|
مفهوم المواطنة في الفكر الإسلامي المعاصر
(الجزء
الأول)
د. خليل مخيف الربيعي
ان حركة
الفكر محكومة أسوة بباقي الحركات الطبيعية وغير الطبيعية
بقوانين،لكي تعطي ثمارها، والاّ تحوّلت الى حركة عشوائية
غير منضبطة بالغاية او القصد، ومن بين هذه القوانين، قانون
التطور والتجدد الذي يحاول المواءمة بين الفكر ومتطلبات
الواقع، وان أي فكر لايخضع لهذاالقانون ينتهي الى الجمود
والتقوقع واحياناً الموت (التوقف عن العطاء).
والفكر
الاسلامي لايشذ عن هذه الحقيقة مع ملاحظة ان المراد بالفكر
الاسلامي (البعد الانساني في فهم النص الآلهي)، وهوبعد
متغيّر ويمتاز بالتعدد والمرونة.
وأنطلاقاً
من تصور الاسلاميين بأن الاسلام يتناول الانسان من جميع
جهاته الفردية والاجتماعية فلابد كما يقول الشهيد الصدر
الاول »لأن يكون له موقف معين ازاء مايطرأ على مظاهر
الحياة الانسانية من تبدّل وتغيّر وتطوّر نحو الاحسن تارة
وأنعكاس الى الوراء أخر(1) كما ان ضرورة التطور والتجدد -
على الاقل في البعد السياسي - تفرضها طبيعة الاسلام
السياسي الذي عبّرت عنه منظمات وحركات واحزاب سياسية تسعى
لتطبيق الاسلام في مجالات الحياة المختلفة مما يتطلب
التكيّف الايجابي مع الواقع السياسي الراهن.
واذا كان
النظام الدولي الحالي يقوم على أعتبار الدولة الوطنية
(القومية) الاساس الذي يرتكز علية بالاضافة الى فواعل اخرى
اقل شأناً منها، لاسيما بعد ان غادر العالم عصر
الامبراطوريات التقليدية فان أهم ما تقوم علية فكرة الدولة
مبدأ المواطنة الذي ينظم العلاقة بين الفرد والدولة، وهذا
الامر يتطلب ايظاً مغادرة الفكر الاسلامي لمصطلحات شاعت في
المرحلة السابقة حول ذات الموضوع كالرعية والراعي وأهل
الذمة والمستأمنين، وتأصيل مفاهيم جديدة تنسجم مع الواقع
المعاصر، مع التاكيد ان القضية ليست قضية ألفاظ، وانما ما
تحتويه هذه الألفاظ من معانٍ ودلالات لها تداعياتها في
الواقع.
ومن بين
هذه الالفاظ ((المواطنة)) التي تحمل في داخلها تصورات
ايدلوجية ومفاهيمية كالمساواة وحقوق الانسان وغيرها من
المفاهيم.
ان تحليل
مفهوم المواطنة يحتاج الى تفكيك مقوماته او ركائزه وآثاره
على الصعيد العملي لكي يتم صياغة مبادئ عامةيمكن الاستناد
اليها عند طرح التصور الاسلامي لها.
ان
المواطنة تعبير عن علاقة الشعب بالوطن والتي يعبر عنها
بصيغة قانونية هي الجنسية ولهاابعاد سياسية واجتماعية
وأقتصادية واذا كانت المواطنة بالتعبير القانوني الدقيق
كمايقول اوستن رني »عبارة عن العضوية في أمّةٍ من الامم«
(2) فان هذا لا يعني الاكتفاء بمفهوم الامة لتحديد
المواطنة، لأن الامة طبقاً له لاتتحدد الاّ من خلال وطن
(أرض) يتشكل من القاطنين عليها عنصر من عناصرالدولة
بالمنظور السياسي.
ان علاقة
الفرد بالوطن لاتتأتى من مجرد تواجد الفرد في بقعة الارض
(الوطن)، وانما تحتاج الى عوامل اخرى لكي تخلق حالة من
الأنشداد النفسي والعقلي تجاه الوطن، ولذا فإن خلق هذه
الحالة يتم عن طريق:ـ
1.
الامتداد التاريخي لوجود الفرد في الوطن عبر أجيال سابقة
بحيث خلقت حالة من الارتباط بين الجانبين، وهي لاتكون
وليدة التوطن المؤقت، بل ناجمة من التواصل الحضاري
والثقافي والسلوكي، أي يحمل الفرد في ذهنه كل او بعض ما
افرزته مسيرة الاجداد من ثقافة او قيم(3). ويمثل هذا
الطريق عنصر الضبط في سلوك الفرد تجاه الوطن، اذ يقدم له
الدافع النفسي لمفهوم الولاء(النصرة) الذي يختزنه مفهوم
المواطنة، فالانشداد الى الموقع يتم اما عن طريق تلبية
حاجات الفرد من قبل هذا الموقع ، أو عن طريق العلائق
المعنوية التي تنشأ بين الفرد والوطن عبر عملية تراكمية من
عوامل الجذب، ولذا تجد ان مجرد التولد في هذه البقعة
لايكفي لأضفاء صفة المواطنة عليه، بل لابد من ايجاد علاقة
معنوية تحكم علاقة الفرد بالوطن.
2.
الاكتساب:
وهذا
الطريق يمثل وسيلة لأضافة افراد الى المواطنين، لم يتمتعوا
بالمواطنة عن الطريق الاول ، بمعنى انه لايوجد لديهم العمق
التاريخي في العلاقة مع الوطن ولكن لديهم الاستعداد لتحمل
ما تفرضهالمواطنة من ألتزامات على الافرد.
وفي كل
دول العالم تنظم عملية الاكتساب بصورة قانونية عبر قوانين
الجنسية والتي تشترط بالاضافة الى التواجد صفات اخرى، عند
تحليلها تنتهي الى مسألة معرفة تولـّد شعور نفسي لدى الفرد
بالانتماء الى هذا الوطن والاستعداد للدفاع عنه او
المشاركة في بنائه(4).
وهذا
الطريق يمثل الاستثناء من ناحية الكم ، كما انه يحمل في
داخله شروط صعبة ، اذ عادة ما تتوجه انظار الحكومات الى
المواطنين الذين اكتسبوا صفة المواطنة عند حدوث أزمات مع
دولة الاصل، في حين ان الامر لايمكن ان يشمل مواطني الطريق
الاول الاّ أستثناءً.
ويُرتب
مفهوم المواطنة حقوق وأمتيازات لطرفي العلاقة (الشعب
والوطن)،فمن ألتزامات الفرد تجاه الوطن حق النصرة والولاء
والدفاع عنه ضد أي عدوان خارجي، في حين ترتب على الوطن
(الذي تجسد في حكومة) توفير الحماية والرعاية للمواطنين
وتوفير فرص العيش بحرية وكرامة،ولذا فان التوصيف بالمواطنة
لايعني الانتماء فقط، وإنما الولاء، حتى أن هذا الولاء
يصبح هو الأساس ويمتاز شأنه شأن القواعد الدستورية
بالعلوية، فهو يعلوا على كل الانتماءات والولاءات الأخرى،
وكثيراً ما يحصل ان يكون الشخص منتمياً لوطن معين(ارض ما)،
ولكنه لايتمتع بصفة المواطنة لأنه لايكون ولاءه لوطنه(الذي
ولد فيه)، وانما لوطن آخر عاش ومُنِحَ جنسيته كما هو الحال
مع المهاجرين(5).
في ظل هذه
المبادئ العامة لمفهوم المواطنة يمكن الحديث عن ضرورة
التجديد والتطوير للفكر السياسي الاسلامي انسجاماً مع
الواقع الحالي، اذ لم يعد لمفهوم المواطنة وجود في أطار
التنظير والتحليل الاسلامي المعاصر، وان نجد أشارات الى
ايمان البعض بالمواطنة ومساوات الناس في الحقوق
والواجبات(6).
واذا ما
ادركنا ان المواطنة لايمكن ان يكون لها وجود الاّ في اطار
دولة لأنها تمثل العضوية في مجتمع سياسي،فان الارض(الوطن)
يراد بها لاغراض المواطنة أرض الدولة ، وليست ارض الأمة
الاسلامية.
وانطلاقاً
من ذلك لابد من بحث معوقات الطرح الاسلامي التقليدي
لموضوعة الموطنة، ثم السعي لايجاد حلول لهذه المعوقات ، من
خلال التمييز بين ما ينبغي ان يكون عليه واقع المسلمين وما
هو واقع وفي ضوء ذلك تواجه المواطنة المعوقات التالية:
1. تحديد
الوطن الذي ينتمي اليه المواطن في الدولة الاسلامية.
2.
التمييز في الحقوق الذي يتعارض مع مبدأ المساواة الذي
ترتكز عليه فكرة المواطنة.
اولاً-الوطن في المنظور الأسلامي:
لم تشر
الدراسات الاسلامية التقليدية الى مفهوم الوطن بالمعنى
السياسي،بل أشاروا طبقاً لأحد الباحثين الى مسألة الارض من
منظورين(7).
1.
المنظور السياسي: اي من حيث علاقة الارض بالدعوة الى الله
بحيث اصبح هناك مفهوم دار الحرب ودار الاسلام ، وهذا
المنظور أعم من منظور الدولة وعلاقة الفرد بها(المواطنة).
2.
المنظور الاقتصادي: من حيث الاحكام ذات الصلة بالملكية
والضرائب وغيرها، وهذه الحالة اقل من المدعي.
وربما
يدخل في المنظور الاول ما ذهب اليه السيد الصدر الاول من
اعتبار الوطن الاسلامي ما يسكنه المسلمن من اقطار
العالم(8).
ومثل هذا
الطرح يجعلنا نصف الوطن الاسلامي بالتمدد والتوسع احيانا
وبالانكماش احيانا اخرى ,طبقا لظروف الدعوة الاسلامية
اولا، مما لا يخدمنا في تحديد مفهوم المواطنة , فظلا عن
انه لا توجد ارض في العالم الا نادرا لا يسكنها مسلمون.
ولذا فان
الوطن المراد تحديده هو الوطن الذي تكون فيه الدولة
والنظام السياسي اسلاميا , وهنا لا تجد اية محاولات
للتحديد، اذا ارتضى الفكر الاسلامي المعاصر , الحدود
الوطنية لكل بلد واعتبر افراد كل وطن مواطنون.
وفي ظل
هذا التصور يمكن التوفيق بين الرؤية الاسلامية التقليدية
والتي تعتقد ان ارض المسلمين هي وطن واحد لهم , وبين
الواقع الذي فرض وجود دولة قطرية (وطنية) من خلال اعتماد
وسيلتين هما:
1.
اعتبارالدولة القطرية نواة للوطن الاسلامي ،وارتباط
المواطنة بهذا الوطن دون غيره ،فمثلا الدولة في ايران
تعتبر افرادالشعب مواطنون فيها ،ولا تضفي هذه الصفة على اي
مسلم اخر بالاصالة ما لم تتوفر شروط اخرى، وفي هذه الحالة
تتساوى المواطنة مع القطرية ،ثم يمكن التوسع فيما بعد في
مفهوم الوطن عن طريق الدولة الاتحادية (الفدرالية )، اذا
ما حصلت بين دولتين قطريتين، او عن طريق الوحدة
الاندماجية، وفي هذه الحالة تكون المواطنة اعم من القطرية
، وتتصف بالتمدد والاتساع تبعا لاتساع ارض الدولة
الاسلامية (الوطن).
2:
الاستفادة من مفاهيم اسلامية وتوظيفها لخدمة صياغة مفهوم
المواطنة منها الهجرة والولاء والنصرة والجهاد وغيرها،
واعتبارهذه المفاهيم خاضعة لارادة الشخص ابتداءً والزامه
بها في ما بعد ، بمعنى ان الهجرة واعلان الولاء للدولة
(الذي هو احد اركان المواطنة ) والموافقة ابتداءً على
الدفاع عنها متروكة لارادة الفرد، فالمسلم من خارج ارض
الدولة (الوطن ) يمكن له اكتساب صفة المواطنة ، اذا ما
هاجر الى البلد وتوطن فيه فترة تعد عرفاً استيطانا (وترك
للدولة ان تقررالمدة الزمنية لذلك)،ولا يكفي الهجرة كما
اراد ذلك ابو الأعلى المودودي(9) بل لابد من انضمام ما
يشبه العقد يلتزم به الفرد باحترام سيادة واستقلال وارادة
الدولة،كما يتضمن حق الطاعة للدولة عليه في امور الدفاع
والنصرة،وهو امر اقرب ما يكون الى ما جرى في بيعة
العقبة،اذاشترط الرسول عليه وعلى آله الصلاة والسلام،
النصرة له (لدولته)، والالتزام بامره، على ان يكون هذا
العقد مكتوباً وملزماً للطرفين، للمقيم وللدولة ممثلة
بحكومتها، وهكذا ينتهي امر المواطنة الى ما يعرف عنه في
القانون الخاص بالتجنس، وقد قيد احد الباحثين(10) هذا
الامر بموافقة الدولة (الحكومة) لأنه عقد يلزم توفر الحرية
لدى طرفي العقد.
ولكن
يلاحظ على الطريق الثاني، أنه يقصر حق التجنس على المسلمين
دون غيرهم على اعتبار ان هناك عضوية سابقة لهم على عضوية
الجماعة السياسية تتمثل في عضوية الامة، وهو خلاف ما هو
معمول به في كل الدول التي تسمح بالتجنس لكل الناس اذا ما
توفرت فيهم شروط معينةتفترضها الدولة، ولا تشترط وحدة
العقيدة اوالدين على أعتبار انها دول علمانية او قومية ولا
علاقة للدين في نظامها السياسي بهذه المسائل، وهو أمر لابد
من الإلتفات اليه وايجاد ما يكفل تعميم حالة التجنس لغير
المسلم حتى وإن ظل محافظاً على دينه ورغم اننا لم نعثر على
أي نص -في حدود أطلاعنا- يعالج هذه المسألة، فان فهمنا
المتواضع لبعض نصوص ومبادئ وروح الاسلام يدفعنا الى ايجاد
المبرر الشرعي لتعميم حالة المواطنة لغير المسلم من خارج
الوطن استناداً الى.
اولاً:
الغاية من خلق الانسان:ـ
تشير نصوص
قرآنية الى غايات متعددة لخلق الانسان من قبل الله تعالى
منها العبادة والابتلاء والاستخلاف واعمار الارض، واذا ما
حاولنا ترتيب هذه الغايات نصل الى ان العبادة والابتلاء
وسائل لتدريب الانسان على المنهج السليم في التعامل مع
موضوعة الاستخلاف التي تعني خلافة الجنس البشري »لأن مَنْ
يُفسد في الارض ويسفك الدماء وفقاً لمخاوف الملائكة ليس
آدم بالذات بل الآدمية والأنسانية على أمتدادها
التاريخي«(11)، وهذه الخلافة مقيدة باعتماد المنهج
الربّاني في أعمار الارض، وهذا المنهج ينحل إلى طريقين،
الأول خاص بالانسان يتمثل في سعيه لأكتشاف قوانين الطبيعة
وأستثمارها بما يحقق سعادته في الحياة الدنيوية، وهذا
الامر بطبيعته لاعلاقة له بالجانب الروحي، وان كانت هناك
نصوص تشير الى امكانية مكافئةالعامل بالعلم، من خلال تسهيل
اكتشاف معارف جديدة، اما الثاني فيرتبط بالقوانين
الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تنظم حركة المجتمع
لكي لا ينحرف عن مسارهُ الخاص باعمار الارض، ولذا يمكن
الاستفادة من طاقات الانسان غير المسلم في المجتمع من خلال
منحهُ الجنسية، مع انه يكون محكوماً بصورة عامة بقوانين
الدولة الاسلامية شأنهُ شأن المسلم الذي يعيش في دولة غير
مسلمة ويتمتع بجنسيتها ويعتبر مواطناً فيها، ربما يتخوف
بعض الاسلاميين من ناحيتين اذا ما تم فتح باب الجنسية لغير
المسلم ، الأولى ترتبط بالأندماج، مما يخلق ما يعرف
بالتعدد الاثني او الديني ومن ثم لايكون المجتمع متجانساً،
كما هو الحال مع المسلمين في اوربا وامريكا، والثانية
احتمالية زوال الصبغة الاسلامية من المجتمع نتيجة زيادة
نسبة غير المسلم على المسلم في المستقبل وهي ذات المشكلة
التي يحذر منها كتاب وباحثون غربيون تجاه التواجد
الاسلامي(12).
ومثل هذا
التخوف يمكن تبديده من خلال اعتماد سياسة الانفتاح على
الاخر من اجل الاحتواء، عن طريق تطوير مفاهيم جديدة في
الفكر الاسلامي تقدم على اساس الاعتراف بالآخر والحوار
الايجابي اذا ما اعتقد المسلمون بصحة عقيدتهم ، كما ان
تقديم نموذج اسلامي جاذب خلافاً للنماذج الطارءة (طالبان
أفغانستان، والحركات التكفيرية) سيساهم في تحقيق
الاندماج، مع ان الاسلام لايلغي التعدد في مجتمعه، وان
هناك آيات كثيرة تصب في صالح التعدد داخل كيان الدولة
الاسلامية، يضاف الى كل ما تقدم، ان وجود الاجانب المجنسين
في الدول الاسلامية يوفر فرصة للدعوة الى الله، ولكن عن
طريق الاقناع والحوار، فما يتخوف منه الاوربي ناجم من
قابلية الاسلام للأنتشار بسرعة لأن فية عوامل حل أزمات
الغرب الاخلاقية والروحية، وهذا التخوف لامبرر له، اذ يمكن
ان يساهم في فتح باب التجنس لغير المسلم الى زيادة مساحة
الاسلام وليس الى الانتقاص منه.
ثانياً
التسخير:
من خلال
تتبعنا للعلاقة بين الطبيعة والكون والانسان نجد ان
التسخير عمادها، أي ان الاشياء غير العاقلة مسخرة للانسان
العاقل ، وان علاقة الأخير بها علاقة أمانة كما جاء في
قوله تعالى((هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعاً))(13)
وغيرها من الآيات التي يدل سياقها وظاهرها وشمولها لغير
المسلم، مما يعني ان الانسان- بعنوانه العام- هو المراد من
هذه الآيات، وهذا الامر يدفعنا الى اعتماد حقيقة ان
الطبيعة ملك الجميع، ومن حق الجميع العيش فيها ،حتى ان
الخالق سبحانه وتعالى اشار ان ارض الله واسعة وطلب من
المؤمنين الهجرة اليها اينما وجدوا استقراراً وامناً ، وهو
امر ينطبق على كل البشر، ولم ترد ايات قرانية كريمةتخصص
ارضا ما (وطن للمسلمين دون غيرهم)، ومن الواضح ان التوطن
في ارض ما غير محكوم بقيد ،اللهم الا القوانين الوضعية
ولكن العلاقة السياسية والاجتماعية مع مجتمع هذا الوطن
محكومة بظوابط معينة كلها تصب في صالح حركة الانسانية،
ولذا يمكن تقييدها بما يحقق المنفعة العامة للمجتمع
والدولة، وهو امر متفق عليه في سائر القوانين الخاصة
بالجنسية في العالم.
ثالثا-الانسانية:
ينطلق
الاسلام في رؤية للانسان من ناحيتين، الاولى دينية اذ
يكّون مجتمعا تسوده وحدة العقيدة وهو المعبر عنه بالامة
الاسلامية والذي تربطه الاخوة الاسلامية وتعمل مجموعة من
مفردات المنظومة العبادية والفكرية على تعزيز التلاحم فيما
بين افراده، والثانية انسانية (اي القاسم المشترك بين
البشر)، فالاسلام وضع هدفاًعاما له يتمثل في سعيه للمحافظة
((على الحقوق الطبيعية للبشر وتثبيت العدل في كل شؤون
الحياة الفردية والاجتماعية))(14)، ومن بين ابرز هذه
الحقوق حق الحياة وحق العمل والسكنى والتعبير عن الراي
والاعتقاد وان وضع بعض القيود على حقوق مدنية من اجل ضمان
استمرار قيم الحق والعدالة في التاثير على حركة المجتمع.
ولقد وضع
ثوابت عامة لغير المسلم في علاقته مع المجتمع الاسلامي
تمثلت بايجاد عقد بينهما يقوم على اساس العبودية لله وحده،
ورفض اتخاذ البشر ارباباً يهيمنون ويسيطرون على الأفراد،
وفي ذلك تحرير للأنسان وأعادته الى مركزه الحقيقي في
الوجود،يضاف الى كل هذا، ان الاسلام سعى الى محاربة الظلم
والانتصار للمظلوم، في صراعه مع الظالم مهما كان المظلوم
مسلماً أم غير مسلم، ولعل من بين أهم موارد الانتصار هو
السماح له بالعيش في ظل الأمن والأستقرار من خلال ما يعرف
الآن بحق اللجوء السياسي، الذي قد يتحول فيما بعد الى
التجنس بجنسية الدولة الاسلامية.
رابعاً:
التعددية
لقد آمن
الاسلام بالآخر، الذي يمثل التنوع والتعدد،بل أعتبرها سنة
كونية، أريد منها على مستوى الانسان تحقيق الانسجام
والتوصل والتفاعل من خلال سنة الاحتياج التي فطر الانسان
عليها، وأذا كان من التعدد ما هو تكويني كما أشارت الى ذلك
آية أختلاف الالوان والألسن (15) فان هناك أشكال للأختلاف
تنجم عن العلاقات الاجتماعية والمؤثرات البيئية الاخرى،
كالدين والفكر والعادات والتقاليد والاعراف، ولذاتعامل
الاسلام مع التعدد والتنوع بايجابية ولم يسع يوماً الى
أختزال الكثرة في الوحدة على أعتبار ان حذف الآخر يعدم
غاية الدين ويجرّد الوجود من الكثرة البشرية، بل وحتى من
الأقلية(16).
والمدقق
في آيات القرآن الكريم يصل الى استنتاج مفاده ان الرغبة في
الاقصاء والتهميش للآخر مردها طموح الأنسان غير المنضبط
بالقوانين الاجتماعيةالألهية،ولذا فان الاسلام وضع سنة
تاريخية تدفع باتجاه المحافظة على التعدد -على الأقل- في
جانبه الديني- من خلال سنة التدافع التي ورد ذكرها في
القرآن الكريم اكثر من مرةولعل أبرزها قوله تعالى (( ولولا
دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد
يُذكر فيها اسم الله كثيرا))(17)، فالآية صريحة في ان
المدافعة غايتها بقاء التعدد الديني مقابل الدعوة الى
التفرد، فالتدافع يعني الازالة بقوة(18)، أي رد محاولات
الآخرين لجعل البشرية خطاً واحداً،لأن هذا يتنافى مع منطق
التعدد الذي وضعه الله تعالى.
وانطلاقا
من هذا التصور نستطيع التوصل الى ان الاسلام لا يرغب في ان
يجعل الدولة اسيرة خط واحد من الافكار والمعتقدات بل يمكن
ان تتعدد الاديان والقوميات والاتجاهات داخل الدولة ولكن
يشترط ان يكون الولاء في حالة الدولة للنظام السياسي ،وفي
حالة الامة للدين.
خامساً:دولة المدينة في زمن الرسول (ص).
ان دولة
المدينة التي اقامها الرسول الكريم (ص) عقب هجرته، لم يكن
افرادها من المسلمين فقط، بل ان الرسول (ص) اقام عهداً
بينه كممثل للمسلمين وباقي الاديان وخصوصاًاليهود للعيش
بسلام داخل هذه الدولة بل يمكن استثمار بعض ما جاء في
وثيقة المدينة للاستفادة منها في صياغة مفهوم للمواطنة
يتلائم مع واقعنا ،اذ جاء في الوثيقة ان لليهود في المدينة
النصر من المسلمين اذا ما اعتدى عليهم آخرين من خارج
الدولة وان تكاليف الحرب (الدفاعية) يتحملها اليهود كما
يتحملها المؤمنون، مع ابقاء حرية الدين والمعتقد للكل(19)،
وهذه تشير الى مبدأ الولاء للدولة وليس للامة في النظام
السياسي ،اذ يشترك كل افراد الدولة في الدفاع عنها وتحمل
نفقات الدفاع وهو امر ينطبق مع مبدأ المواطنة القائم على
اساس المساواة في الالتزامات تجاه الدولة.
وفي ضوء
هذا يمكن ان نضفي المواطنة على باقي الاديان والقوميات
،ولا ضير ان تضم الدولة الاسلامية اقليات من اديان ومذاهب
،بشرط ان يكون الولاء للدولة قبل الدين.
وفي ضوء
ما تقدم يمكن ان تتوصل الى النتائج التالية فيما يرتبط
بموضوع التجنس:
اولاً: ان
الاسلام لايمنع من تواجد اجانب في دولته،كما انه لايمنع من
تمتع هؤلاء بالمواطنة ولكن بشرط استنادا الى ما جاء في
القرآن الكريم والسنة النبوية.
ثانياً:ان
منح صفة المواطنة لغير المسلم المقيم في الدولة يتطلب وجود
عقد بين الدولة وطالب التجنس وللدولة الحق في قبول او رفض
طلب التجنس ما لم تكن هناك دواع قاهرة تستدعي القبول،
فالحياة مقدمة على اي اعتبار آخر في الاسلام.
ثالثاً:ان
هذا العقد يمكن ان يقيد بقيود معينة تصب في صالح الدولة
والمجتمع، ومن ثم امكانية زوال صفة المواطنة عنه اذا ما
اخل بشروط العقد.
رابعاً:
يتمتع المواطن المتجنس بكل ما تتضمنه صفة المواطنة من حقوق
الا ما تقتضيه ضرورات بقاء الصفة الاسلامية للدولة وهو امر
اعتادة عليه اغلب دول العالم، اذ تشترط مرور فترة زمنية
معينة على اكتسابه صفة المواطنة حتى يحق له ممارسة كل
الصلاحيات والتمتع بالحقوق، وهذه المدة تمثل اما مدة
اندماج قيمي وسلوكي بالمجتمع او مرحلة تنمية الوعي
والاحساس بالانتماء للوطن من اجل ضمان المحافظة على الدولة
والمجتمع في حالة توليه مناصب حساسة في الدولة.
ولا يمثل
هذا الامر خرقا لمبدء المساواة ،اذ ان هذا المبدأمحكوم
بقيود وظوابط معينة في كل دول العالم ،فمع اقرار هذه الدول
بالمساواة في المواطنة ،الا انها تضع قيوداً على مواطنيها
ازاء بعض المناصب الحساسة واحيانا تشترط شروط تمتع بعض
المواطنين من حق الترشيح لبعض المناصب (كالخبرة والكفاءة
والعلم والعمر) وغيرها.
ثانيا:التمييز في الحقوق في الاسلام
من اهم
القضايا التي تشكل عائقا امام مبدأ المواطنة في الفكر
الاسلامي ،هي ان الاخر الديني وغير الديني ،لايعد مواطنا
له الحق في التمتع بامتيازات المواطنة ،حتى وان كان متولد
في الدولة الاسلامية منذ ازمان سحيقة كالكلدواشوريين،الذين
لهم صفة القدم في الوجود على ارض العراق، ولم يكن هذا
الامر رآي يتبناه شخص او باحث اسلامي، بل له العمق في
الوجدان والذهنية الشعبية الاسلامية مايصعب تفكيكه بسهولة
حتى (( ضاعت التعددية وغاب التقابل بين الرآي والرآي الاخر
،فعم التقليد والتبعية وساد الخوف على الاقلية ..ولم يعد
حق الاختلاف وشرعيته موجوداً))(20). ولم يكن التمييز يشمل
المسلم وغير المسلم ،بل يشمل المسلم نفسه، حتى ان حقوق
المرأة السياسية تعد خروجا على الشريعة الاسلامية اذا ما
اعطية لها، بل حتى بالنسبة للرجال، اذ توجد تيارات اسلامية
تشترط القرشية في تولي بعض المناصب الحكومية.
ومن
الغريب حقا ان تجد من الاحزاب والمفكرين الاسلاميين من
يحاول التاسيس لمشروعه السياسي استنادا الى تلك القرارات
التآريخية للاسلام ،وكآنه يريد اختزال النتاج الفكري
للمسلمين وغيرهم وحصره في مرحلة زمنية معينة(21).
ان
القراءة الواعية لهذه المواقف والتحليلات والاستنتاجات
تكشف عن خلل منهجي في عملية المعرفة يصطدم مع ثوابت الدين
الاسلامي يتمثل في ترك مصدر التشريع والتفكير الاول
(القرآن الكريم) والاعتماد على السنة النبوية ـ رغم ان
الاخيرة عانت من ظاهرة (التراكم الكمي ) بصورة واضحة ،اذ
كثيرا ما توظف المواقف السياسية والاجتماعية للنظام
السياسي او الطائفة لخدمة مصالح معينة من خلال قراءة
مغلوطة للاحاديث او اختلافها ـ رغم ما يشوب السنة الصحيحة
ـ كما يعتقد اصحاب الحديث ـ من الاضطراب والتعارض الى الحد
الذي لايستطيع المدافع عنه الا اللجوء الى التاويلات
الفاسدة والتي تتعارض مع القرآن الكريم ،فظلا عن اغفالهم
الحقيقة مهمة، ان بعض السنة لا تتصف بصفة الالتزام الشرعي
على طول الخط الزمني للرسالة الاسلامية، اذ يمكن ان تدخل
في اطار الاحكام الظرفية (اي انها استجابة لظروف سياسية
وتاريخية معينة)، اي انها تدخل في اطار الاحكام الولائية
للحاكم السياسي، وليس في اطار التشريع.
ولذا سوف
نحاول ايجاد المسوغات الشرعية لتجاوز النظرة التقليدية
للمسائل التي تشكل تعارضا مع مفهوم المواطنة، مع قراءة
جديدة لبعض نصوص السنة النبوية، وبما يحقق الثمرة المرجوة
من المفاهيم الاسلامية.
المساواة
بين الرجال:
القسم الثاني |