الأشياء وسيد ذاته لأن الله خلقه على صورته وميّزه العقل والإرادة والحرية، وهذا ما يجعله مسؤولاً عن أعماله ومصيره، وفي ذلك بالذات كرامته.

الكرامة في الكتاب المقدس

يخبرنا الكتاب المقدس بأن الإنسان خُلِقَ (على صورة الله)، وبإمكانه معرفة خالقه ومحبته، وقد أقامه الله سيداً على كل المخلوقات الأرضية، لكي يتسلط عليها ويجعلها في خدمته لمجد الله، وهذا ما نجده في المزمور الثامن: ((جَعَلْتهُ أَدْنَى قَلِيلاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِلَى حِينٍ، ثُمَّ كَلَّلْتَهُ بِالْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ، وَأَعْطَيْتَهُ السُّلْطَةَ عَلَى كُلِّ مَا صَنَعَتْهُ يَداكَ. أَخْضَعْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. الْغَنَمَ وَالْبَقَرَ وَجَمِيعَ الْمَوَاشِي، وَوُحُوشَ الْبَرِّيَّةِ أَيْضا)) (مزمور5:8ـ7).

كما إن ما نجده في سفر التكوين (تكوين 26:1ـ27) بأن الله خلق الإنسان ـ رجلاً وإمرأة ـ على صورته ومثاله. هذه الصلة بين الإنسان وخالقه هي أساس كرامته وما يتمتع به من حقوق أساسية راسخة، كفيلها الله نفسه. هذه الحقوق الشخصية يوازيها، بلا شك، واجبات تجاه الآخرين. ولا يجوز للفرد ولا للمجتمع ولا للدولة ولا لأي مؤسسة بشرية الهبوط بالإنسان أو بمجموعة من البشر إلى مستوى الأشياء.إنّ ما يقصده الكتاب المقدس في سفر التكوين والمزمور الثامن هو أنّ لكل إنسان الحق بأن يُعتَرَف به وأن تُحترم كرامته. فالإنسان صورة الله التي اكتسبها منذ الخلق والتي لا يمكن أن تُمحى، لكن يمكن أن يفقد المثال عندما يكون في حالة الخطيئة، فالصورة تعني الإنسان بحدِّ ذاته، أمّا المثال فيعني أفعال الإنسان.

يبدو أنّ عبارتنا (كمثالنا) تخفف من معنى كلمة (صورتنا) فتنفي المساواة في (تكوين26:1): وقال الله: »لِنَصْنَعِ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا، كَمِثَالِنَا، فَيَتَسَلَّطَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ، وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ، وَعَلَى الأَرْضِ، وَعَلَى كُلِّ زَاحِفٍ يَزْحَفُ عَلَيْهَا«. ولفظ (صورة) المحسوس ينطوي على تشابه مادي، كما هو بين آدم وابنه، وهذا ما نجده في (تكوين3:5) : »كَانَ عُمْرُ آدَمَ مِئَةً وَثَلاَثِينَ سَنَةً عِنْدَمَا أَنْجَبَ وَلَداً كَشَبَهِهِ وَمِثَالِهِ، وَسَمَّاهُ شِيتاً«. لكن علاقة الإنسان بالله تميزه عن الحيوانات وتفترض فيه وجوه وتشابه عام بالله (عقل وإرادة وقدرة)، فالإنسان هو شخص، وأخيراً تمهد العلاقة لوحي أسمى، وهو الاشتراك في طبيعة واحدة (الطبيعة الإلهية) بالنعمة.

إنّ كرامة الخالق للإنسان المخلوق، (ذكر وأنثى)، هذه الكرامة التي تنبثق عن الله ذاته مصدر وجود الإنسان، ككائن بشري، أي إنه "شخص"، يتمتع بنفس الكرامة الإلهية، هذه الكرامة التي تعطى بالتساوي للذكر والأنثى، حيث كل منهما شخص بحد ذاته، مخلوق على صورة الله ومثاله. فعلى (صورة الله ومثاله)، يعني بالطبيعة الروحانية للإنسان، في قدرته على الفهم والتمييز، في الذكاء وفي الإرادة، على مثال الله يستطيع أن يأمر ويعمل، يستطيع أن يحافظ على شريعـة الله بحريّة (أنظر تكوين6:3)، فباختصار، على (صورة الله ومثاله) يعني بالعقل والإرادة، بالفكر والاختيار، بالحرية والتصرف، بالإحساس والقدرة، وخاصة القدرة على معرفة الله وحبّه.

يطلق العهد الجديد عبارة (صورة الله) مراراً كثيرة على الإنسان (1كورنثوس 7:11): (لا يجوز..)، وإن وصية المسيح في إنجيل القديس متى (48:5): »فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ، كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ هُوَ كَامِلٌ«، تظهر كنتيجة ومطلب لعقيدة أنّ الإنسان صورة الله، وهكذا نستطيع أيضاً فهم كلمة نُسِبت إلى المسيح وهي: »إن رأيت أخاك رأيت الله«. ويفترض علينا هذا الاقتناع احترام الآخرين، وهذا ما نجده في (يعقوب 9:3؛ تكوين 6:9)، ويعتبر أساس محبتنا له: »فَإِنْ قَالَ أَحَدٌ: أَنَا أُحِبُّ اللهَ! وَلكِنَّهُ يُبْغِضُ أَخاً لَهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ«(1يوحنا20:4). إلاّ أنّ هذه الصورة في الإنسان تظل مشوهة بالنقص والخطيئة، وتحتاج إلى التسامي عليها: فالحكمة في العهد القديم ترسم ملامح هذه الصورة الجديدة، والسيد المسيح يحققها في شخصه.

يستمد الإنسان إذاً، (ذكراً وأنثى)، هويته من الله، كذلك شخصيته وكرامته، لأنه مصدر وجوده، فالله بخلقه الإنسان على صورته ومثاله، إنما يقصد بذلك أن يتكلم مع الإنسان بلغته، يعني نوعاً ما، أنّ الله هو شبيه للإنسان، ويمكن أن يكون معروفاً من قِبَل الإنسان، كون الشبيه فقط يعرف شبيهه. وفي نفس الوقت يحدد الكتاب المقدس "عدم التشابه" أيضاً بين الإنسان والله، حيث ميّزَ بين الخالق والمخلوق ومعه كل الخلق، إنه مختلف في الجوهر، إنه الآخر تماماً (راجع 1 تيموثاوس 16:6).

العهد الجديد يُذكِّر بكرامة جميع البشر ووحدتهم الأساسية والتزامهم بالأخوّة؛ كيف لا وقد حقق لهم المسيح جميعاً وبالتساوي نعمة الخلاص وضمِّ الشمل. فسِرّ التجسد يوضح لنا إلى أي حدٍّ أكرم الله الطبيعة البشرية، وقد أراد لها، في ابنه، أن تتّحد بطبيعته، بدون اختلاط ولا انفصال؛ وهكذا تمّ اتحاد المسيح، نوعاً ما، بكل إنسان. والمسيح هو، بوجهٍ فريد، »صورة الله الذي لا يُرى«، وفيه وحده تتجلى ذات الله بوجه كامل في مَسكَنَةِ الطبيعة البشرية التي تلبّس بها بطريقة حرّة.

الوصية الخامسة (لا تقتل) تعبّر عن الاقتناع السائد منذ العهد القديم بأن الحياة ثمينة ومقدَّسة، وتشير خصوصاً إلى الحياة الإنسانية، إذ إنّ الإنسان هو صورة الله. وفي هذا قيمته وكرامته.

يكشف الكتاب المقدس، منذ بدء الخليقة، في قصة قتل قايين لأخاه هابيل، عن وجود الغضب والحسد في الإنسان. في هذه الوصية سأتطرق إلى ثلاثة جوانب أساسية.

القتل الرحيم (Euthanasia)

كانت هذه الكلمة في بداية القرن السابع عشر تعني تقبّل الموت عندما يحين وقته، أي الموت العذب الهادئ. ولكن في القرن التاسع عشر اتخذ المصطلح معنى جديداً هو وضع حد للحياة بطريقة إرادية بهدف تخفيف آلام المنازع، أو شفقة على حالة مرضية أصبحت لا تطاق لا من المريض ولا ممّن يحيطـون به. ولذا أصبح الحل الوحيد بالنسبة للعديدين، هو التدخل المباشر لقتل المريض.

يعتبر فرنسيس بيكون العالِم والفيلسوف الإنكليزي (1561ـ1626) أول من استخدم كلمة Euthanasia في كتابه الأورغانون الجديد، من أجل حثّ الأطباء على إيجاد علاجات مسكِّنة لتخفيف آلام المريض وأوجاعه في غروب حياته: »وأقول أكثر من ذلك، مشدداً على أن مهمة الطبيب في هذا المجال (المجال الطبي) لا تقتصر على شفاء المرضى فحسب، بل على تسكين الآلام والعذابات الناجمة عن الأمراض، وهذا يعني أنّ تسكين الألم، المعتَبر كظاهرة مخوفة بالمخاطر، ينبغي ألاّ يقود المريض إلى فترة النقاهة، بل إلى أن يتاح له، حينما يفقد كل أمل، أن ينعم بميتة عذبة هادئة؛ وهذه الميتة الهيّنة هي أقل ما يحصل عليه من السعادة«.

عندما يلغي الإنسان ويتجاهل علاقته الأساسية بالله، يظن أنه المعيار الأوحد لذاته، فيقوم بمطالبة المجتمع والحكومات، بأن يقرر كليّةً ما يفعل بشأن حياته بتحكم كامل، خصوصاً في البلاد المتطورة التي يتوفر فيها أنظمة طبية وأجهزة بالغة التطور موضوعة لأجل تقليص المرض وتذليله وإبعاد كل ألم ومعاناة عن المريض. لكن الكنيسة تعتبر القتل الرحيم انتهاك خطير لشريعة الله؛ بصفته قتلاً متعمداً لشخص بشري؛ معتبرة أنّ ما يهدِّد كرامة الإنسان وحياته لا يمكن إلاّ أن يمسّها في صميم فؤادها ويصيبها في عُقرِ إيمانها بابن الله المتجسِّد والفادي. وقد أعلنتْ أنّه لا يحل القتل الرحيم حتى ولو كان بطلب من المريض ذاته، لأنه ضَربْ من الشفقة الزائفة، لا بل إنه انحراف مُقلِق لمعنى الشفقة، وهو يُمسي أشد خطورة أيضاً عندما يمارسه آخرون في حقّ إنسان لم يطلبْ ذلك البتة.

إذاً تعلّم الكنيسة أن كل ما نملك هو عطية من الله تعالى. والحياة هبة من حب الله، بل هي الهبة الكبرى التي منحها الله للإنسان وأتمن الإنسان عليها، الحياة وديعة عند الإنسان سيؤدّي عنها حساباً. ولهذه الحياة كرامة سواء كان ذلك في مراحلها الأولى أو في مراحلها الأخيرة. وكما يؤكد المجمع الفاتيكاني الثاني: »علماً أنّ كل ما يتصدى للحياة نفسها عداءً واعتداءً كالقتل بشتى أنواعه، والوأد، والإجهاض، والإجهاز الرحيم على المرضى، والانتحار المتعمِّد، وكل ما ينال من سلامة الشخص الإنساني الكامل كَبَترْ الأعضاء، والتعذيب الجسدي والمعنـوي...... كل ذلك وكل ما شابهه هو في الحقيقـة عارٌ وشنارٌ، وهو إذ يُفسِد الحضارة البشرية، يُشين فاعلية أكثر مما يُشين محتمليهِ، ويُنافي شرف الخالق منافاة لا حدَّ لها«.

في السنوات الأخيرة أقرّ البرلمان الهولندي، وهو أول برلمان يشرِّع القتل الرحيم بدافع (الشفقة) و (الرحمة) يُجهِزون على بعض المرضى أو المسنين بواسطة دسّ السُم أو تنشيق المريض أحادي أوكسيد الكاربون أو بوقف العلاجات. ويَعتبر بعض أطبائها أنّ عرض هذا الموقف على المعنيينَ إنما هو من قِبَل التقدّم العلمي. وقد أمسى هذا الجنوح على مزيد من الأعزاء لبعض البلدان المجاورة التي باتت تطلب تشريع التحكّم بالموت تحت غطاء المنطق والإنسانية، وذلك تجنباً لآلام مبرحة لا أمل في شفائها عند ذويهم ممَّن وُلِدوا معاقين أو أُصيبوا بمرض مؤلم لا أمل بالنجاة منه... أو تلبية لرغبة المريض أو المُدنَف نفسه الذي يطلب إنهاء حياته لسبب ما. لكن تبقى الحياة هبة مجانية من الله وليس باستطاعتنا إنهاؤها.

الانتحار (Suicide)

لانتحار فعل يتعدّى فيه الإنسان على حياته الخاصة، إنه فعل قتلْ للحياة البشرية التي يجب أن يرعاها الإنسان في ذاته أولاً. فيمكن اعتبارها المرحلة التي يصل بها الإنسان إلى العلاقة النهائية والأخيرة لليأس وانعدام الثقة بالرب، تلك التي تحرِّر الإنسان من تجربة الانتحار، فيصبح بالتالي عصيان واضح وتعبير نهائي للذات المحطّمة بِوَجهِ الرب.

ينتشر الانتحار اليوم بشكل ملفت للنظر. ويعزو البعض أسبابه إلى ضغوطات الحياة اليومية أو المستقبلية، ويكمن السبب الرئيسي الدافع إلى الانتحار في فقدان معنى الحياة الذي يتأتى من انهيار عصبي أو اكتئاب مستديم ناتج عن كثرة المشاكل العائلية أو الوظيفية التي لم يَعُد الإنسان قادراً على حملها.

في الكتاب المقدس لم ترُد حالات قرّر فيها الإنسان إنهاء حياته (منتحراً) كوسيلة للهرب من الحياة أو من معاملة السيئة التي يختبرها. ولكننا نشهد حالة نادرة في سفر القضاة (22:16ـ31) وهي حالة القاضي شمشون، التي أراد فيها الهرب من الموت المخزي المحتوم على يد أعدائه، فيقرِّر إنهاء حياته ليتوِّج نضاله ضد أعدائه، فيجد في الموت بدل الوقوع بين أيدي أعدائه (1صموئيل 3:31ـ5). كذلك نجد في سفر المكابين الأول (43:6ـ46) عندما وضع القائد نفسه تحت أقدام الفيل فمات، لأنه أراد أن يخلِّص شعبه والملك.

القديس توما الاكويني يقودنا إلى شرح الأخلاق الكاثوليكية، بخصوص الانتحار، بشكل منطقي مديناً أدبياً فعل الانتحار فيقول: »غير مسموح الانتحار إطلاقاً لثلاثة أسباب:

أولاً/ لأنّ كل كائن يحب نفسه طبيعياً، لهذا السبب كل من يعطي الموت (قتل الرحيم) هو ضد الميل الطبيعي والمحبة التي يجب على كل واحد أن يحب نفسه.

ثانياً/ كل إنسان هو قسم من الجماعة، ولهذا هو تابع للجماعة ومن ينتحر يهين الجماعة.

ثالثاً/ الحياة هي عطية من قِبَل الله للإنسان وموضوع سيادتـه الإلهية الذي يميت ويحيي، ولهذا كل من يحرم نفسه من الحياة يخطأ ضد الله«.

الإجهاض (Abortion)

يعتبر الإجهاض من القضايا الهامة في هذا العصر إذ يتعلّق بموضوع الحياة البشرية، ففي كثير من البلدان يجري التصويت لاختفاء الصيغة الشرعية على الإجهاض، وذلك بحجة حرية الرأي والضمير، متغافلين بذلك بأن الحياة هبة من الخالق ووديعة على الإنسان أن يحافظ عليها وليست موضوعاً للتصويت ولمزاج الإنسان، لكن يبقى الإجهاض حل قصير الأمد لمشكلة تبقى دون حل.

لظاهرة الإجهاض أسباب عديدة وكثيرة؛ فلم تعُدْ عملاً فردياً خفيّاً، وكلها مرتبطة بالتحولات الفكرية والاجتماعية السريعة في السنوات الأخيرة، وأهمها:

1. ظاهرة العلمنة التي أثّرت على معنى الحياة البشرية.

2. انحطاط قيمة الكائن البشري.

3. الأنانية والعنف اللذان زادا المشكلة تعمقاً، مما أدى إلى الرغبة في تحديد النسل والعيش في حياة رغيدة وتقليل عدد الأولاد.

وغيرها من الأسباب التي يمكن اعتبارها جنسية حيث يزداد النشاط الجنسي عند المراهقين بنسبة مخيفة. حيث أنّ بعض الدراسات أشارت إلى أنّ ثلاثة أرباع كل الفتيات قد مارسنَ الجنس خلال سنوات المراهقة، وأنّ 15% منهنَّ مارسنَ الجنس مع أربعة أشخاص أو أكثر، وعلاوة على هذا، فإنّ الفتيات تمارس الجنس في هذه الأيام في سن مبكرة.

أمّا كتابياً فإننا لا نعثر في الكتاب المقدس على نصوص واضحة تتحدّث عن الإجهاض المتعمّد، وعلى هذا الأساس تمسّك البعض بهذا الموقف الصامت وراحوا يُروِّجون تعاليم غريبة تدعو إلى السماح به. لكن هذا غير ممكن فهناك آيات تُشيد بالجنين وبقيمته كصورة الله، حتى وهو بعد جنين. في المزمور 16:139 نقرأ: »رَأَتْنِي عَيْنَاكَ وَأَنَا مَازِلْتُ جَنِيناً؛ وَقَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ أَعْضَائِي كُتِبَتْ فِي سِفْرِكَ يَوْمَ تَصَوَّرْتَهَا«. وهناك نص آخر من ارميا يقول: »قَبْلَمَا شَكَّلْتُكَ فِي أَحْشَاءِ أُمِّكَ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَمَا وُلِدْتَ أَفْرَزْتُكَ، وَأَقَمْتُكَ نَبِيّاً لِلأُمَمِ« (إرميا5:1). وهنا نذكر رواية القديس لوقا حول زيارة العذراء لإليصابات كيف إرتكضَ الجنين (يوحنا المعمذان) (لوقا 40:1ـ44).

لكن نجد سؤالاً يطرح علينا ألا وهو: هل يعلن الكتاب المقدّس أنّ الحياة تبدأ بالحَمِل؟

والجواب على السؤال هو أنه لا يذكر كُتّاب أسفار الكتاب المقدس بأنّ الحياة تبدأ من الحَمل. بيدَ أنهم يشيرون على الدوام إلى الحَمل كنقطة البداية لحياة الإنسان، أو بشكل تشبيهي، إلى بداية ظهور فكرة ما إلى الوجود. لكن كون الكتاب المقدس يعلن أنّ الحياة تبدأ بالحمل، يطرح سؤالاً آخر بخصوص قضية هامة للغاية وهي، ما هي القيمة التي يضعها الكتاب المقدس على حياة الإنسان في اللحظة التي يبدأ فيها الحمل؟ فالكتاب المقدس يضع قيمة كبيرة جداً للجنين من خلال علاقته بصورة الله، أو بعلاقته بالحياة بعد الولادة، وبعلاقته بموته المبكر. فهناك آيات كثيرة بهذا الخصوص نجد عند التفكير بها وتطبيقها في الوقت الحاضر بأنه هناك مسؤولية كبيرة في اتخاذ قرار لإجهاض الطفل.

 ولكن متى يجوز القيام بعملية الإجهاض؟         

يجوز الإجهاض في حالات استثنائية، حيث تتناقض حقوق الأم مع حقوق الجنين. وذلك استناداً على مبدأ حق الدفاع عن النفس واختيار أهوَن الشرَّين. فعندما تتنافى حياة الأم مع حياة الجنين، أي إما موته أو موتها ولا حلّ ثالثاً للمشكلة، أي عندما يكون الجنين خطراً على حياة الأم، عندها فقط، يُعمَل على تخليص الأم، وإن على حساب الجنين، لأن الموجود بالفعل »أبدى من الموجود بالقوة، وأن الأحياء يجب أن تكون لهم الأسبقية على الذين لم يولدوا بعد، إذا أردنا للأجيال المقبلة أن تولد في وطن جدير بالحياة والموت دفاعاً عنه«.

الكرامة في التعليم الإجتماعي

تقوم الكرامة الإنسانية على كون الإنسان اكثر من حقيقة بيولوجية، وأكبر مما يصنع أو يعمل، ولا يمكن اختزال الإنسان وقيمته إلى بُعد معيّن من كيانه أو مرحلة من عمره، ولا يمكن حصر الإنسان وقيمته في دور منوط به أو وظيفة يقوم بها. فالكرامة الإنسانية هي غاية الحياة الإنسانية، أي الأفق الذي يدعو إلى التقدم نحوه، كتطلّب مستمر للنمو، ودعوة متجدّدة للتطور. فبإمكاننا اعتبار الكرامة الإنسانية إحساس يلزمنا أن نحترم الإنسان بكلّيتهِ كونه كائن إنساني، مهما كانت حياته، وفي أي وقت كان، ومهما كان مظهره البشري الخارجي (جميل أو قبيح). وكذلك نعتبر هذه الحياة بأنها تستحق أن نحياها وإنه لا أحد بإمكانه الحكم على قيمتها، فعند احترام الحياة الإنسانية يظهر أساس وجود أي مجتمع وإستمراريته في الحياة كمجتمع إنساني. كذلك يجب علينا احترام الجسد الإنساني لأنه من خلاله يدخل الإنسان في علاقات مع الآخرين، فالإنسان في كل مرّة احتُقِرَ فيها وامتُهِنَ في كرامته، شُوّهَ جسده وإرتذل حتى التدمير.

من علامات الكرامة الإنسانية إعتبار الإنسان قيمة بحدِّ ذاته، فحسب مقولة كانط »تصرّف بحيث تعامِل دائماً الإنسانية التي في شخصك والتي في أي شخص آخر لا كوسيلة فقط بل كغاية«، يجب عليّ أن أتدرب في حياتي على إحترام الآخر كما هو، حتى ولو إستوجب الأمر أن استفيد من طاقاته، فهو في حقي اللجوء إليه. فالآخر هو وحده الذي يتيح لي في العالم أن أعبّر بواسطته عن ذاتي، تحقيقاً لما أبتغي الوصول إليه. فأساس كرامتي الإنسانية مبني على مدى علاقتي مع الآخر، فعليّ أن أعترف بالآخر كشبيه لي، وبمسؤوليتي تجاهه التي يوقظها فيّ وجوده وحضوره. وهذا لا يعني أن أختار أشخاص يناسبوني بل أن أطبقها على كل شخص مهما كان علي أن أحترم كرامته الإنسانية وهذا ما يقودني إلى إدراك أن مفهوم كرامتي الإنسانية يتطلب مني إحترامي لكرامة الآخر.

كل ما ورد أعلاه يقصد به المساواة بين البشر، وأن أرفض ما هو غير مقبول بأن يطبّق على الآخر، فعلينا أن نتعلم أن نرفض ما يجب رفضه، ونقبل ما يجب قبوله. لكن يزداد السؤال عن الكرامة الإنسانية إلحاحاً وأهمية، عندما نواجه خبرات ومواقف نلمس فيها ( حدود) الإنسانية، في حالات الإذلال البدني والمعنوي، وفي حالات الفقر المدقع والبؤس الشديد، وفي حالات الإعاقة الذهنية والجسمانية، وعندما نتساءل عن معنى الكرامة الإنسانية في هذه الخبرات والمواقف، فإنها، ويا للعجب، تعلِّمنا شيئاً جديداً، بل أساسياً عن قيمتها ومبلغها.

إحدى الخبرات الإنسانية المؤلمة في القرن العشرين، هي معسكرات الاعتقال في ألمانيا النازية والأنظمة التوتاليتارية كالإتحاد السوفيتي خاصة أثناء حكم ستالين، وكذلك معسكرات اللاجئين التي يخيّم فيها الملايين من البشر، وكذلك السجون التي كانت تعذب وتهين وتقتل السجناء من دون أي ذنب. فكل من كان في السجن دون إرادته ينتبه إلى من حوله تهان كرامته، وقد يدفع حياته نتيجة هذا الإنتباه، وخير مثال هو الراهب الفرنسيسكاني مكسيميليان كولمب (1894ـ1941) الذي قدّم نفسه للموت في المعتقل النازي بدلاً من رب عائلة. وفي وقتنا الحاضر نجد أشخاص كرسوا ذواتهم لخدمة أفقر الفقراء كالأُم تيريزا التي توفيت قبل سنوات، لكن عملها ما زال مستمراً من خلال رهبنتها، وكذلك جان فانييه مؤسس جماعة الآرش(1) Arch التي تعنى بالمعاقين عقلياً. فهؤلاء الأشخاص قالوا ( لا ) بوجه كل من يريد إهانة كرامة الإنسان، وكرامة الإنسان عندهم هي في الانتباه إلى احتياجات الآخر، وكل ما يقدِّموه للآخر من مأكل ومشرب وملبس ومسكن هو تعبيرهم عن احترام كرامته. فالإنسان يشعر بقيمته وبكرامته عندما يجد من يهتم به.

إنّ ضعيف الشخصية بحاجة إلى من يُسيِّره ويأخذ بيدهِ، أمّا البالغ فيعرف كيف يسلك في الطريق السوّي والواعي المعطاء يدرك كرامة نفسه وقيمة الآخرين، فينشئ وإياهم علاقات ودّ وإبداع، فالإنسان الخيِّر لا يفتقر إلى نهج أخلاقي مرسوم، وكذلك ليس بحاجة إلى من يأمره لاختيار أحسن الطرق، فالقانون والفريضة لَيسا دوافع خارجية مقرونة بالخوف أو بالقوة، وذلك كونه يقبل بها عن وعي كامل وحرية تامة، واضعاً أمام عينيه هدف حياته: بنيان ذاته وبنيان الآخر على أتمِّ وجه، فتُضْحي كلها قضايا شخصية والتزامات ذاتيه وجدانية تنبع من أعماقه، وتدفعه إلى فِعل الخير والعمل بإخلاص.

الشرعة العالمية لحقوق الإنسان

تمّ إعلان هذه الوثيقة "الشرعة العالمية لحقوق الإنسان" من قِبَل هيئة الأمم المتحدة في 10 كانون الأول سنة 1948، والتي أصبحت اليوم الدستور الأساسي الذي يتعيَّن على كل دول العالم الارتكاز عليه في تكوين دساتيرها الخاصة أو تعديلها.

 تتكون هذه الوثيقة من 30 مادة تشمل حياة الإنسان بجميع جوانبها، حيث تبدأ المادة الأولى »يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وُهِبوا عقلاً وضميراً، وعليهم أن يعامِل بعضهم بعضاً بروح الإخاء«. فهذه المادة تؤكد على ضرورة الاعتراف بالمساواة الأساسية بين جميع الناس، واستناداً إلى هذه المساواة المبنية على الكرامة الإنسانية، يحدَّد حقوق الإنسان. وفي المادة الثانية يوضّح تلك المساواة بقوله » لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريّات الواردة في هذا الإعلان، من دون تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أي تفرقة بين الرجال والنساء«. ثمّ يعدد الحقوق الأساسية التي يجب تأمينها لكل إنسان في أي مجتمع كان: الحق في الحياة والحرية والأمان وعدم التعذيب، والحق في الشخصية القانونية وفي حماية القانون وفي اللجوء إلى القضاء وفي اللجوء السياسي في حال الاضطهاد، والحق في العيلة والزواج وفي حرية الفكر والمعتقد الديني وفي استبدال الدين أو المعتقد وفي حرية الرأي، والحق في الإسهام في الحياة الثقافية، والحق في حماية المصالح الأدبية والمادية التي تحصل من كل نتاج له في العلوم والآداب والفنون.

 فالوثيقة تجمع بين حقوق الأفراد وحقوق الشعوب، إلاّ أنها أكثر تركيزاً على حقوق الأفراد مع المزيد من التفصيل. وتركِّز على الحقوق أكثر مما تركز على الواجبات، مما أدى إلى المعيار المزدوج في التطبيق، الحقوق فقط داخل أوربا الغربية من دون واجبات على الغرب وإمتداد لهذه الحقوق خارجها. إذاً شملت حقوق الأفراد الحرية الطبيعية، المساواة بين البشر دون تمييز جنسي أو عرقي أو سياسي أو اجتماعي، حق الحياة دون استعباد أو تعذيب، المساواة في الشخصية القانونية، الحق في اللجوء للقضاء، عدم جواز القبض التحكمي، حق الدفاع عن النفس أمام القضاء، البراءة قبل الاتهام، وغيرها من الحقوق. وتنطبق هذه على جميع الناس مهما كانت حالتهم الاجتماعية والاقتصادية.

يمكن تلخيص الوثيقة على النحو التالي:

حقوق وحريّات شخصية: الحياة، الأمن والكرامة الشخصية، المساواة أمام القانون، ضمانات على العبودية والتعذيب والاعتقالات والأحكام الجزافية (1ـ13).

حقوق الفرد في إطار علاقاته مع الجماعات الإنسانية التي ينتمي إليها: المساواة بين الرجل والمرأة، الحق في تكوين أسرة، الحق في الحصول على مسكن والحق في الحصول على مأوى في حالة الاضطهاد. ولكل إنسان الحق في الحصول على جنسية وفي الملكية (12ـ17).

حقوق سياسية ودينية: حرية الكلمة والتعبير وعقد اجتماعات وتكوين جمعيات، الحق في الاشتراك في الشؤون العامة والاشتراك في الانتخابات الدورية والأمنية، هذا كله في إطار نظام يكون فيه الشعب مصدر جميع السلطات. وتعطى أهمية خاصة لحريّة الفكر والضمير والدين (18ـ21).

 

حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية، وفيها تكمن الإضافة الهامة التي زيدت على محاولات إعلان حقوق الإنسان في القرن الثامن عشر (22ـ30).

كرامة الضمير الأخلاقي

تقبل الكنسية في تعليمها عن الضمير ما ورد في التقليد الكنسي من أمور أساسية، والتي توسّع فيها بشكل خاص توما الإكويني، حيث يقصد بالضمير تلك القدرة الطبيعية على الإدراك، اعتماداً على الحدس، أي الفهم التلقائي والشامل لمبادئ العمل الأولى، كأن نحبّ القريب كما نحب أنفسنا، كما أنه قصد القدرة على وعي الناموس الطبيعي الذي يدفع إلى عمل ما هو خير والابتعاد عمّا هو شر. فدور الضمير في نظره هو ترجمة الناموس الطبيعي في مبادئه العامة في واقع ما يحياه الإنسان من ظروف معينة وخاصة، لأننا كلّما تعمقنا في واقع الناس الفعلي وأحداث الدنيا، صَعُبَ تطبيق المبادئ العامة على علّتها، ووجب اعتبار الأحوال المحيطة بالأشخاص إلى المبادئ العملية التي ترشد السلوك في تلك الظروف.

التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية يعرّف الضمير الأخلاقي على أنه: »حُكُم صادر عن العقل يعرف به الشخص البشري الصفة الأخلاقية للفعل الواقعي الذي سيفعله، أو يفعله الآن، أو قد فعله. وعلى الإنسان، في كل ما يقول أو يفعل، أن يتبع بأمانةٍ ما يعلم أنّه قويم وحقٌّ. والإنسان إنما يُدرك ويعرف رسوم الشريعة الإلهية بحُكم ضميره« (1778). في الدستور الراعوي (الكنيسة في عالم اليوم)، يعرض المجمع الفاتيكاني الثاني تعليماً عن الضمير، توجز فيه العناصر الكتابية والتقليدية مع نظرات لاهوتية جديدة عن كيان الضمير ومعناه حيث يقول: »يكتشف الإنسان في ذاتِ ضميره ناموساً لم يصدر عنه، ولكنه مُلزَم بطاعته، وصوته يدعو أبداً ذلك الإنسان إلى حب الخير وعمله، وإلى تجنب الشر، ويدوّي أبداً في آذان قلبه أن إعملْ هذا وتجنَّبْ ذاك. أجل إنه ناموس حفرهُ الله في قلب الإنسان، وكرامته في أن يخضع له، وبموجبه سوف يُدان«. فالمجمع يتكلم هنا على اختبار المطلب الأخلاقي، الذي يعبّر عنه صوت الضمير كمطلب مطلق، كناموس. إنه صوت متشدد. فالواجب الذي يعبّر عنه هذا الصوت متعلق بمركز الإنسان الصميم. وهو يدعو الإنسان إلى تحقيق ذاته بما يفرضه عليه من فعل الصلاح، فيكون هو نفسه صالحاً. فالدعوة إلى الصلاح هي مطلب لا يمكن التنازل عنه، ولكنه لا يضيّق على الإنسان ولا يغرّبه عن نفسه، بل بالأحرى يقوده إلى تحقيق كيانه الإنساني. فالإنسان يبدأ مسيرته في صياغة تاريخه الشخصي في إطار علاقته مع الآخرين، واعياً لذاته كأنا مستقل تربطه علاقة أساسية مع الآخرين، وهذا الوعي للذات هو الضمير، فمن هذا يتَّضح لنا أن الضمير يُكتسب ويظهر من داخل إطار العلاقات الإنسانية التي تبدأ بالطفولة، وتتطور على مرِّ الأيام، فتزداد اتساعاً وتشابكاً، ويشوّبها بالضرورة عدم الكمال واحتمال الخطأ وإمكانية وقوع الخلافات المؤلمة. وبالتالي يحمل الضمير الشخصي في طيّاته آثار هذه العلاقات المتنوعة بإيجابياتها وسلبياتها. فكما نعرف عن الضمير أنه يقوم بتأسيس علاقات الشخص مع الآخرين، فيرتب أوليّات حاجاته، ويقوم بالتوازن بينها وبين حاجات الآخرين، ويحيا في احترام متبادل معهم.

يذكر كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية حول موضوع الضمير الأخلاقي: »إنّ الضمير الأخلاقي، الموجود في قلب الشخص، يوعز إليه في الوقت المناسب أن يفعل الخير ويتجنب الشر… وعندما يصغي الإنسان الفطن إلى الضمير الأخلاقي، يصبح بإمكانه سماع الله الذي يتكلم«. (1777).

نجد هذا النص في الرسالة إلى الرومانيين حيث يقول الرسول: »إِذَنِ الأُمَمُ الَّذِينَ بِلاَ شَرِيعَةٍ، عِنْدَمَا يُمَارِسُونَ بِالطَّبِيعَةِ مَا فِي الشَّرِيعَةِ، يَكُونُونَ شَرِيعَةً لأَنْفُسِهِمْ، مَعَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَيْسَتْ لَهُمْ. فَهُمْ يُظْهِرُونَ جَوْهَرَ الشَّرِيعَةِ مَكْتُوباً فِي قُلُوبِهِمْ، وَيَشْهَدُ لِذلِكَ ضَمِيرُهُـمْ وَأَفْكَارُهُـمْ فِي دَاخِلِهِـمْ، إِذْ تَتَّهِمُهُمْ تَارَةً، وَتَارَةً تُبْرِئُهُمْ. (وَتَكُونُ الدَّيْنُونَةُ) يَوْمَ يَدِيـنُ اللهُ خَفَايَـا النَّاسِ، وَفْقاً لإِنْجِيلِي، عَلَى يـَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ«. (رو 14:2ـ16). فالرسول بولس يؤكد بأنّ اليونانيين، وإن لم يكن لهم ناموس مدوَّن في كتاب كاليهود، إلاّ أنّ لهم ناموساً مكتوباً في قلوبهم وهو ضميرهم. فالإنجيل الذي بشّر به بولس والذي سوف يُدان الناس بموجبه هو المحبة التي قال بها والتي تتفق مع ما قاله يسوع المسيح حيث تتم الدينونة بحسب أعمال المحبة التي يكون الناس قد علموها أو أهملوها. فشريعة المحبة هي القاعدة الذهبية التي كتبها الله في قلب الإنسان منذ أن خلقه، والتي أوجزها المسيح بقوله: »إِذَنْ، كُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يُعَامِلَكُمُ النَّاسُ بِهِ، فَعَامِلُوهمْ أَنْتُمْ بِهِ أَيْضاً: هَذِهِ خُلاَصَةُ تَعْلِيمِ الشَّرِيعَةِ وَالأَنْبِيَاءِ«. (متى 12:7).

الحرية والكرامة

الحرية كلمة باتت تراود أذهاننا منذ أكثر من عام ونصف، لكن كل ما يقام به بإسم الحرية هو منافٍ للحرية، فما يقومون به هو فوضى وليس حرية، كون الحرية تتركز على كرامة الإنسان، في حين الأعمال التي يقومون بها هي امتهان لكرامة الإنسان.

إنّ الحرية شأن وجودي مهم جداً فهي تكاد تكون جوهر الوجود. ولكن، هل يكون الإنسان محدوداً، وحريته غير محدودة؟ قد لا يمكننا تحديد الحرية بقدر ما يمكننا اختبارها. رغم اختبار الضغوطات الكثيرة والمحدوديات المتعددة، فكل إنسان يختبر وإن جزئياً بعض فسحات للتصرف الحر، وإن على صعيد المبدأ أو الرغبة أو المطالبة أو العمل الفعلي، فكراً أو قولاً أو عملاً. نقرأ في وثيقة الكنيسة في عالم اليوم: »والإنسان لا يتوجّه إلى الخير إلاّ حراً، والحرية هي ما يكبّ معاصرونا على إعلاء شأنه وتطلُّبِهِ بشدّة: وهذا أمر صحيح وقويم. ولكنهم أحياناً كثيرة يَغْلون في تعشّقها، حتى إنهم لَيُبيحون لأنفسهم أن يعملوا كلَّ شيء إذا كان لهم فيه متعة، ولو ان شراً«. 

الحرية التي يتحدث عنها نص الوثيقة هي الحرية المسؤولة النابعة من شخص واعٍ لأفعاله ومسؤول عن كل فعل يقوم به، أي أن يكون الفعل نابع من صميم كيانه، فهنا يمكن أن نسميها بالحرية المؤسسة على الحق، لكن أي حق نقصد به؟.

على كل واحدٍ منا أن يسعى جاهداً للبحث عن الحقيقة والحق، فالحقيقة هي في كل حال مصدر كرامة الضمير والإنسان، والحق هو الذي يقودنا إلى الحرية، لكن على أن لا تتحول هذه الحرية إلى الإباحية، وهذا ما يؤكـد عليه الرسول بولس في رسالتـه إلى أهل غلاطية: »لا تجعلوا من الحرية فرصة للجسد« (غلاطية 13:5)، وهذا يعني بأن الحرية التي نحن مدعوون إليها حسب قول الرسول بولس ليست الحرية التي تقودنا إلى العبودية، مثل عبودية الشهوة والملذّات، لكن المقصود أن نبقى راسخين على الحرية التي حررنا بها وعدم الرجوع إلى الخطيئة. وهذا يعني بأنه علينا أن لا نقوم بكل ما يحلو لنا حتى وإن كان منافياً للقيم والأخلاق المسيحية باسم الحرية، فالذي يدّعي الحرية يجب عليه أن يفهمها على حقيقتها. فالإنسان الواعي والحر يكون مسؤول عن جميع قراراته، ويسوع أيضاً كان يمنح هذه الحرية للأشخاص الذين كان يلتقي بهم، فعندما كان يقول للشخص »تعال اتبعني« (متى 21:19) وهذا ما نجده مع الشاب الغني، لكن تلبية الدعوة هي تابعة لحرية الإنسان حيث بإمكانه القبول أو الرفض.

إنّ دعوة يسوع »تعال اتبعني« تثبت حرية الإنسان وتشيد بسمو درجتها وبالوقت ذاته تؤكد حقيقة وضرورة أفعال الإيمان والقرارات التي يمكن أن يقال أنها تمت إلى الخيار الأساسي بصلة. ونجد مثل هذه الإشادة بالحرية البشرية في كلمات القديس بولس: »أما أنتم فقد دعيتم إلى الحرية« (غلاطية 13:5). ولكن الرسول يدعونا إلى السهر، فالعبودية تتربص دائماً بالحرية، هذا شأن الإيمان الخاص بوصفه خياراً أساسياً فإنه يتميز عن خيار الأفعال الخاصة.

 تتحقق عظمة الحرية عندما لا تنحصر في محدودية عملها المعيَّن، وتصبو بشكل جذري إلى التوافق مع ما هو عام، بإسم العقل الذي يوجِّه عملها. وكما يقول الفيلسوف المعاصر إريك فايل (Eric Weil): »إنّ الإنسان، إذ يصبو إلى الشمولية، فهو عاقل، وإذ هو قادر على الشمولية، فهو حر، وإذ هو قادر على أن يكون عاقلاً، لكنه، بما أنّه ليس العقل ذاته، فهو قادر على أن يختار ما يخالف الشمولية والعقل«. وهنا يشير إريك فايل إلى قدرة الإنسان العاقل والحر على اختيار ما ينمّي الحياة الإنسانية، ولكن هذه القدرة معرَّضة إلى التشويه وتوصيل الإنسان إلى ما هو مدمِّر له وللآخرين.

يخصص كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية 19 بند (1730ـ 1748) لموضوع حرية الإنسان ضمنها 8 بنود (1731ـ 1738) لموضوع الحرية والمسؤولية، حيث يبين بأن مصدر الحرية في القيام بفعل ما نابعة من الذات الواعية. »فالحرية في الإنسان هي قدرة على النمو النضج في الحقيقة وفي الخير. وهي تبلغ كمالها عندما تتوجه شطر الله، سعادتنا«(1731).

 فالكرامة الإنسانية إذاً تتحقق بفضل السلوك النابع من العقل، والذي تترجمه الحرية في مضمون محدَّد، يضفي معنى على الحياة وعلى الوجود. ويفرض مبدأ كرامة الإنسان نفسه فرضاً على الضمير البشري، وعلى كل شخص، في المجال الذي يفتحه العقل والحرية، ذلك المجال الذي يكوّن الإنسانية ويضمن وجودها.

 

كرامة العائلة

العائلة هي جماعة الوالدين الأبناء، هذه الجماعة مدعوّة للاضطلاع بتدبير الله، وهذا ما يؤكد عليه تعليم الكنيسة الكاثوليكية في الأعداد (2196ـ 2233). فكيف بإمكان هذه الجماعة أن تؤدي هذا الدور العظيم؟ هنا يأتي دور الكنيسة التي من واجبها أن تحمل الإنجيل الذي لا يمسه أي تغيير والذي هو في كل وقت جديد، إلى العائلات، هذه العائلات التي تتلاطم بها أمواج العالم الجديد والمتغيِّر والمتقلب بسرعة، فالكنيسة تبين دور الوالدين من خلال السر العظيم (سر الزواج) الذي من خلاله يقوم الوالدين بتربية والتنشئة الأولاد على ضوء الإنجيل وما يتلقوه من الكنيسة من تعليم مستقى من الإنجيل.

البابا يوحنا بولس الثاني يركزّ في أغلب إرشاداته الرسولية والرسائل البابوية على كرامة الإنسان مهما كان جنسه ولونه ودينه وعمره، وذلك كون الإنسان مخلوق على صورة الله التي يجب أن لا تهان. وكذلك يتكلم عن العائلة كونها تشارك الخالق في عملية الخلق من خلال سرّ الزواج، حيث يقول: »فعلى العائلة بالتالي أن تعود إلى ((بدء)) فعل الخلق الذي قام به الله، إذا كانت تريد أن تعرف ذاتها وتحققها وفقاً لا لحقيقة كيانها وحسب، بل لعملها في التاريخ أيضاً. وما دام مخطط الله قد جعل العائلة شركة حياة وحب عميقة«. فالبابا في هذا النص يوضح للعائلة دورها في الحياة الذي هو استمرار لعمل الله في الخلق، هذا العمل المقدس فعليها أن لا تتهاون فيه. وكذلك يعتبرها الخلية الأولى والأصلية لتكوين المجتمع. ولا ينسى البابا في إرشاداته المسنين الذي يعتبر نفسه أحدهم حيث يقول: »من بين المعضلات التي يتعرض لها المسنون في حياتهم اليوم معضلة التهميش التي قد تمسّ كرامة الإنسان أكثر من غيرها«. فالبابا يقول بواجب الإكرام للعائلة كونها على مثال العائلة المقدسة، حيث تمثّل العائلة كنيسة مصغرة لأنها جماعة صغيرة من المؤمنين حيث الرجل والمرأة مع الأولاد يعيشون ويغذون إيمانهم بسماع كلمة الله، الأسرار، الصلاة، التسامح، المحبة المتبادلة،وكذلك يمكن إعتبار الأسرة مدرسة الإيمان الأولى، الأسرة خلية الكنيسة، خلية حية وفاعلة… عبارات لا تأخذ بعدها الحقيقي إلاّ متى وعت الأسرة المسيحية دورها الرسولي بالخروج من الركود والحياة الرتيبة القصيرة المدى إلى تفعيل إيمانها بالالتزام الفعلي الفاعل؛ حين تتجاوز مرحلة التلقي وحده والاستهلاك ليس إلاّ، إلى مرحلة العطاء واستثمار الوزنات الموكلة إليها.

الخاتمة

بعد الولوج في موضوع كرامة الإنسان وسبر غوره وجدنا، بأن الإنسان مهما كانت منزلته الاجتماعية وضيعة، يملك تلك الكرامة وعلى هذا الأساس يستند الأحبار الأعظمون في إقامة علاقات أكثر إنسانية بين البشر. فبما أنهم متساوون في الكرامة أمام الله، فيجب من ثمّ أن يكونوا متساوين في العلاقات الحرة أو الضرورية التي تربطهم.

مهما تكلمنا عن الإنسان، فإنه يبقى ذلك السر الذي لا يكمن استيعابه، وعلى واحد تقع مسؤولية حماية الإنسان وصيانة كرامته وذلك كونه صورة الله ومثاله (تكوين 26:1)، هذه الوديعة الموكلة إلينا فعلينا أن نصونها ولا نخون الأمانة.

 

(1) الآرش كلمة فرنسية تعني الفُلك أو السفينة، أسسها في فرنسا جان فانييه الكندي الأصل والضابط السابق في البحرية، مع شخصين معاقين بإصابة عقلية سنة 1964.

قائمة المصادر:

سامي عبد الأحد (الأب د.)، شرح الوصايا العشرة، مخطوط كلية بابل الحبرية للفلسفة واللاهوت، بغداد 2004.

نادر ميشيل (الأب)، مدعوون إلى الحرية، (دراسة في أسس الأخلاق المسيحية)، دار المشرق، بيروت 1998.

شرعة حقوق الإنسان، أصدرتها الأمم المتحدة في 10 كانون الأول 1948، مُلصق هدية مجلة الفكر المسيحي، بغداد  2004.

التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، عربه عن الطبعة اللاتينية الأصلية المطران يوحنا منصور وآخرون، المكتبة البولسية، لبنان 1999.

يوحنا بولس الثاني (البابا)، إرشاد رسولي "في وظائف العائلة المسيحية في عالم اليوم"، الفاتيكان 1981