ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

التراث السلطة التأويل

(قراءة نقدية لكتاب الخطاب والتأويل، لنصر حامد أبو زيد)

(الجزء الثاني)

 

عمّار الكعبي

    

 الإجماع إطار الخلافة السياسي

السؤال الاساس حول الاجماع يتمحور حول فعلية حدوثه لدى المسلمين تاريخياً، وبالتالي عن ماهية المجمعين؛ هل هم المسلمين ككل أم أهل الحل والعقد كما يسمونهم؟

هناك سؤال آخر لايقل أهمية يتعلق بالجانب النظري والقانوني للإجماع وهو يدل حول قدرة الاجماع على جعل الخليفة مقدساً؛ فهل يمكن القول ان الاجماع مؤهل لان يحدد المقدسات؟

1.  حدوث الاجماع.

2.  طبيعة المجمعين.

3.  شرعية الاجماع دينياً وتحديده للمقدسات.

من هنا قام الكاتب باستقراء للبيعات الكبرى ايام الخلافة الراشدة.. وهي بيعات لم تشهد اجماعاُ . بل كانت هناك حالات رفض تجاه اي بيعة من قبل عناصر لهم اهمية في المجتمع الاسلامي اي أنهم من ضمن اهل الحل والعقد؛ بناء على أستقرائه لروايتي الطبري.

وكمداخلة بسيطة نلاحظ  وجود تناقض في رؤية الكاتب، حيث يرى في هذا الفصل ان الفكر السُنّي تطور نحو تقديس الخلافة، وفي الفصل الرابع من هذا القسم ينص على ان بالامكان تصور موافقة الفكر السُنّي على عزل الخليفة ولو من الناحية النظرية. وعند التدقيق في هذه المسألة لابد ان نميز بين النمط المسيس من الفكر المذكور الذي يدافع عن الخلفاء عامة بمقولة (انحراف من يخرج على الحاكم المسلم حتى وإن كان جائراً) والنمط العام الذي لايقدس إلاّ خلافة الخلفاء الاربعة او الخليفتين الأول والثاني.

على أساس ما تقدم فان الخلل الأهم في الاجماع من الناحية النظرية لايكمن في ايجاده لواقع سياسي وتقريره له وبالتالي تحديد رؤية الدين حوله، بل في تحوله الى منطق القداسة الذي يحجب كل انواع النقد والتقويم. ولابد من بيان مسألة قد غابت عن ابو زيد كما غابت عن غيره تكمن في ضرورة إيجاد ميزة جوهرية بين ما هو ديني وما هو مقدس. حيث ان الثاني لايمس ولا ينقد او على الاقل لايمكن تجاوزه باي حال من الاحوال لمن يؤمن بقداسته. أما الديني فهو تلك المفاهيم التي تقرر واقعاً ما وتحاول اصلاحه وفق آليات محددة تساهم في انتاجها عدة عوامل من ضمنها عوامل المكان والزمان. وبالتالي لابد من التاكد على ان الديني لايتعامل مع الاشخاص بقدر تعامله مع المفاهيم والقيم التي يريد تاسيسها، بحيث يقاس الاشخاص ومن ضمنهم الخلفاء وفق هذه المفاهيم، كما عبّر علي بن ابي طالب عن ذلك ( أعرف الحق تعرف أهله).

من هنا فان واقع الاجماع لابد ان يتعامل معه كمسألة تحدد موقف الناس تجاه قضية من القضايا وتكون رؤية الدين الى تلك القضية من حيث ان الناس قد اختاروها لامن حيث ان عدم اختلاف الناس يدل على الحقائق. اي يكون الاجماع مبرراً بما هو موقف بشري محدد ليس لاي اتجاه ان يتجاهله، ولكن ليس لاي احد ان يدعي كون الاجماع يحدد الحقائق ويجعل من الامور ديناً. فالاجماع قد يكون ملزماً لذويه، مما يؤدي الى تاسيس موقف بشري معين يسن قانوناً نسبياً منطبقاً مادام هذا الاجماع قائماً، ولا يعنى بايجاد قانون مطلق لاينقد ولايناقش، او يؤدي الى ايجاد حقيقة لاشك فيها.

ولكن لابد من الاعتراف ان كل الادلة التي يستفيد منها الفكر أو الفقه او الكلام السُنّي لاثبات مسألة الخلافة من خلال الدين لاترقى الى مستوى الدليل القوي الذي يثبت رأي الدين حول مسألة مهمة. كل ما يمكن ان يثبت من خلال الرؤية السُنيّة هو الشورى بدون اي تفصيلات دينية أخرى، ومسألة الشورى لها ما لها وعليها ما عليها، حيث تبقى طي العموميات غير المؤهلة الى الخوض في تفصيلات اوضح وأكثر عمقاً.

النص في وجه الخلافة

حدد نصر حامد ابو زيد موقفه بدءاً تجاه النص الدال على الخلافة من دون الدخول في التفصيلات، مشيراً الى انه رأسمال تشكل لدى الشيعة ايام معاوية لتبرير موقف سياسي محدد. ويبدو ان عدم تفصيل الكاتب رؤيته حول النص نابعة من خلال كون دراسته انصبّت اساساً على الخلافة، وهي بالتالي تعبر على الشكل المضاد للنص الذي غالباً ما يستند اليه الشيعة في توفير جذور أيدلوجية ودينية من اجل اثبات مبدأ الامامة الذي يؤمنون به، وبالتالي ازاحة الشرعية عن الخلفاء القائمين.

     ويرى من جهة اخرى ان النزاع لم يكن ليقوم بعد وفاة النبي لو كان هناك نص واضح وصريح. وعليه يكون النص الذي حدد الائمة في قريش يهدف الى دمج السلطتين الدينية والسياسية فيهم. علاوة على ذلك فانه نص احدث لسد فراغ في اطراف الخلافة.

وعليه فان مسألة النص بشكل اساسي تنحصر في المذهب الشيعي الذي يؤكد الدكتور ابوزيد على كون منطلقه الأساس او مبرره الاول الذي لايعني كونه مجرد عملية تبرير لرؤية مذهبية حددت مسبقاً، فيعبر عن ذلك بان الشرعنة التي يؤكد عليها لاتعدو كونه رأسمال رمزي مجمع وذلك في سبيل إثبات الذات في صراع سياسي مرير.

رغم الكلام المتقدم الاّ ان ما ذكره صاحب كتاب الخطاب والتأويل يعاني من تحقيق ملم، فهناك نصوص ذات دلالة في المسألة، ولكن الامر الضروري ليس في انكار النص، كما يتصور ابو زيد ليخرج من طبيعة الموقف السياسي مع وجود النص، بل ان الضروري يكمن في ان يكون التعامل مع النص وفق اعادة النظر في طبيعة علاقة النبي بالمسائل السياسية والتعامل مع المسألة السياسية من خلال بعدها البشري، بما تنطوي عليه المسألة من ضرورة وجود توافق اجتماعي مسبق، فلن يمكن الوصول الى النجاح في اي نظام سياسي من دون موافقة المحكومين أنفسهم، وإلاّ يصاب اي مشروع حكم بعطب في نتائجه، وينتج ردود فعل تخرج الدولة عن كل امكانية في النجاح، خصوصاً وانّا نتعامل مع دين جاء ليتفاهم مع الأمّة، كما يؤكد على ذلك الإسلاميون من الناحية النظرية.

ونشير هنا الى مسألة غابت عن الكاتب وهي اننا نلاحظ ان مسألة الإمامة قد تحولت من منطقة الفروع الى منطقة الاصول في عهود متاخرة عن عهد جعفر الصادق الذى عرف عنه الحديث المشهور والمتواتر عن الولاية وذكرها في عرض الصلاة والصيام والزكاة والحج، وهو حديث مذكور في مقدمة كتاب وسائل الشيعة. وعلى هذا فان هناك آراء مهمة ومشهورة داخل المذهب الجعفري تنص على ان الامامة من أصول المذهب وفروع الدين، فلهذا لايلتزم اغلب الفقهاء بكفر منكر ضرورة الامامة.

اضافةً الى هذا توجد ملاحظة اساسية تهمنا بمسألة الموقف السياسي الشيعي اليوم وهو عصر الغيبة لدى الشيعة، فمن الواضح ان الأدلة التي تذكر لفرض رؤية سياسية نمطية من قبل بعض المنظّرين الشيعة ليست بالأدلة القوية والمتينة، وهي بناء على الصنعة الفقهية المتعارفة لدى علماء اصول الفقه والرجال أدلة لاترقى الى تحديد مسألة مصيرية كمسألة الحكم في عهد الغيبة.

مهرب الغزالي وفذلكة الاختيار 

يرى الغزالي ان مبررات الخلافة واكتسابها للشرعية تنحصر في النص والاختيار، مستبعداً النص نظراً موقفه في عدم وجود نص ديني اصلاً. ولكن الاختيار يكون ممن؟

لقد اصدر المفكر الاشعري المسلم كتاباً أسماه (فضائح الباطنية) بطلب من الخليفة العباسي المستظهر بالله للرد على الشيعة الاسماعيلية، كما يذكر ابو زيد، ومن الواضح ان الهدف ينظر الى الخلافة الفاطمية التى كانت تنافس الخلافة العباسية في الشرعية على الامة الاسلامية. وينطلق الغزالي في كتابه ليبرر للخلافة القائمة عن طريق مخالف للاجماع، واعياً عدم وجوده اصلاً في كل البيعات القائمة. الميزة الاساسية في فكرة الغزالي او فذلكتة تكمن في كونها تفلت اولاً من الاشكال القائم حول حدوث الاجماع وثانياً ان مفادها إعطاء صبغة الهية للخلافة ، ينتج عن هذه الصبغة علاقة بين الله والخليفة.

فعموم الخلفاء جاؤوا أما ببيعة الخليفة السابق أو بيعة مجموعة من ذوي الشوكة في الشأن السياسي، من هذه النقطة بالتحديد يستفيد الغزالي لفرض رؤيا تقول: بان بيعة ذوي الشوكة لإنسان، ولو كان ذووا الشوكة واحداً ، تعني تمكن الخليفة من الحكم وعندما تتوجه القلوب لطاعته، ولو بالقوة ويمتثل الرعية لحكمه ولو بالسيف، فان هذا يكون لأن الله أقرّ هذه الخلافة؛ مما يعني ان وجود الخليفة جاء بمباركة من الله الى كرسيه والخلافة رزقٌ وهبةٌ الهيةٌ.

موقف ختامـــي

مهما أفترضنا وقلنا، فان لابد وان نعيد قرآءة موقف الدين الاسلامي لامن خلال تقمصنا مرحلة سابقة، فالتاريخ قد انتهى امده، وليس هناك اي مبرر لنجعل انفسنا فيه. بل لابد من ان نأتي بالتاريخ الى الحاضر، ونحاول ان نلبسة ان أمكن لباس اليوم وإلا تعاملنا معه كمنجز قديم انتهى امده. ثم انه ليس بالامكان تجاوز الازمات التي تعاني منها النظرية السياسية لدى الاسلاميين الاّ بوعي مسألة مهمة وهي انّا حتى لو وافقنا على علاقة الدين بالحكم فانّا يجب ان ندرك أنها علاقة تمثلت في ظرف خاص لا أتصور انه يمكن ادعاء استمراره الاّ في بعض الخطوط الرئيسية.

فلا شك في ان الدين أداة التحكم الأكبر، لافي السياسة فقط، بل في امور كثيرة عندما ننظر الى القرن الاول والثاني، ولكن هناك أدوات أخرى ظهرت وأثبتت جدارتها في تحديد الكثير من المنطلقات السياسية ولا اعتقد ان الدين يتعارض معها او ينفيها. خصوصاً اذاأخذنا بالراي الاشهر والقائل بان المعاملات المذكورة في الدين هي ارشادية، حيث ان الاسلام لم يشرع لمعاملات جديدة ـ اقتصادية مثلاً ـ انما اقرّ المعاملات القديمة والمتعارف عليها مع بعض التهذيب. وأتصور ان القضية السياسية هي من اهم الامور المعاملاتية.

ثالثاً : الموقف من التراث

شعارات التنوير وغرور التقديس وتناقض التوفيقية

     يمارس رواد النقد المعاصرين من أمثال محمد أركون رؤية نقدية تتعامل وفق ما يمكن تسميته عدم المجاملة تجاه اي بعد من الابعاد الأيدلوجية والمذهبية والمعرفية متجاوزة بذلك مسألة الانتماء في عملية فهم وأدراك المفاهيم، او لاأقل تدعي أنها تتجاوز ذلك.

هذه الرؤية غالباً ما تواجه عقبة الانماط الدراسية للتراث، وتجد نفسها مضطرة لتتبعها، مما يجعل النقد غير مقصور على التراث فقط، بل على الحاضر بما يمليه من رؤى بما يمليه مزاج الناقد تتعلق بالماضي، أو بما يمليه عليه مسار وطبيعة المعلومات التى تشكل بنيته المعرفية. أقول مزاجه لانّا نحتمل ان يكون الفكر مجموعة مزاجات تفرضها ظروف وقراءات محددة. وان لم يكن مزاجاً فهو بلا شك مقيد بطبيعة المعلومات  المتلقاة، والتي تحدد ذهنيته المفكرة، لأن كل ما تلقاه المفكر يلعب دوراً في مسار تفكيره.

من هنا نجد الرؤى الحاضرة، بالمعنى الزماني للحضور، جزءاً اساسياً لمن يحاول ان يقدم نقداً ما، لكي يكون ناظراً ًالى التراث ليس كتراث فقط، بل كصورة تفرض نفسها بشكل مستمر  بما ان قيمة النقد تجد ذاتها في الصور التي يلاحظ حضورها المعرفي في مرحلة النقد وزمانه.

     ويبدو التراث الديني بخيره وشرّه مسألة تفرض أهميتها من خلال انها حية تعيش في اوساطنا، ففي كل مكان بصمات التراث. ولولا وجود هذه البصمات لتحول الى مجرد تحفة تدرس كإبداع ليس أكثر إن كان فيها ابداع.

فما هو التراث؟

قد يظن البعض ان التراث هو الدين فقط، وعندما نقول الدين ننظر الى خصوص تلك المصادر التي جاءت وأسست له وجعلته جزء من منتجات ـ بالكسر ـ المعرفة او الايديولوجية او ثقافة الناس. وهذاالرأي لايمكن تبريره لأن المؤثرات التي ننتمي اليها لاتكمن في مصادر الدين فقط، بل ان الماضي العلمي او الايديولوجي كله مؤثر في هذا الحاضر وصانع له وموضح لأهدافه وطموحاته وليس الدين إلاّ نقطة انطلاق لهذا التراث، مع ملاحظة تعدد التفسيرات للدين والتي تعبر بداية المشوار نحو البنية التراثية التي تمثل اليوم أمامنا؛ من هنا ليس ممكناً الاعتذار به لتحرير الدين من المماحكة والسجال والنقد، فالدين صانع اول للتراث فلابدان نفعل ذلك بدءاً من الصانع الأول.

يقسّم ابو زيد التيارات وفق موقفها من التراث تقسيماً تقليدياً ناظراً الى وجود يمين ويسار  ووسطية؛ فهناك تيارات ثلاثة تتعامل مع التراث؛ تيار يرفض ان يتعامل مع كل انواعه ويعتبره ماضٍ لاجدوى من الرجوع اليه والتعامل معه، بل لابد من إيجاد قطيعة فعلية تواجهه. وتيار يرى ان التراث هو الحل. والاتجاه  التوفيقي المعروف وهو اتجاه او تيار يحاول ان يوفق بين الجديد والقديم لغرض ايجاد صيغة تصالحية بينهما.

من هنا يبدو ان الكاتب مارس نقده على التعاملات الفعلية مع التراث من خلال نقده لهذه التيارات وتعاطى معها بما انها من وجهة نظره التيارات الكبرى والاهم التي تتضمن كل الاتجاهات والمواقف التفصيلية لهذا الفكر او ذاك، ولهذا الداعية او ذاك ولهذا المثقف او ذاك. فتبدو الصورة الجزئية بالتالي رغم الاختلاف بينها صوراً لاتخرج عن إطار هذه التيارات الكبرى.

ويبدو ان البت في صحة مثل  هذا التقسيم للكاتب رهن بما يطرحه فيه من تضمنات، وما يشمله من مواقف معرفية وفكرية وايديولوجية. فهناك شطران في طرحه يستحقان النظر، مضمون التقسيم وطبيعة رؤيته لكل تيار، وأصل مسألة تقسيم التيارالى هذه الثلاثة حصرياً.

تيار القطيعة مع التراث

تتحدد في كثير من الاحيان صورة التخلف في المجتمعات المسلمةٍ، بدءاً من انتهاء ما يسمى بالعصر الذهبي مروراً بالحروب الصليبية ومن ثم سقوط بغداد وانتهاء بعمق التراجع الحضاري في ايام العثمانيين.

هذا الاتحاد الزماني حداً ببعض التنويريين الى ان يقدموا تصوراً قائماً على اساس التوحيد بين التراث والتخلف، بما ان هذه الفترات المتخلفة كانت تمثل توجهات سياسية تتحرك من خلال غطاء أيدلوجي ملتصق التصاقاً فكرياً كاملاً مع بعض صور التراث الموجودة الآن بين ايدينا، والتي يُعد التقليديون بعضاً منها بل اغلبها جزءاً ضرورياً ومهماً من الدين.

هذا المبرر دعا هؤلاء المثقفين الى التأكيد على امكانية التطور والنمو والحضارة، ولكن بشرط انتزاع مجال التخلف التي ادّت بالمسلمين الى هذا الحال، والتراث هو جزء من مناشئ التخلف بحد رأيهم، لأنه بالتالي أطار أسهم بتفعيل هذا التخلف وتأكيده.

فالتزامن ما بين التخلف وبعض فترات نشوء اشكال مختلفة من التراث هو من الاسباب الرئيسة للقول باتحاد التخلف معه، ومن ثم القول بضرورة فصله عن الواقع.

ولكن ابو زيد ينظر لهذا التيار من جهة ثانية، حيث يرى ان مبرراته تكمن اساساً في مسألة التقاطع الزماني بين الماضي والحاضرالذي يعد مبرراً كافياً للقطيعة من وجهة نظر ابناء هذا الاتجاه. فالتطور الزمني والمكاني والاختلاف في الموضوعات سعة وضيقا هي الاساس في القول بضرورة عدم الاعتماد على الماضي.

ويطرح ابو زيد مسألة الحرية كمثال لفهم مبررات هذا التيار حيث ان الحرية في الماضي او في التراث كانت تدرس من زاوية تفرضها الموضوعات ومستوى الادراك السائدين آنذاك . فلم تتجاوز اطروحات الغزالي  وابن رشد والخواجة الطوسي والمعتزلة (المشكل الديني الكلاسيكي) المعني فقط بمسألة حرية الفرد في الحياة من الناحية التكوينية وعلاقة هذه الحرية الفردية بالمشيئة الإلهية. في حين ان الفهم القائم والموضوعات الملحة اليوم اشد تعقيداً نظراً للتقدم العلمي الكبير الذي تحقق في غضون القرنين الأخيرين سواء على مستوى العلوم الطبيعية او العلوم الانسانية.

ويؤاخذ الكاتب على هذا التيار ايمانه بمجموعة مسلمات كالهوية او الخصوصية وهي بالتالي مسألة تاريخية وليست أموراً آنية، إنما تاريخ نشوئها يعود الى غابر الزمان مما يجعلها تراثية. مما يعني انهم يؤمنون بالتراث بشكل من الاشكال.

هذه المؤاخذه تكتسب قيمتها من خلال كونها تحاول التأكيد على ما يبدو ان لاغنى عن الكثير من الامور التاريخية بما ان الكثير من جنبات الفكر هي تكرار لما هو قديم بصيغ جديدة حتى وان كان هذا التكرار لا شعوري.

 اضافة الى هذا يمكن يمكن القول ـ وهو ما لم يشر اليه ابو زيد ـ ان مثل هذا الحكم المطلق لدى هذا التيار لا يمكن التسليم به، لسبب بسيط انه حكم بلا مبرر ويفتقر الى مسح كامل لمسائل التراث، والاّ فلا يمكن التسليم بحكم من هذا القبيل بدون حدوث تقصٍ كامل، بما ان التغيرات وان طالت كل شيء الاّ انها لم تغير جوهر الكثير من الاشياء التي تغيرت. كذلك وان الكثير من جوانب التراث يمكن ان تشكل مادة اولية لإنشاء وصياغة جملة من الافكار مهما كانت هذه الجوانب قديمة وضيقة من ناحية الموضوع، وليس التعاصر الزمني بين شيء وآخر كافٍ للربط بينهما.

تيار العودة الى التراث

من الممكن جداً ان نلاحظ وجود تيار تقليدي في كل بنية فكرية او ايديولوجية او لاهوتية، لان الحنين الى الماضي، خصوصاً اذا كان مزدهراً، يفرض نفسه بشكل مستمر.

هذا التيار يفرض نفسه في طبيعة التعامل مع التراث في الواقع الاسلامي المعاصر بمبرر كون التراث يمثل نتاج الفترة الاحسن والاكثر زهواً والاقرب الى مصدر الدين، خصوصاً اذا كنّا نتعامل مع التراث المنتج في الفترة السابقة عن عصر الانحطاط الحضاري لدى المسلمين.

وهناك مبرر آخر منبعه منطقة القداسة التى يتمتع بها التراث في ذهنية الكثيرين، فتقديس التراث في ذهنية الاسلاميين تنتج كل انواع التمسك به. تقديس من هذا القبيل يفتقر ليس الى الموضوعية فقط، بل يفتقر الى دليل من داخل النص الأم، الذي ينفي قداسة سواه.

هذا المبرر الثاني هو الذي اختاره الكاتب لفذلكة هذا الاتجاه. حيث يرى ان هذا الاتجاه يتطرف بشكل كبيرويفرط بشكل واضح في التعامل مع التراث على اساس كونه مقدساً.

ويضرب مثالاً على تعامل هذا الاتجاه مع التراث وهو المسألة الكلامية التي دار حولها الجدل يوماً ما اي استواء الله على العرش، فيرى ان الكل ينطلق للتعامل مع مسألة (الاستواء) من خلال العقبة الاولى التي وضعت تاريخياً امامها وهي مقولة (الاستواء معلوم والكيف مجهول والحديث عنه بدعة)، وهو المانشيت الذي اتخذ كمبرر لإبطال الكثير من الافكار المتصلة بالموضوع بل وادى الى اتهام البعض بالضلال.

ولكن هناك مشكلة يصطدم بها اهل هذا الاتجاه حيث ان هناك الكثير من الآراء التي تنتمي الى التراث توصف من قبلهم بالضلال، فما هو الضابط او الميزان في تحديد التراث (المقدس) من غيره او التراث (الضال) من غيره لدى أبناء هذا الاتجاه ؟

ان ما يميز الرأي الضال عن غيره لدى التقليديين هو طبيعة انتماء صاحب الرأي: فان كان من اهل السُنّة والجماعة عند تعامل المذاهب الاربعة، مثلاً، مع التراث فان الرأي يكون مقبولاً او مقدساً ولايمكن وصفه بالانحراف، الاّ فانه منحرف ان خالف السياق العام لما عليه أهل السُنّة والجماعة ، وكذلك الحال عند بقية المذاهب.

من هنا يرى ابو زيد ان اصحاب هذا التيار لم يكونوا مخلصين تماماً لرأيهم القائل بضرورة اخذ ما في التراث، فهم قد خالفوه، فأهل السُنّة والجماعة لايقبلون باستدلالات المعتزلة والشيعة والمتصوفةوآرئهم وبالعكس، حتى وان كانت هذه الآراء والاستدلالات تنتمي الى التراث زمانياً، بل وترتبط بالنبي والكتاب اساساً.

واذا ما اردنا ان نتناول تقرير ابو زيد ومدى فاعليته ، فلابد أولاً ان نعرف الرؤية الكلية التي ينطلق منها هذا التيار، وهي رؤية لابد ان نعترف قبل كل شيء انها ايديولوجية، وانها لاتنظر الى التراث على اساس كونه تراثاً فحسب، بل تنظر اليه من خلال كونه تراثاً ينتمي الى الجماعة او الفكرة.

ما نراه هو نمطان يتحركان من عمق هذا التيار: قسم ينطلق من خلال الجهة المنتجة للفكرة اي السُنّة والجماعة تحديداً. فكل ما يصدر عن السُنّة والجماعة هو حقيقي من وجهة نظر المذاهب الاربعة، وان كان هناك آراء مختلفة فهي تقع كلها في اطار الاجتهاد حتى وان كانت عقائدية، طبعاً مع استثناء حالات اكثر حدية كحالة ابن تيمية، والاجتهاد مبرر فقط بمداخل السُنّة والجماعة وليس هناك مكان آخر يبرره. وقسم آخر يتعامل مع مسبقات فكرية حتى داخل الانتماء الواحد فالاتجاه التقليدي لدى الشيعة مثلاً يتعامل مع رأي الصدوق القائل بامكانية سهو النبي، وهي مسألة عقائدية، بحذر شديد. فهم لايعيرون اهمية لكون الصدوق جزء من بنيتهم وصاحب أحد كتبهم الاربعة، بل اعاروا اهمية لرأيه ومدى تلائمه مع المسار الايديولوجي لهم. فهم اساساً لايقبلون باي اجتهاد عقائدي واحياناً فقهي خارج هذا.

اذن نحن لسنا امام تقديس لمطلق التراث، كما ادعى صاحب الخطاب والتأويل، بل امام تقديس للتراث المنتمي الى المجموعة او الفكرة المُعَدّة مسبقاً من هنا فانّا نجد الكاتب لم يحسن تصنيف هذا التيار جيداً.

ومناقشة مثل هذا التيار تنطلق اساساً من حيث انه تيار يستغرق في اطلاق الصحة والخطأ على رؤى اوانتماءات بالجملة ولا يعر اهمية كاملة لتقصي الحقائق بشكل تفصيلي. وهو كذلك تيار غير قادر على التفكير بالحاضر، بل يبقى يدور في اطار الماضي ويعيد انتاجه اما بصياغات اكثر عصرية او بنفس الصياغات القديمة التى يرى البعض قداستها ايضاً، فصناعة الفكرة والتفكير في صحة فكرة رائجة عند هذا التيار مفقود.

تيار التوفيق

هنا التيار الثالث الذي يحاول ابو زيد طرحه على مائدة التذوق، وهو تيار يحاول ان يوفق بين تطور الحياة وتحدياتها وبين التراث واستلزاماته. فيبحث عن الحلول الوسطى وعن الترضيات المستمرة في سبيل تقديم صياغات واحكام لاتتقاطع مع الحداثة، مثلاً ن من جهة والتراث من جهة اخرى.

ويرى كذلك ان هذا التيار ينطلق من خلال المنفعة لتكون الافكار صحيحة، وليس الصحة التي تحدد بعد ادراكها النفع والضرر. اي يؤمن بصحة الافكار من خلال نفعها ولا يؤمن بصحتها قبل ان يلاحظ منفعتها. ويتم تحكيم النفع هنا لا قيمة الفكرة وتاثيراتها الخارجية، وقدرتها على البناء والتحضر، بل ينبع النفع عنده كما ينظر ابو زيد من خلال تلاؤم الفكرة مع منهج محدد مسبقاً. ورغم تحفظنا على هذا الشعار العريض المنطلق من الصحة والتي لا نسلّم بامكانية ادعائها بسهولة لانا لانبحث معرفياً، وابو زيد يطرح نفسه كمعرفي لا كأيدلوجي، عن صحة الافكار بقدر بحثنا عن قدرة الافكار في التعاطي مع التحديات وتجاوز الازمات. رغم هذا التحفظ الاّ انّا نسلّم كذلك ان التوفيق لأجل التوفيق عمل اعمى يبحث في مجموعة متناقضات ليصل الى متشابهات بدون اي تناسق او تنسيق نابع من قناعة داخلية للشخص او الاتجاه الذي يقوم بالتوفيق، على العكس التوفيق عمل منسق قائم اساساً للتخلص من ضاغطين هما التراث والمعاصرة فيحاول اصحاب هذا التيار تجاوز هذه الضواغط بصورة واقعية ، يحاولون ان يؤوّلوا ويعيدوا انتاج العديد من وقفات التراث المقدس لديهم، ويقلصوا في الوقت ذاته من قطيعة التيارات غير الدينية ذات القيمة مع تراثهم ، هذا اعتبرنا التوفيق اسلوباً للتخلص من ضاغطين خارجيين؛ غير ان مثل هذا التوفيق يبقى يعاني من القناعة الذاتية، فالمبررات التي تتحرك من خلال عوامل الضغط الخارجية لاتنبع من قناعة، والقناعة الداخلية عامل اساس في تطوير الفكرة وبلورتها بشكل متّزن، مما قد يؤدي الى تشوّه نتائجها.

هل هناك تيار آخر؟                     

ولكن هناك توفيق من نوع ثاني ينطلق من خلال الحس النفسي والقناعة الداخلية بجدوى طرفين. ينطلق من خلال الايمان ببعض معطيات التراث ونتاجه لأسباب فكرية او وجدانية او فلسفية او غيرها من الاسباب الذاتية والداخلية للفرد التي لايمكن للانسان التنصل عن نتائجها، ومعطيات وافكار من الاخر (المتنور) الذي يفرض نفسه لعقلانيته وتناغمه مع منطقة التفكير البشري.

مثل هذه المبررات لها قيمتها، ولا يمكن القول بامكان تجاوز احدهما على حساب الآخر لأنه تجاوز يقمع حساً مقنعاً. فلو قدّم التراث على اطلاقه لقمع الحس القاضي بجدوى الكثير مما ينتجه الآخر، حيث افترضنا انه مقتنع بقيمة هذا الآخر فكرياً، ولو فضل (التنوير) فانه سيقمع ما تفرضه رؤاه الداخلية من صحة بعض رؤى التراث.

فكل ما هو داخلي وينطلق من خلال الايمان باي شكل من أشكاله الداخلية هو عبارة عن تحدٍ. فالتحديات لاتفرض نفسها من خلال الموضوعات التي تتسع وتجعل شمولية النص ـ مثلاً ـ ضعيفة فقط بل قد تفرض نفسها انطلاقاً من الذات، فليس من حقي ان اطالب من يؤمن بشيء محدد وفق ادوات معرفية او نقدية او أكاديمية او غيبية بان يتنصل منها لأن الايمان بالتالي تحدٍ لابد من التعاطي معه بشكل من الاشكال.

مثل هذا التيار يجب ان يُحاكم ليس لكونه توفيقياً، فالتوفيق لوحده ليس عيباً فكرياً، بل يُحاكم فكرياً، اي على اساس قيمة ما يطرحه من توافقات وامكانيتها وادواتها وادلتها.

تيار آخر 

إضافةً الى هذا الا تجاه هناك تيار آخر لاينتمي الى اي من التيارات السالفة، وهو التيار النقدي الذي يمتنع عن الانتماء الايديولوجي، او يدعي انه لاينتمي انتماء من هذا القبيل، وهو التيار النقدي الذي لايؤمن بشعارات ضرورة تجاوز التراث بتيار العودة الى التراث؛  بل يتعامل بشكل نقدي ، فهو لايلغي التراث من احكامه، بل يحترمه ويبحث فيه... ولكنه لايجعل من الاحترام قيداً له. مثل هذا التيار قد لايكون موجوداً بشكل واسع الاّ ان الكثير يحاول يدعي انتماءه اليه.

 المصادر

أبو زيد، نصر حامد، الخطاب والتأويل، بيروت ـ الدار البيضاء  المركز الثقافي العربي، ط1 2000(القسم الثاني ص129- 280).