ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

قراءة في آلية إنتاج الخطاب المعرفي

 

   مزهر جاسم الساعدي

 

   يمر الخطاب المعرفي العراقي بحالة أشبه ما تكون بحالة العمى المؤقت الذي يصاحب في الغالب الخارج من زنزانة مظلمة ويتعرض لضوء الشمس المفاجئ فيصاب بتظبيب الرؤيا وعدم وضوحها ، فيحتاج لمزيد من الوقت لأستعادة وضوح ودقة الزاوية التي ينظر بها.

   ولعل هذا التمثيل هوواقع موضوعي لايتخطاه المتتبع والقارئ للمنتج الفكري العراقي وعبر وسائل أيصاله المختلفة.

   وما يهمني في قرآءتي له هو: أثارة النقاش حول متبنياته وطرائق التعاطي معه على وفق أساليب وأدوات معرفية تمكن من ردم الهوّه الأفتراقية التي طغت على مجمل ما انتجهُ فيما انصرم من الزمن.

لقد تناولت في هذه القرآءة دور المؤسسة الأكاديمية وأفتقارها الى ما يمكنها من الوقوف على مساحة أصلاحية تُمهد الطريق لأنشاء خطاب معرفي يرتقي بالمنظومة المفاهيمية الحاكمة والمسيطرة على مخزون الفرد، وتحديد الشكل الأهم في سلّم الأرتقاء بترسيخ هذه المنظومة عبر أستبدال الأدوات المستخدمة وأستقدام البديل الذي يوصل الخطاب الى محطته الأخيرة.

عرجت بعد ذلك على الخطاب النخبوي وتحديد مساره التقليدي وتشخيص نتاجه على انه خطاباً أشبه ما يكون بالصدى، اذ ليس هناك من مُخَاطَب حقيقي معني به سوى العقل الأحبابي او القرآبي الذي يمهد الطريق في الغالب على سيطرة الخطاب الابوي وتهميش ما سواه لأعتبارات فوقية يحافظ فيها المخاطِب على مكتسبات ذاتية لايمكنه التفريط بها

وفرقت بين ثنايا  هذه القرآءة، بين ثنائية الداخل/ الخارج، والقصدية التي تحتاج اليها كسبيل لفهم المنظومة القيمية/ الاعرافية وطرق انشاء الخطاب منها مؤثرأً ومتأثرأ ومن ثم خلصت الى نتائج عدة في خاتمة هذه القراءة. لعل من ابرزها تفشي النظريات العامة في منظومة الخطاب العراقي وقسرها في محاولة تفسيرية للواقع المناطقي والسكاني مما باعد في قبول المساحة الاصلاحية بجعله متمترساً باستخدام الادوات النظرية نفسها.

ولعل سبب اختياري لهذه القراءة والوقوف عند مفاصلها. هو كيفية احاطة الخطاب واثاره بحلقات نقاش تسلط الضوء على منتجة وما يرتقي به بما يوازي المتغير التأريخي والاجتماعي. وان كان فيها مما افلت فحسبي اني بذلت مستطاعي.

 نظرة في آلية انتاج الخطاب

ان كل عمل فكري هو نتاج مجتمعه ،لا ينطلق من فراغ كما انه لايفضي الى فراغ تتفاعل فيه مجموعة (قيمية، اعرافية، دينية) يعيد تشكيلها ليصنع منها خطاباً يبتغي منه تثوير ما يمكن تفعيله، بجعله راسخاً متجذراً في ديمومة منظومة الوعي المجتمعية. وهو بعمله هذا يسعى للتفرد والابداع في ايضاح الوجه الحضاري المنتمي اليه. ولعل هذه المزية التي انطلق منها معظم مفكري العالم هي التي جعلت نتاجهم كاشف حقيقي لنوع الارث والمنظومة الفكرية التي ينتمون لها .من دون اغلاق باب التلاقح الحضاري الانساني مع الخطابات المجايلة والاستفادة مما هو مشترك يُعنى بالانسان بما هو انسان.

ان ادراك هذه الصنعة (اعادة التشكيل) من دون القفز على متبنياتها والتدرج المنطقي في درجة وضوحها عند المخاطب (بكسرالطاء) تجعل من خطابه فاعلاً ومؤثراًبل وصانعاً مُوجيدً لحراك فكري اجتماعي ،يمكن استساغته.

وعلى ما تقدم فنحن لسنا بحاجة الى من يحمل صور الغير عن انفسنا ويضعها في مقدمة خطابه. اذ لا يمكن التعاطي مع نظريات كلية وضعت من خلال ممارسات محددة وفي ضوء ظروف معينة على انها حقائق كلية لا يمكن الحياد عنها.

فالنظريات التربوية لبلدِ ما ليس بالضرورة انها تصلح لبلدِ أخر نظراً لتباين انماط التفكير واساليب التنشئة الاجتماعية والنظريات النفسية في التحليل لفرويد ويونج وغيرهم لايمكن ان تنطبق في عمومها على خصوصية المجتمع العراقي. وكذا الحال في النظريات التجريبية لعلم الاجتماع والتي تاخذ من المعايشة للسلوك الجماعي لبلدِ او قريةِبعينها. نعم قد يصدق كل هذا بمقدار ما. ولحالة خاصة ومما يجعلها فاقدة الاهلية في ان توضع في مقدمة خطابنا المعرفي العراقي والادعاء بانها البلسم.

بل علينا ان نضع ما تنتجه ذواتنا عنا. قد يتهم البعض باستقدامه (مسميات، مصطلحات) معينة وقسرها على واقع فكري غير مهيأ للتفاعل معها بفشل التركيبة المفاهيمية للمجتمع المخاطب. والاصرار على معاودة الخطاب بالادوات نفسها، ما هو الا دليل على الفشل بادراك المنظومة المتحكمة التي تفكك رموز الخطاب الموجه وترجمته الى واقع تتعاطاه شرائح مختلفة. ولعل البعض يدور حول هذه الاستقدامات (المصطلحية) دون ان يعي ما هيتها الحقيقية وهو بذلك لا يلقي اللوم على نفسه بل على الاخر دوما. ومن المفيد في المقام ان نورد ما يقوله الدكتور الوردي حول  هذه الأشكالية تحديداً »وجّه اليّ صديق هذا السؤال (عن الشخصية) في وقت لم أكن أعرف عن الشخصية أكثر مما يعرف وقد حاولت على كل حال ان أقدّم له بعض التعاريف المألوفة في الشخصية. فلم يفهمني او بالأحرى لم اكن أفهم ما كنت اقول وبقينا ساعة نتجادل من غير جدوى حتى أنتهى الامر بي الى ان اعترف له بجهلي المطبق في هذا الموضوع ثم نمت مستريحاً«.(1)

ولعل الامر يحتاج الى توازن وقرآءة متمعنة للأفصاح عن لغة الخطاب. فلا يمكن الايغال به لدرجة الا نفصال الفعلي عند واقع موضوعي متحقق. ولايمكن بالدرجة نفسها الاستقرار به، من دون الألتفات الى ما أسس لبناء هذا الواقع، من تأويلات قصدية تراكمية لمفردات ومصطلحات من مثل(شخصية/ دين/ وطن). ولابد للمخاطب وهويواجه هذه القضية بأعتبار فك الطوق والأنفلات من سلطة الرقيب الممسك بقلمه (الأنا المعرفية)ان تكون له بداية.

واعني تحديداً هنا البداية التي تلي الاختبار الاول التمهيدي وليست المنطلقة من اللاشيء. اذ »ان بداية الحركة الفكرية عانت أمكانية ايجاد الصيغة التي يمكن ان تكون مركز التفاف.وقد أستندت الى المرجعية التراثية تارة والى المرجعية العصرية تارة أخرى ولم تؤسس ما يمكن ان يقارب روح المجتمع«(2)

ان مراجعة الآلية التي ينتج من خلالها الخطاب الموجه للمتلقي العراقي، لابد ان تشترط مسبقاً الظرف والواقع الموضعي وتحديد أوليات أنطلاق التشخيص ودرجة وضوح هذه الأوليات تمكن بالتالي طريقة أيصاليه يسرة المؤنه، لاتحتاج التوسل بنظريات ومصطلحات قسرية.يضيع بين ثناياها الأفهام والأفادة.

البداية/العمى المؤقت

يمكنني الأدعاء (قرآءة خاضعة للنقاش) بان الخطاب المعرفي العراقي يمر بمرحلة أشبه ما تكون بالعمى المؤقت الذي يصاحب في الغالب الخارج من قبو مظلم أو زنزانة ألَفَ عتمتها. فما أن يبصر نور الشمس حتى يصاب بتضبيب الرؤيا نتيجة ما أدمنه عبر السنين.

هذا الادعاء ليس من شأنه الاقصاء، او تهميش اوعدم الاعتراف بالمساحة الابداعية التي تحرك في دائرتها. بل نحن نعترف بجميل وعرفان له (الخطاب) حيث انتج وابتكر وظل صبوراًً، وجّه معظم: احالاته المعرفية للعقل العراقي بغية بناء فسحة معرفية فمحاولات السيد محمد باقر الصدر في أيجاد لغة وسطية تسرع من فهم التشريع وألأفتاء ومحاولات الدكتور علي الوردي في تفسير شخصية الفرد العراقي ضمن دائرة علم النفس الاجتماعي وقاسم محمد في أيجاد خطاب حركي فني عراقي لايمكن تخطيها. باعتبارها محاولات مهمة ما يزال تأثيرها واضحاً في المنظومة الفكرية للفرد العراقي(3)

والآن يمكن ان نسال: لمن يوجّه الخطاب؟ ماهي وسائل أيصاله؟ هل يوجّه للنخبة من دون غيرها؟

فان كان كذلك فما هو رأس المال المعنوي ورأس المال القيمي المتحقق الأيداع؟ وان كان غير ذلك. فان استمرار التجاهل لأستحضار الأدوات المتحكمة (اللغة/ المعنى) بما يناسب طبيعة الخطاب وقبوله. تعد عبثاً يفضي بالنتيجة لوجود الخطاب ولاوجود للمخاطب.

ان تحديد هوية المخاطب وتشخيصه بوضوح وحضور فاعل في العقل المنتج للخطاب،تحيلنا الى الملازمة الايصالية وتميز الوسيلة الممكنة، والوسيلة التي تحتاج لأنعاش وديمومة لتحقيق الاتصال ونعني تحديداً (النشاط الذي يستهدف تحقيق العمومية والذيوع او الأنتشار او الشيوع او المألوفية لفكرة او موضوع او قضية عن طريق أنتقال المعلومات والافكار والآراء والأتجاهات من شخصٍ او جماعةالى أشخاص او جماعات باستخدام رموز ذات معنى موحد ومفهوم بنفس الدرجة لدى كل من الطرفين)(4).

وان سلّمنا، ان هذا الخطاب كان يعتمد فيما يعتمد عليه من ادوات تعبيرية كالترميز واستدعاء المفردات المعجمية والأصطلاحات كجواز عبور. فهل من الصحيح ان تستمر هذه الملازمة سارية المفعول للأزمان اللاحقة في حال عدم تحقيقها للأغراض المفترضة ام (ان المشروع الفكري يتطلب ليس تفكيك اللغة المهيمنةواسلوبهاالتعبيري وحسب، بل تفنيدالعقلية التي تنغرس فيها هذه اللغة ومصطلحاتها واساليب تعبيرها)(5).

لقد أصّر الخطاب على اعتمادالأنهاج نفسها ،على الرغم من هجر الادوات والموضوعات بداعي الدفاع عن الثابت الأكاديمي، وهو ما يجعلنا ان نعيد النظر بالنهج والمنتهج وأشاعة البديل الممكن التعاطي والذي يستنبت جذور معرفية حقيقية. وكما صرح بذلك بشكل او باخر كمال عبد اللطيف اثناء مناقشة لعمل مركز دراسات الوحدة العربية بمناسبة مرور ربع قرن على تأسيسه (انني لا ارى اي حرج في ضرورة تركيب مقدمات جديدة تختلف عن المقدمات التي صيغت في منتصف السبعينات لأن المواثيق الجماعية تخضع للتغير بناءً على متطلبات الزمن ومقتضياته . ولأن عمل المركز يتقاطع مع منظومة هذه المبادىء وهو الأمر الذي سيرتب إعادة النظر بالمباديء بهدف تكييفها مع مقتضيات التغير والتغيير)(6)

    قد لايدرك بمعنى إصراره على النمط السائر عليه أنه يغلب خطاباً اخر يروج له مدعيه، بأنه يمتلك المساحة المؤهلة للوصول الى تاثيرات انية لاتكترث بالأتي من القرءات الجادة.

فالأول (النخبوي) لايلقي صداه إلاعند العقل الاحبابي (تسمية افتراضية متأتية من الاحبة ولاصدقاء) او العقل القرابي الذي يمدح فيه الأبن أباه أو بالعكس وهو بهذا »لم يسجل اي تقدم حقيقي في اي قضية من قضاياه منذ ان ظهر كخطاب يبشرنا بالنهضة ويدعو اليها انطلاقاً من أواسط القرن الماضي«(7)

ويرسخ الثاني ديمومة قصدية للجمود والرتابة وتغذيتها بنفايات كل من هب ودب حفاظاً على صنعته.

لهذا فلا بدمن وجود مساحة اقتراب تفرضها قراءة جديدة ضمن واقع زماني ومكاني، واضحة الدقة تهجر لغة الوعاظ واقوال المحدِثين لتعطيل مساحتها في العقل العراقي نتيجة الامتلاء بالنماذج طوال عقود »ومن الجدير بالذكر ان للأنسان عقلين ظاهر وباطن. وأننا حين نعظ الانسان في هذه الحالة لا نؤثر الا في عقله الظاهر فقط. اما عقله الباطن فهو لايفهم من مواعضنا ونصائحنا شيئاً. إذ هو مشغول بما يوحي العرف الاجتماعي اليه من قيم واعتبارات«(8)

وعلى هذا فليس عيباً ان يتنزل الخطاب الفوقي مختاراً كي لا يدب النخر في اوصاله ومن ثم تعطيل فاعليته بالكامل . نعم لعل الامر يحتاج الى وضوح في الرقي المعرفي وانبثاث ثقافة الاعتراف بالخطأ كما صرح بذلك الدكتور الوردي في فهمه للشخصية العراقية. وبعكسه يظل النخبوي نخبوياً يمارس طقوسه في صالات مغلقة والحرفي حرفياً لايعني بشيء ويظل الخاسر بين هذا وذاك هو العقل التواق الى استشراق لغة معرفية ترقى به وتحترم هويته الجغرافية.

 كيف يقرأ الاكاديمي خطابه

سبقت الاشارة بالقول ان المنجز الفكري هو نتاج ارث أمة وان خصصنا فهو نتاج امة عراقية »واعني تحديداً بالامة الجماعة ولاينصرف المفهوم لاستخداماته  القبلية التي اخذت مساحتها الواسعة من خزيننا المفاهيمي بفضل ما اسست له الجماعة الاكاديمية«(9).

تكون من مفاهيم تلاقحت مع ثقافات انسانية حتى استوى على ما هو عليه. وعدم ادراك هذه المقولة يؤدي بالتالي الى توقع مستويين من الاداء ومن التلقي وولادة طبقتين. الاولى تنتج وتقرأ لنفسها كما نوهنا في خطاب النخبوي. والثانية تتصدى باستمرار لما هو مفترض القبول وباستمرار الفهم الثنائي ولاشك في الامر. تتفكك المساحة الاصلاحية التوعوية المفترضة الاختراق من العقل الفعال المبدع لتستوي الى صراع يتوحد فيه الخطاب بين ثنائية (الداخل والخارج) وكيفية قراءة اولوياتها. ان وسائل الاتصال التي يسعى اليها الاكاديمي ويتوسل بها لتأسيس قاعدة بيانية مستمرة النمو، لابد ان تثبت مرجعيتها الفكرية. ولعلنا لسنا بحاجة الى من يكتب بل نحن بحاجة الى ما يكتب ومقدار قيمته بوصفه منجزاً حضارياً يتوخى الارتقاء بمنضومته المفاهيمية والتي لابد ان يعترف بجزئيته منها »ومعروف الان ان هذه المباديء والمفاهيم والاليات ليست فطرية ولاغريزية وانما يكتسبها الانسان نتيجة احتكاكه الطبيعي والاجتماعي والثقافي«(10).

هذه الاحالة المعرفية الموضوعية قد لاتستهوي الكثير،لأنهم أدمنوا على تعاطي غيرها وصيروا منظومتهم المفاهيمية (قرآءة/ وكتابة)على تقديسها.

زاد في هذا، النمطية الأستاتيكية بترميز الرمز/ وتسطيح المسطح وإلباسهُ ثوباً منهجياً أكاديمياً حتى أستوى خطابهم الفكري الى نوع من الأحاجي، يحتاج الى وقت غير قليل لفك رموزه وفهم مكوناته ومن ثم الدخول الى عالمه اليوتوبي.

بل تعدى انكار هذه المجموعة (الأكاديمية) على الذي يروم قرآءة الخطاب بشكل مغاير وأنتاجه بلغة وسطية والتشهير به وصولاً الى أما مسايرتهم والكتابة على وفق نمطيتهم أوان يشق طريقه بصعوبة بالغة يتلقى صفعاتهم بين الحين والآخر وفي تاريخ المدرسة المختصة نماذج كثيرة على ما أشرنا اليه.

ربما كان التعاطي مع الخطاب الاكاديمي التقليدي يشكل حاجة على شكل قرآءات أكاديمية. لعل ادعى ما يمكن قوله في هذا الشأن هو أنسداد القنوات التعبيرية الموصلة الفعالة باتجاه المخاطب والضغوط الممارسة حول ذلك. لكنه صار فيما يبدو الديدن المتاصل في منظومة الخطاب والذي يفضي بالنتيجة الى ثنائية ما أشرنا اليه سابقاً(الداخل/ الخارج) ولعلي أوضح هذه الثنائية: هي محاولة الترميم والأعتراف بخطأ متبنيات معينة ضمن ظروف معينة بصرف النظر ان كانت هذه المتبنيات أيدلوجية او عقيدية والأنصراف الى تعرية صحتها والأقرار بمشكلاتها الداخلية وهذا ما يمنعه الخارج المقرون بقرآءات منهجية تبسط سطوتها الأبوية وتمنع بالتالي تسربها وإبطال مفعول علنيتها وابقاء الصراع محتدم في ذات المخاطب مما ينعكس سلباً على لغة الخطاب. وللتحقق من بداهة النتيجة ومؤداها. ربما تتخطى ذوات فاعلة ومتحكمة تشغل مساحة واسعة من وقت ما وأحلال البديل المنطقي بحكم التقادم.

ونحن هنا لاننكر الدور الريادي الذي يمكن ان تلعبه المؤسسة الأكاديمية بوصفها منتجة ومسوقة للخطاب والتي جعلت نفسها وصية على التصدي الى كل ما لايلائم توجهها وقرآءتها. بأعتبار المحافظة على رأس المال المعنوي. على الرغم من السياقات القسرية التي حكمت وطبعت منجزها. مما يجعلها غير معنية بآلية التجدد وهي بهذا تُمكّن لنفسها بناء أمبراطورية ذات هرم ابوي لايمن تخطية بل تخضع من دخل صرحها لضوابط هيكليتها.

وربما يحتاج توجيه الخطاب وجهة جديدة لعمل طويل يبدأ من داخل هذه المؤسسة بتبني الانفتاح على الداخلين الجدد الى منظومة خطابها. هذا من جهة ومن جهة اخرى على الخارج المتتبع لوضعها الذي صيرت نفسها عليه.

«يُحكى ان أعرابياً مرَّ ذات يوم بمكتبة مملوءة بالكتب فهتف قائلاً : أني أعرف جميع ما في الكتب وخلاصة ما فيها((ياأيها الأنسان كُنْ خيّراً))» (11).

وبالطبع ان هذه المقولة لا تلغي ان يكون للمؤسسات أدواراً معينة وطرق أيصال تسعى جاهدة للتحكم بها.والتوسل عبر مسميات تستدرج الآخر لتقبل مقولاتها ومسح الغبارعن النظرة السلبية التي تؤاخذ عليها.

ان خط الأنطلاق هو خط تأسيسي أستباقي يستشرف آفاق جديدة ويضع إسترتيجيات وبدائل مدروسة بعناية فائقة همّها الأرتقاء وعدم الأنكفاء على قرارات احادية النظر. ولعله بهذا يبلغ منيته التراتيبية بصياغة بياناته والتحول العلمي للتطبيق وعدم حبسها بين جدران ضيقة وبذلك يصل نحو الوضوح التأسيسي. ولعل القرآءة المتعددة الاوجه تولد تصاعداً أتصالياً يؤسس لمنطلقات مشتركة الهم والهدف. وهو بالتالي ما يمكن للمؤسسات العمل على تفعيله وأستثماره كرأس مال قيمي غير قابل للنفاذ،عبر أشاعةأدوار متعاكسةتجعل من الأستاذ مستمعاً جيداً لتلميذهِ وقبول فكرهُ الناضج جدياً والدفع به نحو اوساط علمية رصينة وأشاعة الحوار/ ورشة العمل/ التحقيق المشترك. أية وسائط تخلقها الحاجة.

ان على المؤسسات المعرفية التعامل مع الخطاب المعاصر على انه يشع بالتجريب التعبيري على عكس ما ترسخ من قواعد صارمة، شكلية لاتجرؤ على التجديد الاّ لماماً تكبلها ثنائية الشكل والمضمون »وعلى الرغم من كل هذه الصعوبات بالأمكان صياغة خطاب قادر على مجابهة الخطاب الابوي المهيمن وتجاوزه«(12).

ان كل خطاب هو موضوع مفتوح على فهم لانهائي لا لكي يكون علّة لتمارين ذاتية تتراوح حولها مزاجات اللحظة. بل لان الخطاب يتجدد في ذاته بوصفه مصدراً لاينفذ من التجارب كلما تمََّ تسليط الضوء عليه بكيفية متنوعة الأداء في كل مرة جانباً جديداً فيه.

 الخطاب ولغة القفز

ورد في كتاب تاريخ التربية والتعليم وفي سياق النظرة العامة للتربية الأسبرطية واعداد المواطن ليكون مدافعاً عن الدولة وخادماً لها »وكان من سمة هذه التربية العسكرية التسلطية في اسبرطه ان طبعت الأفراد بطابعها وكانت سبباً في فشلهم فيما بعد، فقد عرف من الاسبرطيين انهم لم يتعودوا الاعتماد على النفس او توجيهها. كما ان قدرتهم على التفكير والتخيل كانت محدودة لأنهم لم يتعودوا مواجهة المشكلات ومحاولة حلها بتعقل وودية فَلَم يعطِ الأسبرطيون الفرصة لتحمل المسؤليات، بل ان الدولة وجهتهم في كل شيء ورسمت لهم طريق الحياة ولم يكن عليهم الاّ الأنصياع للأوامر والبعد عن النواهي«(13).

أوردت هذه المقاربة لمسح الغبار المتراكم على الخطاب التربوي المعني ببناء ذوات منتجة وذوات أخرى تحتاج الى أعادة هيكليتها وأستعادت ما أتلف من مكوناتها وصولاً الى الأهلية.

فلا ينكر أحد ان الحقبة الزمنية المنصرمة عملت واعية بكل أخلاص لمنهجها الأيدلوجي بتعمية الفردبما هو فرد، وصولاً به الى المجموع المراد تعطيل فاعليته الفكرية والتحكم به عندئذ بلذة المنتصر.

وربما استمرء الكثيرهذا التعطيل وجعله سبباً في اخماد ممكنات أصلاح الخطاب وظل البعض يقوم باخلاص مدركاً مايؤطر محاولاً تخطيته والقفز في المساحة المتاحة. رغم الأدراك بان الخطاب التعبوي المعتمد كان خطاباً قصدياً مبرمجاً أسبغت عليه الشرعية ماسسته وادواتها المتحكمه باختيار مسميات عملت جاهدة للأرضاء والأسترضاء.

ولعلها استساغت هذه المنهجية بلغة الخطاب الذي لاتجيد غيرها مما أهّلها للأدعاءان بفكرها أمسكت بكلتا قبضتيها على المنضومة الأدراكية للفرد/ المجتمع.

فاهلت نفسها بحق النيابة والقيمومة وسوقت مقولاتها، وهذه المصادر والقيمومة هي عينها التي افشت السلبية والتفكير الابوي وأقامة السدود المانعة للأنفلات من ربقتها.

وبذلك الصنيع كرست ما أشرنا اليه آنفاً عن التربية الاسبرطية. وساهم البعض على وفق الأحتمالات المفتوحة(قصدية/ غير قصدية) بالوصول الى حالات الأحباط وعدم المطاولة واذ ما شخص هذا الادعاء وفقاً لمنهجيتة فماذا ترى للخطاب المنفلت من ربقة القيمومة أن يفعل؟

نحن نقترح أجابة أفتراضية ذات شقين:

الأول: يتعلق فعلياً او قصدياً بالمخاطِب (بكسر الطاء) وأستدراك ما انتجه وقرآءته على وفق آليتة(الزمانية/ المكانية) وتجاوز ما احدثته من تخريب عمومي وهذا ما يمنعه (الخارج) كما اشرنا سابقاً.    

الثاني: يتحرك باتجاه آلية استعادة المخاطَب(بفتح الطاء) مكوناته ومقولاته الاولى واظهارهاعلانية دون خشية من احد وتكوين آلية جديدةتؤهل لبناء نفسي/ مفاهيمي.

ان التحديث الذي يروم القائمون طرحه بديلاً ناجعاً،لابد ان يكون مشروطاً بالتاصيل والترميم الداخلي للخاطب. ومعرفته (المخاطب) واستدعاء الادوات اللازمة، وعدم القفز على مستويات أدائه بوصفها خطوه باتجاه عالم معرفي يبغي عدم التهميش للأوليات المجتمعية.

لذا فنحن بحاجة الى لغة أهل الارض في ثنايا خطابنا لكسر التنشئة الاسبرطية وبناء عقل فعال يتصدى لقضاياه المعرفية بنفسه. حينئذ يعيد ترتيب النسق المفاهيمي الذي غُيب قسرياً والذي أدمن التشويش.

الخاتمه

لعلّي اخلص في هذه القرآءة لواقع الخطاب المتحكم بالبنية المعرفية للفرد العراقي بهذه النتائج:

1.  ان الخطاب ما يزال مصمماً على إبقاء (فوقيته) والتي تجعله بلا مخاطب ومرتبكاً في معظم طرائقه الإيصالية وعدم الاهتداء الى أدوات مؤثرة.

2.  سيطرة الفكر الأبوي الرافض المساس لمتبنيات فكرية لم يثبت الزمن البرهنة على صحتها في إنشاء منظومة مفاهيمية تفكك فعلياً ما درج على ترديد مقولاته.

3.  لقد تبنت بعض المؤسسات الاكاديمية نظريات معينة في خطابها وحاولت تفسير الوضع العراقي بموجبها. متناسية ان ليس بالضرورة انطباق هذه المقولات على البنية الفكرية للفرد العراقي. مما جعلها تنتج لنفسها من دون الوصول للأستحقاقات بالتأثر العملي.

وأخيراً فانني لأدعي بأن في علاج هذه القضايا نصل الى القفزة النوعية المهمة في أنتاج وصناعة خطاب مدرك لأهميته في بناء منظومة مفاهيمية قادرة على الوقوف بقوة، امام الخطابات المجايلة. بل هي محاولة في قرآءة هذا الخطاب وتسليط الضوء على أهميته والأرتقاء به وصولاً الى تكوين هوية فاعلة تشغل المساحة اللازمة على خريطة الفكر.   

 الهوامش

1.  الوردي، د.على، شخصية الفرد العراقي، ص7.

2.  عزي، د.عبد الرحمن، دراسة في نظرية الاتصال، مركز دراسات الوحدة العربي، ط3 ،2000: ص62.

3.  ينظر مؤلفات المفكر محمد باقر الصدر ومؤلفات الدكتور علي الوردي لمحات اجتماعية/ شخصية الفرد العراقي.

4.  عزي، م، س، ص62.

5.  شرابي، د.هشام، النقد الحضاري للمجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، ص78.

6.  مجلة المستقبل العربي، الشهر الرابع سنة 2004: مركز دراسات الوحدة العربية، ص112.

7.  الجابري، د.محمد عابد، أشكالية الفكر العاصر، ط4 ،2000 ، ص21.

8.  الوردي، د.علي، وعاظ السلاطين، دار كوفان، ط2 .1995، ص 18.

9.  ينظر محمد بن ابي بكر الرازي مختار الصحاح، ص25.

10. إشكالية الفكر المعاصر، م، س، ص51.

11. شخصية الفرد العراقي، م، س، ص9.

12. النقد الحضاري للمجتمع العربي، م، س، ض16.

13. مرسي د. احمد، د.سعيد اسماعيل علي، تاريخ التربية والتعليم، عالم الكتب 1974 ، ص7.