ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

التربية مشكلة وهدف

 

شهاب أحمد الفضلي

 

لا أخال أحدا بمقدوره أعطاء وصف او تعريف كامل لاي شكل من الاشكال وخصوصاً في الجانب الانساني منها، والتربية واحدة من هذه الاشكال لأختلاف السياسات والحضارات كلّ بحسب مفهومه لذا فاننا لانغالي أذا قلنا ان التربية ، ترمي في جوهرها الى أحداث أكبر ما يمكن من التغيير والتهذيب في طبيعة الانسان الاولية حتى ينتفع منها بما يجعله أنساناً صالحاً للمجتمع ونافعا لنفسه أو كما يقول العّلامة ثورندايك: العمل على تحسين بني الانسان وترقيتهم حتى تزداد حاجاتهم النافعة، ويصبح في مقدورهم تحقيقها والوصول اليها.(1)

  

لقد أحتلت التربية حيّزاً كبيراً  في كتابات وتجارب الكثير من الباحثين ومنهم علماء نفس واجتماع وفلآسفة مما دفع بالمفاهيم التربوية وتحسين طرائق التعليم الى منحى كبير وواسع في مجالات كثر وخصوصا مجال التعليم المبكر أو ما يسمى بالتعليم الابتدائي. أول من أكد على ذلك الفيلسوف والمربي الفرنسي الكبير جان جاك روسو في كتابه أميل أذ يقول: أن معجزة اي تربية فاضلة هي تكوين شخص عاقل فكيف يمكن ان يزعم الزاعمون أنهم يربون الطفل بالعقل الذي لآيتم الاّ للرجال بعناء؟ أن ذلك لهو الابتداء بالنهايات، أو الاقدام على صناعة الآلة من نتاجها؟(2).

الآ يعني ذلك أن نراعي في التعليم للصغار سنهم الذي لايسمح بأن نعلم فيها كما الكبار فما يفعله طفل في السادسة والسابعة لو خُيّربين اللعب او التعليم قطعاً سيختار اللعب لكونه يشكل عالما براقا يتفق وهواه، فغرائزه تدعوه للجنوح كما مهر بريء لايحتمل راكباً على ظهره، وعليه فاننا كما نروّض وندجّن فاننا سنجعل الثواب والعقاب نوعا من انواع التغريز التي نرى ان في مكنتنا استخدامها لتحويل الفائض من هذه الطاقة الى شيء نافع وجدّي فالترغيب والترهيب واحد من العوامل المؤثرة في السلوك والتغريز لأقامة نوع من التوازن يحدد فقط واجب المربي تجاه الطفل  »ان يقترن هذا الاقناع المزعوم بالقوة والوعيد أو بما هو شر منهما، الآ وهو التزلف والوعود  المعسوله«(3) فالطفل أكثر الاشياء نزقا لكونه لايعرف لأي شيء ثبات فهو أكثر من الماء أنسكابا وأسرع في التغيير فالضحك والبكاء واليقظة والنوم والانتقال من لعبة الى أخرى فيها جانب كبير من السرعة لايمكن السيطرة عليه الاّ بصعوبة بالغة وقدرة عالية على التكييف من جانب المربي في ذلك أذ ما جدوى »العقل، الجدل في تلك السن؟ إن العقل في الواقع هو لجام للقوى والملكات. والطفل لاحاجة به الى هذا اللجام«(4).

إن الانطلاق دون الاحساس بالخطر هو مايجب أن يتم. فالعالم عند الطفل فضاء مفتوح لايمكن الا التحليق فيه او كما يقال عالم تم صنعه لتلبية الحاجات فقط إذ لاوجود لحيوانات مفترسة فالذئب تم شطبه واستبداله بفراشةزاهية الالوان.  

يقودنا ذلك الى القول هل يولد الانسان بالفطره خيرا أم شرا أم اننا على وفق عوامل نكسبه جملة من اشياء يصعب عليه مستقبلا فهمها أو بلوغ معناها لأنها أضافات أجيال تلو أجيال ، وتيرة ميكانيكية،  نوع من استنساخ يحمل فيما يحمل كل أخطاء الأجيال دون دراسة او تمحيص وكأن الزمن لايتحرك الاّ في نفسه خارج حدود العدم أي ما يعني الفراغ وفي هذه الحالة مؤكد أننا نخسر الكثير لأن تربية هكذا ألغت العقل ووضعت الأنسان لجمله من السلوكيات في الغالب لاتصلح لزمنه وهذا ما يجعله يعيش حالة صراع عنيف بين التجديد والسلفية نكون مضطرين  أزائها للاعتراف بأن الخاسر الأعظم هو الانسان أو كما يقول كانت: الانسان أما ان يروّض ويوجّه ويعلّم آليا واما أن ينور تنويرا حقيقيا والترويض للكلاب، والخيول ويمكن ان يكون لبني الانسان.. لكن التربية لاتتم بالترويض، أذ المهم قبل كل شيء هو أن نعلم الاطفال كيف يفكرون. وهذا يتعلق بالمبادئ التي تنبثق عنها كل الافعال(5).  فالتعليم ليس كافياً لوضع الانسان على جادة الطريق المؤدي الى النجاح فالكثرة الكاثرة تبدو عملياً راكضة وراء اهوائها فالتعليم ليس نهاية بل انه البداية للتربية السليمةالتي نحتاج لوضعها في آفاقها الصحيحةالى جهد كبير.

ما السبب في صعوبة التربية؟ أول الاسباب هو»نتيجة الاستعدادات الطبيعية في الانسان لايتم تلقائيا«(6). وكما أسلفنا سابقا فأن الجهد المبذول في تنمية قدرات الانسان وأستعداداته والقدرة على اكتشاف قدرات الافراد في مراحلها المبكرة واحتضانها والتأكيد على تنميتها وخلق ما يمكن خلقه ليعطي كلٌ بحسب أستعداداته ومدى قدرته على الابتكار فالوسيلة الوحيدةالقادرة على ذلك هي التعليم لقدرته على تنمية المهارات الفردية والجماعية حسب الحاجات فالضرورات تفرض على الدولة أن تعتني بالتعليم كواحد من العوامل في ديمومتها وازدهارها فكل انسان يعني طاقة للانتاج اذا أحسن أستغلاله في أوجهه الصحيحه فالدقه تعني اننا قادرون على أحلال ما نريد في المكان الذي نريدلاستمرارية الدوران في عالم المتغيرات.

ربما كان للاهداف التي وضعها كانت على الرغم من الفارق الزمني الا أنها مازالت ذات فاعلية وبريق لأنها حفرت عميقا في ذاكرة  الانسان والشعوب وكانت واحدة من أفضل ما قدم من أهداف لاتحمل أي غرض سوى وضع الانسان في طريق أكمال ما بدأ أسلافه من مثل فهي لاتلغي الحق في شرعية الآخرين واجتهاداتهم ولكنها امتداد لما بدأه ألأولون فالحقل التربوي كما بئر بكر . نستطيع ان نحفر في ارضه في نقط مختلفة وأماكن متعددة وفي كل مرة نصل الى الماء. فالحياة والتربية يكمل احدهما الآخر والاّ أضحت بلا معنى.

وأول الاهداف:

1.  التهذيب: أي »السعي الى منع الحيوانية من أن  تكون خسارة للانسانية سواء في الانسان المفرد وفي الانسان الاجتماعي فالتهذيب يمارس في كبح التوحش«.

2.  التثقيف: تحصيل التعليم بمختلف اشكاله وأهمها أكتساب المهارات مثل القرآءة والكتابة  ويمكن ان يقال عن المهارة أنها لامتناهية بسبب كثرة الاغراض  وتجديدها.

3.  تحصيل الفطنه: أي التكيّف مع المجتمع الانساني فتكييف الفطنة مع الذوق المتغير لكل عصر

4.  التكوين الاخلاقي أنه لاينبغي فقط ان يكون الانسان مهيئاً لكل أنواع الاغراض بل يجب عليه ايضاً أن يكتسب الميل الى أختيار الطبيعة دون غيرها.

من خلال ما تقدم نعتقد من ان الاهداف التي يمكن توخيها من التربية كبيرة في حجمها ولكن لكي نرى الجانب الآخر من الجبل قطعا علينا ان نحفر في الصخر ليكون الطريق اكثر انسيابية وجمالاً ولكي نرى النور علينا ان نقهر الظلام أي نشعل الشمع في الليل هكذا يمكن ان نرد الظلام أو كما يقول راسل »ان التربية التى من شأنها أن تعمل مواطنين صالحين لها شكلان مختلفان، وحسبما تكون موجهة لدعم أو للقضاء على النظام القائم«(8) اذا سلّمنا جدلاً بان الحياة في تطور مستمر فأن النظم جزء من الحياة فالاولى ان تكون ضمن حدود التغيير وبما ان الانسان جزء ايضا من نظام كوني أشمل فان التربية واحدة من النظم التي تدعو الى التغيير فالعودة الى الوراء ليس من عمل الحياة فألأنتخاب يؤدي الى نقلة والموت لايعني الاّ ولادة جديدة أكثر عنفواناً اذا أخذنا بالأعتبار شيخوخة الحاضر لذا فان مرحلة ان يكون الانسان في حدود الوعي قريباً من التحديث إذ ان الشيء »الواضح جداً في فترات الطفولة هو ان الطفل لايحتفظ بنفس الشخصية لفترة طويلة. فهناك مراحل ينمو فيها ويتطور ويتحرك ويحتك بالمجتمع«(9). لتكون أفكاره ومعالجة حياته وترتيب صوره المقبلة. ونحن نقول مع الدكتور سبوك: أظن انه أصبح الآن من المؤكد ان شخصية الطفل تتحدد بشكل واضح الملامح منذ العام الثاني والثالث من العمر والا أصبح الأطفال بلا لون أو ملامح مميزة (10).

لذا فان الاهداف التي يمكن توخيها من التربية هي تربية جيل قادر على حمل رسالة الجيل الذي قبله وتطويرها الى أحسن ليكون بالامكان القول بان اللحظة الحضارية قريبة من امكاناتنا وتطويع الصلب منها للأقتراب من أنموذج المعاصرة والحداثة وهذا لايتم الا من خلال نجاح البرامج التربوية بشكل يدفع النشء الى القفز واللحاق بركب المجتمعات المتقدمة حضارياً.

 

تعريز وتدعيم

من الصعب بمكان أعطاء مايسمى بأهمية فما نعتقده ان أهم شيء يمكن القياس عليه او الأخذ به لاعتبارات كثيرة وموجبة تلك التي نرى بانها تخص مفهوم او عملية التربية بمجموعها لكونها تشكل أعظم أنجاز تقوم به المجتمعات في حياتها فالتربية من الأهمية بمكان لايمكن الجدال في حدود ممكناتهاكونها المعول عليه في أنجاز التقدم ومواصلة الحياة بشكل أيسر وأكثر سهولة أذا ما استطاعت المجتمعات النجاح في مثل هذه المهمة السهلة المعقدة. فالأهمية تنطوي فيما تنطوي عليه لضرورة بالغة وأهمية لايمكن ألغائها. كما ان التربية وضرورة أعدها من الأولويات القصوى عند المجتمعات التي ترى ان الجيل الآتي هو الذي يقود و عليه يجب أعداده وبشكل جيد ليس جديدة فقد أكد عليها أفلاطون في جمهوريته وأعد أمكان لمعان العبقرية والذكاء غير محدد بسن معينة لأرتباطه بالنفوس والعقول عليه فالبحث في كل مرحلة من العمر ومتابعة ذلك في خلال المشاهدة وأكد على ضرورة التعليم البدني وجعل ذلك جزءاً أساسياً وركنا من الأركان المهمه في كل مدرسة ولمختلف الأعمار فالرياضة هي السبيل الى الحصول على طبيعة لطيفة تدعمها شجاعة عظيمة.. لأنه يظهر أن الأثنين لايجتمعان(11) والموسيقى تهذب النفس.

هناك معايير لابد من الأخذ بها في توضيح مفهوم التربية لجملة من الاعتبارات لايمكن تجاهلها أو وضع أي منها جانباً في محاولة الدخول الى موضوع (التربية) وذلك لعدم أمكان السيطرة على ما يسمى بالجوهر التام والضروري لدعم مايسمى بالتعريف الكامل سوى ما يمنحه لعموميةأختلاف البيئة المراد تطبيقه فيها كمفهوم وأن أختلفنا في تعريفه مع الآخرين فأننا نعتقد بانه يخضع لعملية هي ما ندعوه بالتغريز أي اننا نربي باتجاه ما نراه مثالاً يجب ان يكون والمؤسسة كاملة بمجموع هيئاتها معنية بذلك من أصغر وحدة ومؤسسة الآ وهي الاسرة حتى أعقدها مع كامل البرامج المراد تغريزها في توفيق ما يسمى بأعادة صياغة وتسيير المجتمع والأعتزاز بما يعنيه تاريخه وما يتمخض عن ذلك.

أذ لاغرو ان »لايستطيع احد حينئذ ان ينكر ان تربية الاولاد يجب ان تكون احد الموضوعات الرئيسة التي يعني بها الشارع . فحيثما كانت التربية مهملاً أمرها أصاب الدولة من ذلك مصيبة مشؤومة«(12). وضع التربية في جانب الكارثة التي يمكن ان تهدد الدولة أي المؤسسة الاعلى يعني ان النشئ  الجديد لايختلف في ضياعة عن خساة جسيمة تشبه فيما تشبه خسارة كارثية فالمعول عليه هو التربية.

وضع كهذا يجعل أمكان الحصول على نتائج في غاية الاهمية اذا أحسن الأسلوب التربوي في الاقتراب من الطفل الراشد الطفل القائد مع كامل العلم باننا يجب ان نمسك الطفل قبل كل شيء فضرورة ان تكون التربية للجميع قائمة على المماثلة أي تتصف بصفة العمومية »وبما ان الدولة بتمامها ليس لها الاّ غاية واحدة بعينها فيجب بالضرورة ان تكون التربية فيها واحدة متماثلة للجميع«(13) وتحقيقاً لذلك »نحن نرى من البيّن ان القانون يجب ان ينظم التربية وان التربية يجب ان تكون عامة ولكن الشيء الاساسي ان يعرف بالضبط مايجب ان تكون هذه التربية والنمط الذي ينبغي اتباعه«(14) فالمماثلة والقانون من موجبات تحقيق تغريز بالطرق القسرية أي تغريز مايمكن ان يملي عليه النشئ فالحقيقة الوحيدة التي نرى اننا نشترك في حدود تعاملنا وأياها بلا رقابة أننا كائنات تم تغريزها من مختلف الجوانب كما في مختبر فئران يراد لنا ان نمارس ما يتوجب علينا ممارسته ضمن حدود مايسمى بالمثالي او المتسامي (الترايسدنت)، فالمتعالي ارتحال خارج حدود أشكالوية مايعتقد في معرفته لتوزع مانمتثل اليه في الايمانات ومدى تغريزها فمثلاً يتم التغريز والتأكد على مبدأ الشجاعة بشكل لايعطي مجالاً للأخلال بما يسبب اي أبتسار حتى للفظ ولكن نعتقد ان هناك في الجانب الآخر وعلى الرغم من النعوت القاسية والغير جميلة فأن الجُبن والتهوّر صفتان موجودتان وظاهرتان حيث يمكن لمسهما على الرغم من كونهما غير محبوبتين قطعاً وبأي شكل من الأشكال ووجود هاتين الصفتين الذميمتين قد جرى تغريزهما بطريقة لاشعورية تدعو للدهشة في أغلب الاحيان اذ ان الشكل الصحيح والواضح للحالة ينبغي ان يكون مطواعاً دون حاجة الى استبيان حيث الجُبن والتهوّر منطقياً يتوجب ألغاؤهما من المجتمعات كافة للعداء والرفض القاطع ليس للافراد بل هو رفض قاطع لكل مايؤكد صلته لهذين المفهومين. كما اننا في الاغلب الأعم تدعونا المعرفة الى القول أن »اللذة ليست واحدة عند الجميع كل أمرئ يتصورها على هواه وبحسب مزاجه«(15).

شيء كهذا يدعو للاحباط فالانسان لم يفتأ أسير هواه واللذة عند الجميع تدعو الى أنزلاقات خطيرة في أغلب الأحيان وذلك لعدم القدرة على حسابها لذا فان الانسان »عن طريق التربية العامة يحصل على أكبر قسط من المعلومات النافعة، ويكتسب الكثير من المهارة العقلية والبدنية وعن طريق التعليم، والتقليد، والأرشاد، فيحسن أستثمار أفكاره، واستخدام عضلاته«(16). المهارة ومعرفة استخدامها مايعول عليه في أنشاء جيل جديد قادر على أنتاج مايسمى بالحضارة أو اضافة جديدة الى الكم المخزون وهذا يعني ان نستبدل أفكار »الطفولة المشتتة ومطالبها الجامحة، مثل الرجولة العليا ومبادئها الثابتة«(17). لذا فان مهمة التربية تنمية الصالح من الاستعدادات وقمع الفاسد منها وتحمله على تقبل ما يراه المجتمع مناسباً، او يقول كانت: »ان الانسان لايمكن ان يكون انسانا حقاً الاّ بالتربية. انه ما تصنع منه التربية«(18). عليه فان الغاية هي »تربية الشخصية، تربية كائن يفعل بحرية، ويحافظ على كيان نفسه« ان ولادة هذا الكائن هي الوحيدة القادرة على أعطاء الحياة معنى وطعماً ليكون بالامكان صنع ثراء ليس مادياً بل ثراءً روحياً يكون أهم ما فيه تنمية الاستعداد للخير. وكل جيل هو مربّ للجيل اللاحق أي ان الآباء قدوةالأبناء فاذا صلح الآباءصلح الأبناء. عليه فان »التربية فن، يجب تكميل ممارسته بواسطة كثير من الأجيال. وكل جيل قد تعلم معارف من سبقوه«(19). فالتراكم عملية جدلية تضيف فيها الاجيال ما تراه ملائما لحياتها وما يتفق وخبراتها في تحقيق حياة جميلة فالجنة حلم على الارض حلم قد لايفارق اي انسان على الرغم من معرفة الجميع بانها رسالةلابد من العمل على أيصالها باي ثمن فالألم والفرح والدموع والضحك كلها معالم في الطريق على تحقيق جزء من عالم سعيد يكون الانسان فيه سيد هذي الارض ولكي يكون هذا الحلم قريباً فان أهم مؤسستين هما البيت والمدرسة فألأول يهدف الى التكوين الاخلاقي في المقام الاول والثاني تحصيل العلم والمهارة وعلى الرغم من معرفتنا بان الحياة جدلياً تتطور وبشكل لايدعو للتراجع فان هناك ما ندعوه بالأستثناء فبعض البلدان تميل في مجال التربية »لتكون قوة رجعية تدعم الحكومة عندما تكون محافظة، وتعارضها عندما تكون تقدمية، ولسوء الحظ ايضاً، ان عناصر المواطنة الجيدة التي تعلم في المدارس والجامعات هي من أسوَء العوامل وليست الأحسن والذي يؤكد على اسس تكوّن ولاء عسكري«(20). أمثلة شاذة على أشكال التربية التي توجه بطريقة تخدم أغراضاً سياسية وتثبت أركان حكم رجعية ودكتاتورية وديمقراطية شاذة وشوفينية وستالينية وكولنيالية وغيرها من أنظمة قمعية دينية وغيرها من أنظمة تؤكد باستمرار انها الوحيدة القادرة على أمتلاك الحكمة. وأنظمة هكذا تضع اجيالاً كاملة تحت الوصاية فكرياً وعزلها ومصادرة أبداعاتها وإن كان استخدامها لتدعيم أركان حكمها في البقاء دون الاحساس بان تلك الأجيال وخصوصاً منها الاطفال وأنها من الحق ان تعيش حياتها وقد أكد جون ديوي: »على تلك الاسس فليس هناك ما يقال عن حياة الطفل، وقد يمكن ذكر الكثير عمّا يدرسه الطفل الا ان المدرسة ليست المكان الذي يعيش فيه. وفي الوقت الحاضر نرى ان التغيير المقبل في تربيتنا هو تحول مركز الجاذبية، فهو تغير او ثورة ليست غريبة عن تلك التي احدثها كوبرنيكوس عندما تحول المركز الفلكي من الارض الى الشمس ففي هذه الحالة يصبح الطفل الشمس التي تدور حولها تطبيقات التربية وهو المركز الذي نضمها حوله«(21). لذا فان المدرسة والمنهاج ومدى فاعليته في خلق أنسان يملك الدافع القوي في صنع أنموذج جديد بمواصفات جديدة غير ما ألفه ولكن دون تدخل الآخرين او الأنظمةالمذكورة آنفاً في توجهاته وما يمكن ان يفعله في تحديد هويته لذا فان ديوي يؤكد على ان التعبير الذي كثيراً ما نسمعه، هو التعبير القائل بان التربية معناها الأستخراج (والمقصود به قيام المعلم بتوجيه الطفل لحمله على كسب المعرفة والخبرة بنفسه) وهو تعبير ممتاز اذا اردنا ان نعارضه بسهولة مع عملية الكسب (والمقصود منها قيام المعلم بتقديم الخبرة والمعرفة الى الطفل مباشرةً ) ولكن بعد هذا كله نجد من الصعب ان نربط بين فكرة الاستخراج وما يعمله الطفل بصورة اعتيادية وهو في سن الثالثة او الرابعة او السابعة او الثامنة من العمر، لأنه مأخوذ ومغمور بفعاليات من كل الأنواع(22). ألآ يعني ذلك ان تدعيم التربية بالمعارف الاخرى نوع من تعميم كلمة التربية وأعطائها معنى أشمل لتنظيم كل المعارف الانسانية الأخرى في اطار معين فالرياضة والموسيقى والفنون الاخرى والتاريخ والدين وناتج الحضارة بالكامل ماهو ألاّ جزء من تربية بين أخذ ورد، جذب وشد، بُعد وقرب، إستنباط وإستقراء، نوع من التوّجس والخوف إذ نحن في غمرة النشوة أحببنا وكرهنا ولمرة واحدة عبر تاريخ الأنسانية وعممنا ذلك كونياً، فأخذنا تاريخنا بوصفه جزءاً ليس من هوية، بل جملة تعني الحياة دون إحترام جُمل الآخرين في الوقت الذي نرى ان التربية الصحيحة تدعو الى حوار جديد واعادة تنميط الحياة وأستعداد تام لتقديم شكل جديد لحياة تعاش لذا فان الجمال في التربية ينتج جمالاً جديداً في الحياة ليحقق نمواً آخر في جدار الأنسان والأنسانية وأضافة لُبنة الى لُبناتها فالكل مدعو لبناء هذا البيت الذي هو الارض لذا فان التربية من الأهمية بمكان إذ يمكن عدّه إستثناءاً، الخسارة فيها تعني ضياع فرصة تاريخية لاتعوّض.

 

فردوس مفقود

أعتاد الأنسان ومنذ البدء الى أعتماد ما تمنحه الحياة له من جديد وما يمكن ان ينتجه، ونتيجة لذلك أوقف كامل ما حلم به وما اراده لكي يحقق ومرة واحدة مصيره على هذه الارض وصنع فردوسه المنشود نوع من القتال تحمل فيه الانسان العبودية والذل والجوع وعنت الطبيعة ونزقها وفي كل مرة يعاود البناء من جديد نوع من الفلسفة لايمكن الاقتراب منها دون اندهاش او رسم علامة استفهام اذ ان كانت يقول: »المهمه الكبرى للانسان هي ان يعرف كيف يملأ مكانه بين الخليقة على النحو اللآئق وان يفهم جيداً ما يجب ان يكون عليه الانسان حتى يكون انساناً حقاً«(23). 

لذا فانه لامفر من أكمال تلك الحلقة بين الجديد والقديم وأضافة حلقة جديدة الى تلك السلسلة . سلسلة يعمل الكون على أساس أستكمال حلقاتها لتكون آخر دائرة لبداية دائرة جديدة فالعالم في نهايته سيكون شكلاً جديداً فالصراع على أعادة ترتيب الكون يشبه اللعب تماما للأطفال، الوان تغير بلا أدنى وازع لتكوين جميل ومرتب، دع الأشياء سيكون الكمال في عدم انتظامها أكثر جدوى وربما أختلفنا في الرأي مع كانت إذ يقول: ان ثمة اكتشافين أنسانيين يحق للمرء أن يعدهما أصعب الامور وهما فن حكم الناس، وفن تربيتهم(24). أنها المرة الأولى التي يرى الأنسان أنه صنع وبنفسه مايقهره وحدد فيها كماله إذ السلب كان لبها، فالقانون والنظم أبشع صورة لحياة أجبرت الأنسان على فعل ما يكره وأصبحنا في كل مراحل الحياة حتى الموت كائنات بحاجة الى أعادة تاهيل وتدريب، كائنات دائماً بحاجة الى تربية وكانت الحياة لاتمنح الاّ القليل لا لجموع الناس ومنحت لكل ما ارادت لقلة. تلك القلة هي الحاكمون تاريخ من الجدل أوقع في طريق الأنسان ملايين الضحايا في صراع لأرادات تربوية اختلفت في تطلعاتها حتى الصالح منها أذ تم تنمية الأستعدادات الفطرية لأجيال وشعوب حد العماء لتكون سائدة ، وزرع بذور الشر في النفوس ولكن وبعد الصفعة يكون الأوان قد فات وسحقت الأنسانية مرة، ومرة أخرى دون ان نذرف دمعة حزن وبعد أعوام هي مانقول ليست الاّ تجربة.

فلسفياً لم نصل الى ما نحن عليه الاّ بأنهار من دم الفاتحين النبلاء الذين لم يبخلوا حتى وان غادروا عالمنا الى عالم آخر تاركين أختياراتنا على الرغم من انهم دفعوا مايمكن ان يقال انه الأعز . وحتى لانكون مشوهين كما فعل الآخرون قبلاً فإننا نقول بان التربية العقلية هي تربية المَلـَكات وفي نظر كانت هي: العقل، والذهن، ومَلـَكة الحكم، والثانية يذكر منها الانتباه، الذاكرة، البديهة المخيلة. والقاعدة في ذلك »عدم تربية مَلـَكة عقلية لذاتها ولوحدها بل ينبغي تربية (أو تثقيف) كل واحدة من هذه المَلَكات العقلية في علاقتها بغيرها من المَلَكات ، مثلاً تربية الخيال لصالح الذهن«(25).

إذ كانت مهمة الفلسفة أعطاء معنى وتحليل كامل لقيام نظام شمولي ياخذ في مدياتة مختلف جوانب الحياة وربطها بمعنى كوني اشمل ليكون الأنسان جزءاً من عالم شمولي كان التورط الوحيد فيه أنه أختيار سماوي جعل الكائن الوحيد الذي يملك شرط الوعي وعلية فان كل شيء يتم ربطه أساساً في حلقة تنتهي لتبدأ به في تحقيق إمكانات الوجود لذاته بعيداً عن نهاية حقيقية إذ أمكن وبشكل يدعو للدهشة تركيب جمل كثيرة من قضايا بسيطة والتربية واحدة ممن عنت الفلسفة بمختلف جوانبها لأحتوائها على »مجموعة القضايا الفلسفية التي لها علاقة بالنظرية التربيوية«(26). لاقامة هيكل فيه العقل ليس سيداً لمعرفة الطبيعة والتفوق عليها بل وأيضاً للجم جماح الأنسان وكبت رؤاه الى أقصى مدى وأعطائه فسحة صغيرة لأقامة حلمه الصغير في الكتابة عن عالم جميل أشبه بالحلم فالعقل يعتصر مجمل حياته بلا رحمة حتى بات مثله »مثل كثير من الكلمات التجريدية التى تستخدم في الفلسفة. تبدو كلمة عقل كلمة غامضة غير واضحة«(27). العمومية فيها وسهولة وضعها وكأنها وصفة لأيقاف أي نقد حتى ان تساؤولاً يقفز الى الذهن في الكثير من الأحيان يلح على أجابة أأن ما نعيشه هو الطريقة الصحيحة للحياة؟ وإذا كان كذلك فهل ان عالمنا هذا هو أفضل العوالم؟ أن الأجابة عن هذا التساؤول يعني حتماً اننا يجب »ان نثق بالعقل أكثر من اللآزم من ان تضيف ثقتنا به أكثر من اللآزم لأننا لانستطيع بالثقة المبالغ فيها ان نتعلم عن طريق الخبرة أين تقع حدود العقل«(28). فهل هناك ما نحفل به بعد ان اصبحنا فئران مختبر امام نظريات ما يسمى بالتعليم والتي احدثت فينا شروخاً أضحت في عمقها كأودية يمكن لاشيء ان يمر بها فالجانب الآخر من ذواتنا وقدراتنا الألهية اصبحت في عالم اليوم كما كثير من الاناشيد التي تغنت بالفروسية قديماً والحب العذري الذي يفقد الانسان صوابه ويجعله قشة في مهب الريح نوع من التردي في زمن السيطرة فيه لآلآف المربين والمغرزين أصنع هذا!! وأعرف حدودك، وتأكد من أنك قدر أحمق تدور في دوّامة أكثرها ألم من أقدم العصور حتى الآن. زمن يسيطر فيه العقل على أفعال جميع الكائنات ليسلبها العقل!؟ واضعين كثيراً من الحواجز في طريق أرادة فاعلة وهذه العوائق وضعت في أغلب الأحيان مفهوم التربية بين قوسين. هل هذا صالح أو لا؟ »أذ ان هذه القدرة التي تمكننا من التحكم في اهوائنا ومقاومة نفوسنا، والتي نكتسبها بفضل الخضوع للنظام الأخلاقي هي الشرط الضروري لظور الأرادة الشخصية المفكرة«(29). إذ من غير المعقول وضع الانسان وأطلاق حريته الى أقصاها بل معنى الحرية هناك أو ما نقصده الحرية الملتزمة التي في وضعها »تقييد الانسان وضع حد لأندفاعه الحُر تعويقاً له عن ان يحقق ذاتيته الكامة ومع ذلك فقد رأينا كيف أن هذا التقييد شرط لسلامتنا الأخلاقية ولسعادتنا. فالانسان أنما خلق ليحيا في بيئة لها حدودها وقيودها ومهما كان أتساعها«(30).

قد نختلف في الرأي والدوافع إذ ان علم النفس يدعو الى وضع الانسان وخصوصاً في مراحله الأولى ومراقبة أفعاله للتخفيف من الأستلاب الواقع عليه فيما بعد وأعادته بصورة تدريجية لممارسة دوره أجتماعياً دون قسره بل تغريزه كما يقول جون ديوي: »ان السلوك جميعه ينبع في جوهره وعلى الاطلاق من الغرائز والدوافع الفطرية. وعليه فمن واجبنا ان نعرف ما هي هذه الغرائز والدوافع، وحالتها في كل مرحلة من المراحل الخاصة بتطوّر الطفل، كي نعرف ماهي الدعامة التي نقيم عليها هذا البناء وعلى أي شيء نقيمه«(31)  وعليه لابد من الأشارة ان الأحكام التي تقوم عليها أسس تربيتنا هي أحكام خلقية في أعم جوانبها لذا كان القيام والحكم على صدقها أو خطأها يأخذ مناحي متعددة وليس  من قانون يمكن ان يحدد قطعاً ماهيتها كما في العلوم الطبيعية: الفيزياء والكيمياء أو غيرها لذا فان الأجابة عليها تبقى في حدود المسلـّمات ولكنها تبقى غير كافيه ولا يمكن أثباتها فلسفياً لأنها لاتخضع لمعايير العلم فما هو صحيح لشعب ليس بالضرورة ان يكون صحيحاً لشعب آخر أو قومية أو دين أو عرف آخر لذا فان الانسان والطفل خصوصاً هما العالم الذي نحاول فهمه وتسييره على وفق ما نراه صحيحا لتلبية ما وضع من أهداف وهذا يعتمد ايضاًعلى الفهم الصحيح  لنبالة تلك الاهداف  وفي النهاية ليس لنا الاّ ان نقول اننا نبحث عن فردوس نعرف تماماً انه مفقود وعلى الرغم من ذلك لا نكف عن البحث ابداً.

 

 

المصادر

1.  حامد عبد القادر ومحمد مظهر سعيد، في علم النفس، ج 1، ص 32.

2.  روسو، جان جاك  أميل، ص 95.

3.  م، ن، ص 95.

4.  م، ن، ص95.

5.  بدوي، عبد الرحمن، فلسفة (كانت) في الدين والتربية، ص123.

6.  م، ن، ص122.

7.  م، ن، ص126.

8.  راسل، برتراند، التربية والنظام الاجتماعي، ص19.

9.  سبوك، مشاكل الآباء في تربية الأبناء، ص194.

10.  م، ن، ص197.

11. جمهورية أفلاطون، ص27.

12. أرسطو، السياسة، ص296.

13. م، ن، ص297.14.

14. م، ن، ص297 .

15. م، ن، ص300 .

16. في علم النفس، م، س، ص32.

17. م، ن، ص32.

18. فلسفة كانت في الدين والتربية، م، س، ص121.

19. نفس المصدر ص122.

20. التربية والنظام الأجتماعي، م، س، ص20.

21. ديوي، جون، المدرسة والمجتمع، ص54.

22. م، ن، ص 56 .

23. فلسفة كانت في الدين والتربية، م، س، ص121.

24. م، ن، ص122.

25. م، ن، ص 137.

26. دي. جي أوكونور، مقدمة في فلسفة التربية، ص27.

27. م، ن، ص37.

29. م، ن، ص39.

30. دوركايم، أميل، التربية الأخلاقية، ص49.

31. م، ن، ص48.

32. ديوي، جون، المبادىء الأخلاقية في التربية، ص53.