|
جدلية الشكل والقيمة في إطروحة الإسلام
المجتمعية
(الجزء الثاني)
سالم العطواني
مبررات ومكاسب دائرة الشكل
1. سرعة
نشر الدعوه بتهيئة المناخ النفسي القابل لها، فان الدخول
في اشكالية القيمه منذ البدء يجعلها دعوه صعبه الاقتحام
منزويه مصدوداً عنها عكس ما لو وضعت اطاراً شكلياً للدخول.
2. انها
دعوه دخلت عالم البشر وهو عالم ظاهري شكلي في اغلب الاحيان
فتاسيسها لهذه الدائره في تعاملها مع الآخرين هو انسجام مع
الخط السائد يطبعها بطابع الالفه.
3. انها
بذلك تحمي المؤمنين الحقيقيين من غيرهم حين تساوي بينهم في
التسميه (المسلمين) وهو جل مايرجوه عامة الناس اما البحث
عن المعاني فانها مساله غائبه عن الاعم الاغلب من الناس ،
وتتخلص بذلك من دوافع الغيره البشريه الذي لم يخل منه
الانسان الى مراحل متقدمه من عمره ، وهي العقده القابيلية
التي ادت بالاخ الى قتل اخيه هابيل حين تقيل الله منه
قربانه ولم يتقبل من الاخر وعندما ساله عن السبب قال: (انما
يتقبل الله من المتقين)(35) فكان الجواب حكماً بالموت لم
تصده عواطف القربلى والاخوه.
4. ان
لدائرة الشكل جانباً تربوي مهم وذلك لان الانسان يتسم ببطء
واضح في هضم وتمثيل ونمو الجانب الاخلاقي القيمي لديه
بالمقارنه مع نموه الجسدي ، وبالتالي يحتاج الى حضانه
طويله تبدا معه من نقطة الابتداء وصولاً الى ومستوى يكون
قابلاً للوصول اليه ، اضافه الى تذبذب النفس البشريه
فطوراً صلاح وطوراً فساد قل او كثر ، ومع ذلك فان لفظ
الاسلام يبقى منطبقاً عليه ، عكس لفظ الايمان الذي يختص
بدائرة القيمه ولذلك قد ينطبق في فترة ولاينطبق في غيرها
كما في الحديث (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولايسرق
السارق حين يسرق وهو مؤمن)(36).
5. ان
الاسلام اضافه الى مجيئه كجواب عن اسئله الانسان الخالده
بشان الحياة والموت والمصير قد اخذ على عاتق تنظيم حياة
الانسان الدنيويه وهي حياة متسمه بالظاهريه والشكليه فكان
من الطبيعي ان تكون صفه تنظيمه لحياة الانسان هذه على هذه
الخصائص.
6. ان
المحافظه على دائرة الشكل تسحب البساط من تحت اقدام من
يدعي معرفة الحقائق ( كهنه ـ سلاطين ـ مشعوذين) للتسلط على
البشر اوتكفيرهم او قتلهم مادياً او جسدياً ومعنوياً وباسم
الدين
الفصل بين الشكل والقيمه في المنهج وليس في الواقع
ان الفصل
بين الشكل والقيمه في المنهج لايعني افتراقهما والفصل
بينهما في الواقع فقد يلتقيان بنسب متفاوته في حياة
الافراد كما في الفترات المختلفه من حياة الفرد الواحد،
وقد يفترقان تماماً كما في شكل المنافق الخالي من القيمه
او وضع المؤمن الذي لم تصله الرساله والتزم بقيمه معنيه من
خلال حجة الله الباطنه وهي العقل وما دل عليه وجدانه
الصافي وقد قرأنا عن ايمان الاحناف قبل الاسلام مثل قس بن
ساعده الايادي وقد شاهدت لقاءً مع الشيخ علي الكوراني
يستدل فيه على ايمان عبد المطلب جد النبي(ص) رغم سبقه
للاسلام ونزول القرآن والتشريع وذلك من خلال افتخار النبي
بجده في بيت من الشعر في احد المعارك انا النبي لااكذب
انا بن عبد المطلب واستنتاجه من ذلك ان فخر النبي لا يكون
بمشرك او كافر فلا بد ان يكون مؤمناً.
وبذلك
يكون وضع المنافق شكل بدون قيمه ووضع الاحناف قيمة بدون
شكل.
التحليل والنتائج
1. نلاحظ
مما سبق هيمنة دائرة الشكل على دائرة القيمه في الشان
الدنيوي ومن خلال حديث (أفلا شققت قلبه)(37) الذي يستنكر
بشده خرق دائرة الشكل ويدلل على عجز الانسان عن معرفة قلب
الانسان مهما كانت الاستنتاجات، اما في الشان الآخروي فان
دائرة القيمه التي قطبها القلب هي المهيمنه (الا من اتى
الله بقلبٍ سليم)(38).
2. ان
المحافظه على دائرة الشكل واهميتها في اطروحة الاسلام بلغت
من الاهميه بمكان بحيث انها لم تغض النظر عن المنافقين رغم
خطورة دورهم بل حاربت الصادقين في طلبهم للحق وهم الخوارج
مع خطاهم شكلاً وخروجهم عن الخليفه المنتخب .
3. ان
التشريع الاسلامي يهدف الى المصالح الدنيويه اولاً ثم
المصالح الاخرويه ثانياً وهذا الترتيب من حيث قرب التناول
وليست الاهميه، وإلا فإن الإسلام يعطي الأهمية للقيمه سواء
كان مجالها دنوياً او اخروياً، وليس للدنيا على الاخره ولا
للآخرة على حساب الدنيا ، ولذا يكون اختيارالوجود الاخروي
على حساب القيمه هلاك وانتحار كما ان اختيار الدنيا على
حساب القيمه منبوذ ايظاً لانه تسطيح للحياة وتهوين لها .
4. ان
الاسلام طرح قضيته بهيئة نشاط بشري وطالب بما يطالب به
البشر انفسهم في اي قضيه ولم يخرج عن المواصفات البشريه في
ذلك الطرح والدعوه والمقياس ولم يستخدم الجانب المقدس منه
الابعد حصول القناعه عن حريه واختيار فيطالب عندئذٍ بلوازم
الايمان بالله واليوم الاخر فيستخدم عبارات ((ياايها الذين
امنوا)) او ((ان كنتم مؤمنين)) او متقين وهي اوصاف تختص في
مجال الاقتناع وليست الدعوه.
5. تعرضت
دائرة الشكل الى التضخيم بحيث اعتبرت اساس قبول الاعمال
وحكم بصلاح كل صاحب ظاهر فظهرت نظرية عدالة الصحابه كلهم
اجمعين استناداً الى تحكيم دائرة الشكل باعتبارها هي نفسها
دائرة القيمه وبالتالي هي معيار قبول الاعمال في الآخره ،
ومن جهه اخرى تعرضت هذه الدائره الى التجاوز التام من قبل
بعض الاتجاهات الباطنيه التي انتبهت الى دائرة القيمه
واهميتها ولذا حكَمتها في الشان الدنيوي عازله اطروحة
الاسلام التي تهدف الى القيمه داخل منظومة الشكل وليست
منفصله عنها والا لم يصدق عليها وصف الاسلام في شيئ .
6. ان
فهم ثنائية الاطروحه الاسلاميه (الشكل والقيمه) يؤسس لمنهج
المسلم في تعامله مع الاخرين افراداً وجماعات وتقييمه لهم
شكلاً ومعنى .
7. ان
هذا الطرح يستطيع ان يواجه الحمله التي يشنها اعداء الدين
على اساس ان المسلمين متناقضين ظاهرهم مع باطنهم لانهم
يريدون من المسلم ان يكون بمستوى القيمه ، بينما المطلوب
من وصف المسلم هو التزامه الشكلي بالاسلام اما القيمه
فانها ابعد ما تكون عن الضبط وهذا غير مختص بعقيده بعقيدة
الاسلام بل هو شان اتباع كل مذهب او عقيدة او اي منهج
دنيوي وهذا واضح من سير اصحاب الايديولوجيات والنظريات
السياسية قديماً وحديثاً ، مستبدها ومتحررها شرقيها
وغربيها حاملة تناقضات الانسان نفسه وليس العقيدةالتي
يحملها.
8. بهذه
المنهجية نستطيع مواجهة الخطر الذي يتهدد المجتمع الاسلامي
من بعض اتباعه الذي تغيب عن اذهانهم هذه الحقيقة فيحكمون
تعاليم دائرة القيمة من آيات واحاديث في دائرة الشكل ونشات
بسبب ذلك الوان من الفكر التكفيري المتطرف الذي نادى
باعتزال المجتمع الكافر وقتاله مؤدياً الى اسوء الاثر على
الاسلام نفسه وعلى المسلمين وما زال هذا السلاح مشهراً الى
اليوم من قبل افراد هذا الخط المتطرف ، فرفع الخوارج
شعارهم (لا حكم الا الله) ناسين ان هذا ضمن دائرة القيمة
اما في دائرة الشكل فلا بد للناس من امام بر او فاجر
يحكمهم ويسير امورهم كما اشار الامام في رده عليهم وردد
المتطرفون الجدد الآية ((ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك
هم الكافرون))(39) كشعار، ناسين ان هناك فرقاً بين
الاعتقاد والعمل وان عدم العمل لايستوجب الكفر الذي يخرج
عن الاسلام بناء على اطروحة الاسلام نفسه الذي يستخدم في
ادبياته لفظة الكفر على معان عدة من كفر الجحود وكفر
النعمة والستر كما اشار الى ذلك اللغويون(40).
9. ان
هذا الطرح يحل الاشكاليةالاهم في علاقة الاسلام مع مع بقية
الاطروحات البشريه في حياة المجتمع وحساسيتها تجاه طابع
القداسة الذي يجعل من الصعوبة التعامل معه، فان تحديد
دائرة الشكل في الشان الدنيوي سيجعل الاسلام شانه شان بقية
الاطروحات في سهولة التعامل والاخذ والرد معه والتحلف
والاختلاف ، بل نجد من تعاليمه انه الاسبق والادق الى
الالتزام بكل ما يتفق عليه مع اشد الفرق مخالفة له
ومعاهدته مع المشركين عبدة الاوثان وهم الد اعدائه وقتها،
واحترامه حتى لطلبهم بمحو صفة الرسالة عن الرسول (ص)
والتزامه بالمعاهدة المبرمة في صلح الحديبية ابلغ دليل على
هذا الامر وقدحصل ان المشركين هم من نقض العهد دون
المسلمين.
الهوامش
1.
الأنعام9.
2.
الأعراف 109.
3. الروم
30.
4.
الشورى 13.
5.
الانشقاق 6.
6. يونس
99.
7.
البقرة 256.
8. البلد
13.
9. النجم
8-9.
10. د.
عبد العزيز فهمي، الإنسان المعاصر والحضارة الإسلامية،
الدار الجامعية، 1985.
11. شبلي
الملاط تجديد الفقه الإسلامي، دار النهار، بيروت، ط1،
1998، ص34.
12. محمد
مهدي الحائري، شجرة طوبى، ط5، المطبعة الحيدرية 1385هـ
،ج2، ص303.
13.
المنافقون 1.
14.
المنافقون2.
15.
المنافقون4.
16. مضمون
الآيات 6-9 من سورة النور.
17. د.
النجار، عامر، الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة، دار المعارف،
القاهرة، 1994، ص46.
18.
المازندراني، محمد صالح، شرح أصول الكافي، ج8، ص106.
19.
البقرة 145.
20. آل
عمران 20.
21. فضل
الله، محمد حسين، الحركة الإسلامية هموم وقضايا، دار
الملاك، لبنان، 2001، ص136.
22. هود
113.
23. نهج
البلاغة الخطبة 27.
24. فضل
الله، م، س، ص47.
25. هود
46.
26.
البقرة177.
27. آل
عمران92.
28.
المزمل6.
29.
النوري، حسين، مستدرك الوسائل، ج1، مؤسسة هل البيت لإحياء
التراث، ص157.
30.
النساء65.
31.
لأحزاب36.
32.
الحجرات14.
33.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج3، دار الكتب الإسلامية،
ص269.
34.
المحقق الحلي، جعفر بن الحسن، المعتبر، مؤسسة سيد الشهداء،
قم إيران، ص390.
35.
المائدة 27.
36.
القمي، علي بن بابويه، فقه الرضا، مؤسسة آل البيت لإحياء
التراث، ص275.
37.
المجلسي، محمد باقر، ج21، مؤسسة الوفاء، بيروت لبنان، ط2،
1983، ص64.
38.
الشعراء89.
39.
المائدة44.
40. خليل بن
أحمد الفراهيدي، كتاب العين، ج5، مؤسسة دار الهجرة، ص356.
|