ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

خصائص الدوافع الفلسفية عند الدكتور زكريا إبراهيم

(قراءة نقدية ودراسة فلسفية)

 

طه حمزة الوائلي

 

ماذا تعني الروح الفلسفية عند الدكتور زكريا إبراهيم؟ وماهي أهم خصائصها  العامة؟ وما مدى نجاحه في تبيان هذه الخصائص؟ كل هذه الاسئلة قد لاينسجم معها هذا العرض المكثف الذي يحاول تغطية الاجوبة بدرجة عالية من المسؤولية الموضوعية، ولكن الذي يطمئن العقل هذه المحاولة الجريئة، لتفعيل منهج اللاتفريط ، للشهيد الصدر الثاني (قدس سره) باستخدام أحد أسسهِ: فلسفة استجواب النص الفلسفي بدلاً من استجواب النص القرآني والروائي، أن الوقوف على الخصائص المميزة  للدوافع الفلسفية هي التي تجعلنا نتعرف على العناصر المشتركة التي تضمنها مقولة (الفيلسوف) شخصيات متنوعة من امثال سقراط وافلاطون وارسطو والقديس أوغسطين، والفارابي، وابن سينا وديكارت، وهيجل، وشوبنهور، وبرميسون ومحمد باقر الصدر ومحمد محمد صادق الصدر ومن سيأتي بعدهم من الفلاسفة.

صحيح إن الدوافع الفلسفية كما يصفها الدكتور زكريا إبراهيم: عبارة عن البحث المستمر والحرية الفكرية، والتسامح العقلي، والرغبة الدائمة في الحوار مع الاخرين ورفض الاراء السابقة مالم يتم تدقيقها/ بشكل تحليلي عميق، انسياقاً مع مبدأ كون الحرية الفكرية تتناقض مع استبدادية التسليم .

 

خصائص الروح الفلسفية العامة

   لعل أول شيء يلتفت اليه الانسان في قراءته لهذه الخصائص هو مجيء كلمة (روح) خالية من أي معنى اصطلاحي رغم أن الدكتور زكريا إبراهيم قد حاول كتابة مشكلات فلسفية وفي الصفحة (100) أن يعرف الروح بأنها »أقرب ما تكون الى المزاج أو الميل الشخصي« وهذا التعريف غير دقيق ومجانب للفهم السايكولوجي لاسباب ثلاثة هي:

السبب الاول: أن الفلاسفةالذين يمتلكون القدرة الابداعية على تنظيم الافكار في انماط اوسع واشمل ناجم عن وجود قدرة تركيبية، تقابلها قدرة تحليلية، وهذه يعني بأن الافكار التي تدار في الذهن لدى الفيلسوف هي ليست ميول ناجمة عن استجابات معينة تعبر عن حاجات لا شعورية تبحث عن الاشباع المعنوي كالميل الى اقتناء الثروة او الميل الى تأكيد الذات. السبب الثاني: يخضع المزاج عادةً الى الشروط الفيزيولوجية التي تدفع الانسان نحو نوع معين من الفاعلية وهذه الشروط تخضع عادة الى قاعدة الحاجة والاشباع في حين ان التفكير المنظم عند الفيلسوف يتناغم مع الدوافع التي تحقق الغايات في حل المشكلات الفكرية.

السبب الثالث: ان الميول حالة عامة بين الناس لانها جزء من ميراثهم الانساني، والتفكير الفلسفي حالة خاصة لدى الفلاسفة تبدأ من مرحلة الاحساس بالمشكلة ومن تحليلها واعادة تركيبها بقدرة فائقة على التجدد والإتساع؛ في الانتاج الابداعي.

والان بعد ان بينا الاسباب التي تنفي ارتباط الخصائص بالروح وفق معنى (الميل) او المزاج لابد لنا ان نوضح الخلط الفضيع الذي وقع فيه اكثر المفكرين والباحثين في عدم تميزهم ما بين النفس الانسانية كسنخ وجود ينتمي الى عالم الخلق يمتلك قدرات وملكات تناولتها بحوث علم النفس بجميع مدارسه القديمة والحديثة؛ ومفردة (الروح) التي هي سنخ وجود نوراني ينتمي الى عالم الامر ((قل الروح من امر ربي)) يعرف عنها العرفاء اسرار كثيرة، لكنها تظل مكنونة في صدورهم لان معناها يدل عليها (اسرار) ومع ذلك فان مقتضى تغيير مفردة (الروح) الى مفردة (الدوافع) تقف ورائه ثلاث اطروحات اي منها اصابت كبد الحقيقة فهي المتوخات لدى اختبار القاريء الكريم.

 

الاطروحة الاولى

رغم ان السعي الفلسفي جاري لفك الارتباط ، الاصطلاحي ورفع الخلط الشائع ما بين (الروح ) و(الدوافع) الذي يعني (انتباه لحافز يعبر عن قوة مستمرة في البحث والسعي نحو المعرفة، لهذا نجد بان الدوافع الفلسفية تختلف عن الميل الفلسفي في  نقطتين اساسيتين:

النقطة الاولى: اذا كان الحافز الفلسفي يعني توجيه النشاط العقلي صوب هدف تتوفر فيه كل عناصر التشويق والاستشارة والاكتشاف، فان هذا سيؤدي بالحتمية لدى الفيلسوف، الى استخدام وسائل ذهنية معينة قادرة على الوصول الى عمق المواضيع باستخدام طاقة المهارات التأملية. وعلى فرض وحدة المفهومين مابين الحافز والدافع فان نقطة الخلا ف الجوهرية مع الميل الفلسفي تكمن في كون الميل شعور اختياري قادر على العزوف في اي وقت كان عن مهمة ومشقة البحث في القضايا المعمقة. والمشكلات الفكرية المعقدة.

النقطة الثانية: عندما يكون ثمة تفكير مندفع بحكم بعض المستثيرات فان الدوافع والحالة لهذه هي دوافع داخلية متعلقة بصلب الطاقة الابداعية للفيلسوف وهذه الطاقة لم تصل الى الهدف الفكري المحدد إلا وتتجدد امكانياتها الدافعة لكي تضع التفكير مرة اخرى امام غرض اخر يسعى له العقل النظري؛ في حين ان الميل تنتفي معه التكرارية وتثبت في جوهره الاستقرارية، اي بمعنى ان الادراك قد يميل الى الفكرة ولكن الدافع يحاكم هذه الفكرة  ليستجلي حقيقتها وهذا فرق معتبر واكيد.

 

الاطروحة الثانية

انها ترى بان تصنيف الإمام علي(ع) (للنفس الانسانية) في جوابه عن سؤال تعدد النفس لكميل بن زياد النخعي(رض) هو المطلب الذي يغني البحث للغوص في كنه الموضوع، خاصة وان الامام(ع) قد وضح معالم (النفس الثالثة) وسماها (بالنفس الناطقة القدسية) وصنف لها اربعة قوى هي (الفكر، العلم، الذكر، العمل) ولها خاصتان هما النزاهة والحكمة وعليه فان رجحان القول، ينعطف كلياً، الى احدى هاتين الخاصيتين ونعني بها (الحكمة) التي تدفع الفكر لمزيد من المعرفة، والعمل المستمر على بناء العلم الذاتي، في اطار حرية الاطلاع والشروع في ممارسة الحرية الفكرية من خلال الحوار الموجب مع الاخرين من منظور تصورين:

التصور الاول: ان نشأت الوعي الفلسفي، لدى اي انسان، لابد وان تقترن بيقضة فكرية تنبع من الذات باتجاه الموضوع، انها: تنظر، وتتعجب، وتنفتح وتتخبط وتختبر، وتتسائل لتكتشف ومن ثم تقول: أن من أهم الحقائق الفلسفية أنه لن يكون ثمة حل نهائي يتكفل بالقضاء على الفلسفة، وهذا الفيلسوف لسنج Lessing  يعبر عن ميل الدوافع الفلسفية الى مواصلة البحث فيقول: لو ان الله تعالى وضع الحقائق كلها في يمينه، ووضع في يساره شوقنا المستمر اليها، وان اخطأناها دائماً ثم خيّرني لماذا ترددت في اختيار مابيساره قائلاً له ياربنا رحمتك إن الحق الخالص لك وحدك وازاء غاية البحث عن الحق يبرز السؤال المهم في هذا التصور لو لم تكن النفس القدسية بها قوى الفكر، الذكر، العلم، العمل  لما استطاعت خاصية الحكمة من أن تسخر القانون السببي لفهم المرحلة الاستنباطية.

التصور الثاني: عندما يتناول الفيلسوف زكريا إبراهيم تفكير الرجل العادي فانه يصفه بالميل الى القمع حبه للاستطلاع، وكبت رغبته في التساؤول بينما لايكف الفيلسوف عن ايقاظ المشكلات النائمة، واثارة المسائل المستكنة في اوكارها، وتأليب الضمائر الغارقة في سكونها واذ نستفق مع هذا العرض العلمي لتصنيف النفوس الانسانية ولكننا نفترق عنه في نقطتين:

   النقطة الاولى: عدم تطرقه الى مباحث العلة التكوينية، يضفي ضعفاً تحليلياً في تمايز النفوس، واختلافها الى صفتين: احدهما صنف عادي تمر في ذهنه اسئلة كثيرة لكنه في كبتها متعة ، والاستنتاج.

   النقطة الثانية: ربما تقتضي الحكمة في عدم ايقاظ المشكلات النائمة واثارت المسائل المسكنة، وتأليب الضمائر، فقد يحتاج الفيلسوف في ظروف قاهرة شتى ان يكون تفكيره ونتاجه بينه وبين نفسه لوجود عنصر المخاطرة، وقد رأينا كيف أن عجز قضاة سقراط عن فهم موقفه، لانهم لم يستطيعوا ان يتلاقوا معه فوق ارض واحدة مشتركة ليست ارض العامة من الناس، أي ليست ارض السذاجة والاعتقاد الراسخ، والتسليم الاعمى.

 

خصائص الدوافع الفلسفية

قلنا فيما تقدم، بان مفردة (الروح) لايمكن ان تصمد، أمام الطعون الكثير الموجه اليها، لا اقل على المستوى الاصطلاحي، لذا من الانسب صواباً، اعادة العنوان ولكن مع التصحيح قبل الشروع بتناول الخصائص التالية:

الخاصية الاولى

الرغبة في البحث والسعي المستمر نحو المعرفة

يقول الدكتور زكريا إبراهيم بأن الفلسفة بمعناها الواسع: هي البحث والتفلسف، اي ان ثمة اشياء لازال علينا ان نراها، او ان نقولها واما حينما يقع في ظن المرء ان كل شيء يمكن ان يقال، قد قيل انه لم يعد في وسعنا سوى ان نعود الى هذا الموقف او ذاك، من المواقف الفكرية السابقة، فأن من المؤكد أن المرء عندئذ، انما يغلق امام تفكيره كل سبيل الى التفلسف. ومعنى هذا أن الفلسفة تولد من جديد على يد كل فيلسوف  ويمكن لنا مناقشة هذا الرأي بعدة وجوه منها:

الوجه الاول: ان هذا الدوافع الى عدم الركون والدوران الاعمى حول نتائج الفكري والعلمي.. هو الذي سيؤدي بالضرورة الى فتح آفاق جديدة، قادرة على استيعاب تراكمات تساؤولية، كانت تابعة خلف استاد الخوف، والتردد، ولنا في محاولة الفيلسوف المجددالشهيد السعيد محمد باقر الصدر (قدس) خير مثال يضرب في مجال نقل الفكر التنضيري الاسلامي من حالة التبعثر والشتات الفقهي في الجانب الاقتصادي الى مستوى الفكر الفلسفي النقدي في كتاب اقتصادنا  بل واضافة منهج اقتصادي اسلامي، قادر على استيعاب كل المشكلات الاقتصادية للبشرية، وعلى ضوء الحلول العملية والتطبيقية، وما اطروحة البنك اللاربوي الا دليلاً يقينياً على ذلك.

الوجه الثاني: سوف يقود انغلاق الفكر أمام، التفلسف الى الجهل الحتمي. لانّ.. الابداع الفلسفي اشبه ما يكون بالفعل التاريخي (acthistorque) على حد تعبير الفيلسوف هنري جوبييه، اي ان الفيلسوف مبتدئ دائماً، وهذا بالظبط ما ذهب اليه الفيلسوف (ميرلوبونتي) حين قال: إنّ ما يكّون الفيلسوف انما تملك الحركة المستمرة التي تقوده من المعرفة الى الجهل ثم من الجهل الى المعرفة) وهذا يضعنا امام فهمين:

الفهم الاول: ان التجديد الفلسفي لايمكن ان يتوقف لان التوقف يعني الموت وهو نقيض الحياة، وهنا يتعين الاشارة الى منهج (اللاتفريط) الذي جاء به الفيلسوف محمد محمد صادق الصدر(قده) حيث انه نقل التفسير القرأني من جهل الجمود التفسيري الى المعرفة الازاحية الممتدة،على مساحات واسعة من التامل الفيضي لمن ياتي بعده مستخدما منظومة فلسفية رائعة تعتمد على تعدد الوجوه والاطروحة وفلسفة استجواب النص القرأني والنبوي. الحديث الشريف.

الفهم الثاني: ان الفيلسوف يأبى ان يكون صدى لعصره الذي يعيشه، ولهذا فانه... يرفض ان يكون اسير مجتمعه، او محبوساً في قوالب غيره الفكرية، ولهذا نرى بأن الحوارية المستمرة مع الذات هي التي تتوالد منها الافكار الحّية القادرة على استيعاب الموضوع. وتغيره نحو خدمة البشرية.

 

 

الخاصية الثانية

بناء معتقدات ومعارف لغير عصره

 ان حركة الدوافع الفلسفية تعتمد على عدم القناعة بما بين يديّ اهل العصر من معتقدات ومعارف، ايّ أن اعادة بناء المعتقدات والمعارف على اسسٍ جديدة شيدها النقد الفلسفي رغم انّ هذا الامر يفرض على الفيلسوف مخاطر العزلة الفكرية، او انه يظهر بمظهر المخلوق الشاذ الذ لا يدين بالولاء لروح العصر، وهكذا كان مصير(سقراط) الموت لا لاُنه افسد الشباب أو دعى الى عبادة آلهة جديدة، بل لانه حاول ان يقيم علاقته بالحقيقة، على نحو جديد بعد ان فطن الى انه، ليس ثمة معرفة مطلقة وعلى ضوء ما تقدم فاننا نخلص الى عدة امورمنها:

الامر الاول: انّ الانسان هوسيد المعنى لانه سيد المخلوقات بما اعطاه الله تعالى من قابليات غير مرئية ايّ فوق الشيئية قادرة على الخلق اللغوي والاشتقاق اعتماداً على الطاقة الفطرية المستودعة فيه او نتيجة لاستقبال الفيوض الالهية، ولهذا فانه يتدخل في تحديد معتقدات المجتمع، ويرفض تجميد المفاهيم في قوالب العقل، او السير على المسائل المعبده، بل انه يبحث دائماً عن الكيفية التي تضع الفكر امام معنى يكون هو سيده.

الامر الثاني: التاريخ ليس هو المطلق حين نعطف النظر اليه من زاوية العلاقة ما بين  الفكر والوجود على اساس أن الفكرمن قوى النفس القدسية، وليس من ملكات الروح كما يضن البعض خطأ، ولهذا فأن انجلز (وماركس) اخفقا في معرفة أيّهما، اسبق الروح، ام الطبيعة، لان جوابهم اختار الجانب المادي للفكر وكما يقول الشهيدالصدر الثاني عندما بين بأنّ الماركسية اعتقدت بأن الكون يطفر من العدم الى الوجود دفعة واحدة بمحض الصدفة المطلقة، ثم انطلقوا في بناء منهجهم على المادية التاريخية واعتبروها خمسة انواع اساسية لعلاقات الانتاج (المشاعية البدائية الرق، النظام الاقطاعي النظام الراسمالي، والنظام الاشتراكي، اي ان التطور الاقتصادي يولد من رحم الصراع الطبقي وهو الذي يشكل الحقيقة المطلقة، وهذا لايمكن لوجود الحقيقتين التاليتين:

الحقيقة الاولى: التاريخ ليس كفيلاً مطلقاَ سواء بدا من الطورالبدائي وانتهى ببلوغ.. مرتبة عالية من التطور الحضاري، والرقي الاجتماعي، فهو مسؤول الى النهاية الحتمية لينتهي التاريخ الارضي ويبدأالانسان تأريخا ًاخر تتحكم فيه قوانين الهية وليست قوانين فكرية.

 

الحقيقة الثانية: في البحث الروائي قد لايتجاوز الفكر الاسلامي ما جاء في الحديث المنسوب... الى الامام الصادق(ع) والذي يؤكد وجود عولم عالقة عددها (4) كواكب لها تاريخ تحركهُ قوانين تكوينية، خاضعة للمشيئة الربانية يشكل الموجود العاقل المعنى الذي يملا ذلك التاريخ فكراًووجوداًقدّر لله تعالى له اجلاًمعيناً ينتفي معها المطلق.

 

الخاصية الثالثة

اقتران الدوافع الفلسفية باداة الاستفهام لماذا؟

   اذا كان العالم (باسكال) قد وضع اول خطوات تأملاته الفلسفية بهذه الاداة.. الاستفهامية عندما قال: لماذا كانت معرفتي محدودة؟ ولماذا فرضت علىّ هذه القامة القصيرة، ولماذا حدد عمري باجل؟؟ وبغض النظر عن الاجوبة التي توصل اليها، او اصطدم بعجز الكنية عن الاجابة عنها فان الفيلسوف (لايبتس) يوغل في امتحان الفكر المادي حين يسأل قائلا (لماذا وجُد شئ بدلا من ان يكون ثمة عدم وعدم فحسب ورغم ان الدكتور الفيلسوف زكريا ابراهيم يحيل الاجوبة على هذه الاسئلة الى دراسات علماء الأجنّة، ونظريات علم الوراثة وبحوث علماء الحية، ونظريات اصل الكون للجواب عليها، ولكن مع هذا فان السؤال يبقى قائم لماذا هذه الاسئلة في اي العقول تثار؟؟ وهذا ما نجده في جوابين.

الجواب الاول: ان الذات لم تخلع على الموضوع سؤالاً ما يحتاج لكي يكون حقيقة الى... برهان جلي قادر على فرز الباطل الظاهري على الحق الباطني فانها اي الذات ستكون مستلمة الى نمطية، ورج عليها الكثير من الناس،خصوصاً اولئك الذين يهربون من الغموض لأن فيه في قلق ومن التعقيد لانه يتطلب الصبر والتركيز ،ولهاذا فان لماذا التساؤلية تعتبر مدرجة يرتفع من فوقه الوعي الميتافيزيقي ليبدء الانسان المتفلسف رحلة انفصال الفيلسوف عن الموضوع.

الجواب الثاني : حب الحكمة لايدفع الفيلسوف الى احتقار العالم او ازدراء المجتمع لانهما... غير قادرين على استيعاب اسئلته كما يذهب الى هذا الرأي الدكتور زكريا ابراهيم، بل العكس تماماً. لانه عملية اكتشاف القيم الكامنة، والاسرار الدفينة لاتكون نتيجة منطقية من نتائج الاحتقار. بل ان الحب لهذا العالم والتفاعل مع المجتمع هو الذي يجعل الفيلسوف قادراً على رفض التقليد والاتباع، والمسايرة نتيجة لذلك الحوار المرير مع الذات والذي يفرز عملاً فكرياً ضخماً.

 

 

الخاصية الرابعة

علاقة الدوافع الفلسفية بالحرية الفكرية

اذا سلمنا بداهة بان الانسان العادي هو الذي يزداد تمسكا بادائاته السابقة،حينما يحاول الغير ان يثبت له خطأه، انه لايورع من ابدأ غضبه واشياءه بمجرد ما توضع ارائه ومعتقداته  موضع النقد والبحث والمناقشة، في حين نجد ان الفيلسوف تنعدم عنده هذه النمطية لانه يمتلك عدة مقومات منها:

المقوم الاول: عدم الربط بين ارائه الخاصة، وكرامته الشخصية، لان هذا لن يقوده الى الحقيقة، بل الى التعصب للافكار، لادفاعاًعنها، بل بدفاع الكراة والدفاع عن النفس، ولهذا فان اي مذهب فكري لن يستطيع مصادرة حرية النظر اليه بدقة قبل ان يحرق البخور تبجيلاًله.

المقوم الثاني: عماد بناء التفكير الفلسفي يقوم، على اساس الشجاعة، وهي تبدأمن قدرة الفيلسوف على تحرير عقله اولا من التقليد والاراء السابقة، والسيطرة على الاراء المندفعة مع الافكار الجاهزة، لذا نجد بان الدكتور زكريا ابراهيم قد اشار الى هذه النقطة المهمة قائلا: (ان المدى اعداء الحقيقة في كل زمان ومكان هو الخوف) ولهذا فان اي نزاهة علمية لا يمكن ان تنفصل عن الشجاعة الفكرية، وهي المقوم الريسي للفلسفة واهل الفكر.

المقوم الثالث: لاقيام للحرية، الا بصراعها المرير ضد القهر، او الضرورة، او الالزام، لانه لو اختفت العوائق تماما، وهزمت الضرورة نهائيا، لكان في هذا موت حققت للحرية نفسها، ان حرية البحث عن الحقيقة المتعالية متعارضة كل التعارض مع عبودية الركون والعجز امام العوائق، ولكن تبقى قدرة الفيلسوف على تجاوز بما فيه وجوده من: شر، ونقص، ونسيان، وخطيئة، من اهم مسالك العرفان التي تضعه في مدارات الخلوص للحقيقة.

 

خاتمة البحث

لقد قام الدكتور زكريا ابراهيم بخاتمة فصله عما اسماه بالروح الفلسفية موازنة سريعة بينها وبين الروح العلمية، سنعرض لأهم نقاطها، ولكن بعد التنوية الى خطأ المصطلح الذي بيناه في مقدمة البحث ولهذا نرى بان هذه الموازنة هي ما بين الدوافع الفلسفية والدوافع العلمية لمعرفة الى اي حد يستطيع التفكير العلمي لن ينفذ الى انطاق الدراسات الفلسفية.

النقطة الاولى: ان الدوافع العلمية تعتمد على خاصية البحث الحر لان (العلم) لايقيم دعاويه الى اي سلطة دينية، او اجتماعية، لانه يكتفي بالخضوع ليقين العقل وصرامة المنهج وشهادة تجربة والفيلسوف يستند ايظا الى سلطة العقل والبحث الحر.

النقطة الثانية: ان الدوافع العلمية تمتاز بالنزعة الموضوعية التي تقوم على اعتبار الواقعة مصداًوقاعدة، ومعياراً، ومحكاً، لكل معرفة، فهي لاتبحث عن العلل الكاملة والقوى الغيبية، او الارادات الخارقة لقوانين الطبيعة، لانها تفشي في نطاق التجربة، ان الدوافع الفلسفية فهي لاتقنع بالتجربة الحسية لان البحوث العقلية الصرفة لايمكن ان يضمها مختبر ولذا قيل بان التفكير العلمي موضوعي لا شخصي في حين ان التفكير الفلسفي ذاتي شخصي. وهنا تتباين الدوافع لدى الفيلسوف والعالم.

النقطة الثالثة: تبقى الدوافع العلمية ذات تفكير نقدي يقوم على التمييز والضبط والمراجعة والدقة والصرامة، فالعالم (بكسر اللام) لايقبل اي حكم الا بعد ان يتسائل عن قيمته، وهو لا ياخذ باي فرض الا بعد ان يثبت من صحته عن طريق التجربة، ولهذا فان العقلية العلمية هي عقلية منهجية، والتفكير الفلسفي هو ايظا هو تفكير نقدي لان الفيلسوف حريص على التمييز بين الموضوعات المتشابهة ومعتمد على الاستدلالات العقلية الصارمة. بحيث لا يستخرج فيها من المقدمات الاّ مايترتب عليها من نتائج. وبذلك يلتقي العالِم مع الفيلسوف تحت مضلة التفكير النقدي.

النقطة الرابعة: ان المعرفة العلمية تتسم بالطابع النسبي الديناميكي، الديالكتيكي التي تمتاز بالجدلية، وتعود دائماً الى التحقيق التجريبي، لكي تصحح مفاهيمها في ضوء الحوار المستمر بين(العيني) و(المجرد) بين (الواقع) و(الذهن) بين (التجريبي التعدي) والأوليّ(القبلي).

بهذا نرى بأن العقل العلمي يجد نفسه مضطراً الى مواجهة الأعتراضات ليرد عليها بنظريات جديدة معدلاً ومصححاً، اذن العلم مثله كمثل الفلسفة تظل ناقصة غير مكتملة.

 

أهم نتائج البحث في الدوافع الفلسفية العامة

اولاً: انّ التفكير هو الظاهرة النفسية الوحيدة التي لاتنقطع في مجرى الشعور البشري...وقد اهملت الدراسات السايكولوجية هذه الظاهرة،في حين نجد بأن الفيلسوف نفس انسانية تعيش في هذا الوجود وهو ليس مجرد فكر يتحرك في محيط لاقرار لهُ من الأفكار.

ثانياً: إن كلمة روح تظل خالية ومفرغة من أي معنى اصطلاحي، ولهذا فان استخدامها يؤدي الى خللٍ جسيم، لم يلتفت اليه المفكرون وخاصةً الفيلسوف المفكر زكريا أبراهيم.

ثالثاً: ان الفكرة نشاط عقلي بوصفها العام اما كونها ذات منحى فلسفي واساس لبناء الفكر فهي لابد وان تخضع للقواعد الديكارتية الاربعة لكي تكون منهجاً: قاعدة اليقين وخلاصتها تجنب التهور والسبق الى الحكم قبل النظر، وقاعدة التحليل وقوامها تقسيم المشكلة التي تدرس الى اجزاء بسيطة وقاعدة التركيب ومؤداها التدرج في المعرفة من البسيط الى المركب وقاعدة الاحصاء او التحقيق ايّ عمل مراجعة شاملة للتحقق من ان المفكر لم يغفل شيء.

   رابعاً: بما ان الدوافع هي اصطلاح نفسي فان من المهم التطرق الى الأهمال الشديد في جانب الدراسات النفسية الاسلامية، وخاصة الدراسات الاكاديمية، وهذا يؤشر خللاً كبيراً في منظومة الفكر الاسلامي.

     خامساً: ان البحث يجمع ما بين القرآءة النقدية لفصل من فصول كتاب (مشكلة الفلسفة) والدراسات النقدية وهذه اشارة تقتضيها الامانة العلمية.

سادساً: الاعتذار الشديد من القارئ في تحمله مشقة اللغة الفلسفية لأنها تدور حول الحقيقة المجردة، ولابد وأن يكتنف اللغة بعض الغموض ويعتريها ذلك النسق الاصطلاحي المعقد، لأن قيمة الفكر في تعدد مراتبه وتباين مقاماته.

 

المصادر

* كتاب مشكلات فلسفية

*((مشكلة الفلسفة)) الفصل الرابع من ص100  الى ص127.