ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

التراث السلطة التأويل

(قراءة نقدية لكتاب الخطاب والتأويل، لنصر حامد أبو زيد)

(الجزء الأول)

 

عمّار الكعبي

    

 تكمن أهمية كتاب (الخطاب والتأويل) للدكتور نصر حامد أبو زيد في نقده لبعض الظواهر الفكرية والدينية التاريخية من خلال الواقع والتراث.

في القسم الاول من الكتاب لاحظ الكاتب تحت عنوان (الموقف العربي والسلطة) ازمة الخطاب الثقافي العربي من خلال تقصيه لبعض النتاجات والسجالات لبعض التنويريين والتقليديين والاصلاحيين العرب كزكي نجيب محمود ومحمد اركون ومحمد عماره. مع دراسة لجدلية الغزالي وابن رشد.

وتكمن اهمية الكتاب في قسمه الثاني (التراث والتأويل) لأحتوائه على نقديات ومداخلات حول جملة قضايا تتعلق بالتراث والسلطة والتاويل محاولا نقد هذه الظواهرمن خلال خمسة  فصول

 كما ان اهميته تنطوي في انه يتضمن رؤية واحد من اهم نقاد الفكر الاسلامي والعربي المعاصرين. وتتلخص فيه جملة من افكاره التي أُدين بسببها في المحاكم (الشرعية) والاوساط السلفية بمصر. مما يدعونا الى تسليط الضوء عليها ونقدها في قرآءة نقدية تحت ثلاث عناوين تناقش القسم الثاني من الكتاب حصرياً .

 أولاً : العقل العربي

بين تقديس السياسي وتسييس الديني  وأدلجة المعرفي  

تثير مسألة النص الديني تساؤلين أساسيين يحفزهما مايتضمنه من قداسة؛ سؤال ينطلق من خلال علاقة الفكر والمعرفة به وآخر تفرضه مسألة علاقة مراكز القرار السياسي به أو علاقته بها.

نصر حامد أبو زيد حاول ان يقدم تحليلاَ تاريخياَ معرفياَ للعلاقه الثانية، وان ينقد التجارب التي سعت الى تاصيل العلاقة بين النص الديني والدولة، وتحيط نظام الحكم وطبيعته وشكله بهالة النص المذكور للوصول إلى قداسته.

بدءاً يمكن التاكيد على استفادة كل نمط من السلطات التي لاتستند الى مشروعية قانونية أو دستورية الى البحث عن مبررات لها من اجل شرعنة أفعالها وسياستها، وبالتالي تكريس شموليتها، وإقصاء كل اشكال المعارضة الحقيقية لها.

محاولة البحث عن مُشرْعن أدت بذوي الطموحات السياسية إلى اقحام النص الديني في عملية الشرعنة ولتبرير هذه باشكال متعددة من الإقحام. لتتوسع المشروعية لاحقاً الى شكل من اشكال القداسة الذي يعبر ـ إن استفيد منه سياسياً ـ عن أقسى حالات الشمولية والقمع.

يرى الكاتب أن السقيفة كانت بداية الطريق لعملية الإقحام هذه؛ حيث قام بعض الصحابة بتوحيد السلطة والنص في بوتقة واحدة هي قبيلة قريش. وكانت لحظة معاوية في حربه ضد علي بصفين نقطة إضفاء طابع القداسة في تجاذبات الصراع السياسي الذي استمر بين أطراف متعددة. ففي الوقت الذي يفسر الكثيرون هدف معاوية من رفع المصاحف بمحاولة اقناع العراقيين بانتمائه الى القرآن، فقد كان لمعاوية كمايرى أبو زيد هدفاً ابعد يتضمن إفهام أهل الشام بقداسته في المعركة التي يخوضها من اجل القضاء على الانحراف.

إذن لقد حدث اندماج للسلطة مع النص الديني. ولكن هل يمكن القول إن الاطراف والاتجاهات الفكرية ـ التي تحمل مميزات اساسية تؤهلها لان تقدم خدمة معرفية للسلطة أو تسحب غطاءً عنها ـ قد كانت تتقبل دوراً إيجابياً في شرعنة الحكم؟ 

إن ما ساعد الخلافة على لعب دور القداسة هو قابلية اغلب الاتجاهات الفكرية الدينية على تقديم خدماتها للحاكم، وتبرير شمولية حكمه، وهو ماحدث فعلاً للمعتزلة الاتجاه الذي يعتبر اكثر الاتجاهات مظلومية والابعد مراكز القرار السياسي في اغلب مفاصل التاريخ، وذلك عندما اندمجوا مع المأمون، وهو اندماج أنتج انتهاكات واضحة بررت بقضية خلق القرآن، واستفاد الخليفة من فذلكتها وصراعها الفكري لقمع خصومه.

على هذا الاساس صاغ الدكتور أبو زيد هنا مفهوم (المحو و الاثبات) بشكل يفسر لنا عمليات النسف للكثير من البنى الثقافية والدينية والفكرية وزوالها تماما عن صفحة الواقع وتحولها الى مجرد ذكريات تاريخية لايمكن حتى اعادتها الى الواقع . المحو و الاثبات يعني زوال الافكار واندثار البنى المعرفية وألأيدلوجية والثقافية وحلول بنى أُخرى بديلة عنها؛ ولكن صياغة المصطلح بشكل ينتمي الى فعل فاعل يعني انها عملية تتم بتدخل مباشر من الانسان ليقرر مصير وجودات كاملة، ممارساً في الوقت ذاته إدخال بدائل عنها والذي يقوم بعملية المحو لايمكن ان يكون يملك سلطة سياسة كاملة وشاملة، غير ان ليس بمستطاع هذه السلطة فعل ذلك بشكل منفرد، لابد ان تستعين بشيء آخر، لابد من وجود مبررات معرفية او ايديولوجية تبرر عملية المحو والأثبات؛ اي لابد من الفكر ليبرر المحو من جهة ويوجد البديل من جهة ثانية، مما يعني إن عمليات المحو والاثبات لن تحدث الاّ باتحاد وتحالف بين السلطة وبنى فكرية معينة مما يسهل العملية وفق تبريرات الايديولوجية او الفكرة وبأدوات السياسة.

وقد حاول الكاتب أن يستثني عصر النبي من عمليات محو كبيرة وواسعة عندما انحفظت جملة من الأنماط الثقافية الاجتماعية لكل مجتمع في عهد النبي، في حين ان قريش قد قامت بهذه العملية عند اتحادها مع النص الديني الصورة الرئيسة للفكرة آنذاك، وعملت على محو كل ما يخالف رؤاها او يؤثر عليها، وابدالها بالنص الديني ـ  وذلك لانهاء مبررات غير تلك التي تستفيد منها لبقائها في هرم السلطة.

وقد جرى الكثر من عمليات المحو والاثبات من قبل السلطات السياسية مستفيدة من شرعنة حصلت عليها بفعل بعض الاتجاهات والمذاهب الدينية والفكريه. من هنا محي اتجاه المعتزلة لحساب الحنابلة ومن ثم لحساب الاشاعرة. والمذاهب الفقهية الاربعة ـ على سبيل المثال لاالحصرـ. ويوجد الى جانب هذا عمليات ازاحة ـ وهتا أستعمل الازاحة وليس المحو الذي يستعمله أبو زيد ـ من قبل السلطة بحق الشيعة بمبرر التسنن والسنة بمبرر التشيع.

على هذا الاساس يرى الكاتب ضرورة تحرير العقل من سلطة النص الديني، فضلاً من تحرره من سطوة السلطة السياسية، بما انهما يتضمنان توجيهاً نمطياً للعقل، ويؤديان الى استغلاله في سبيل برغماتية اقصائية معينة.

 اصل المشكلة

نلاحظ استحواذ الشعار والتسطيح للقضايا في نتيجة أبو زيد بعد ان كانت مقدمات بحثه تحتوي على الكثير من نقاط القوة والعمق. فلا يوجد في الحل الذي قدم دراسة للمسألة من جوانب متعددة من دون السقوط في منزلق التسطيح؛ فليس هناك دراسة معمقة لأصل المشكلة التي يعاني منها العقل العربي من جهة والموقف السياسي من جهة اخرى. من المؤكد جداً ضرورة تحرير العقل من المؤثرات الخارجية، في سبيل التعامل مع واقع متعدد الاتجاهات ومختلف الانساق، بحيث يكون هناك ترتيب منطقة الذات ليس وفقا لفردانية مقصية بل وفقا لكل منتج معرفي وايديولوجي.

ورغم اعترافنا بما تنطوي عليه دولة الخلافة من إقحامات لسلطة دينية مع سلطتها وممارستها لأدوار ثلاثة: سياسي ورسولي وقضائي، فأحدث عمليات محو لايمكن التسلم لحظة واحدة بمشروعيتها.

إلا أنا نلاحظ ان هناك انماط فكرية من اللاديني ـ كل من لاينطلق من خلال الدين ـ كذلك مارست اتحادات مع السياسي، فاحدثة عمليات محو وازاحة لايستهان بها. مثلاً نجد هيغل قد نظّر لنظام سياسي يتقاطع مع الانماط الديمقراطية بالعمل السلطوي. وليست الماركسية بصورتها الأم إلاّ شكلاً من اشكال الاتجاهات التي فعّلت في سبيل ازاحة جد خطيرة عندما تمكنت من الاتحادات مع الدولة في اكثر من بلد.

لاشك ان هناك فعلاً مؤثراً واضحاً للايدولوجيا التي تحول الديني اليها بصع الاسلاميين انفسهم أسهم هذا الفعل بتكوين بنية تبرير كاملة لعمليات الاقصاء السياسي، إلا ان من السهل جداً ان يتحول المعرفي الى منطقة السلطة ويصبح تدريجياً أداة تبرير كما تحول النص الديني الى التبريرية. ومن الممكن جداً ان يتحول المعرفي الى ايديولوجي ، بل انه لايوجد معرفي إلاّ وتحول الى منطقة الايدولوجيا بمرور الوقت. فليس تحرير العقل من النص الديني أمراً ضرورياً بالتفسير الذي أسس له الكاتب ، بالمقدار الضروري ان لا يوطف هذا النص في سبيل الانفراد وعدم المشاركة، وهو شرط لا يخص الديني فقط بل يعم كل توجه ومعرفي، بل ان من الضروري الاستعانه بالنص الديني ليشكل الى جانب العقل منهجاً من مناهج البحث في صياغة المفاهيم وتشكيلات العقل الجمعي.

إنّا هنا لانريد ان ندافع عن النص الديني بقدر دفاعنا عن ضرورة دراسة المسألة بعيداً عن التسطيح الذي تعاني منها بعض عمليات النقد، والتي لاتقدر ان تطال العملية التغييرية بحق إلاّ اذا تجاوزت ممارساتها الأيدلوجية المبطنة بصورة معرفية.

منطقة الخطر الحقيقية هي ان تتغلف السلطة او أيدلوجيتها بمنطق المقدس وهناك فرق جوهري بين ما هو مقدس وما هو ديني، لان المقدس هو الله لخصوصية الجانب التكويني في علاقة الاله بالانسان، والديني هو مجموعة الآليات والتشريعات التي سُنّت ْ لمعالجة إشكاليات اجتماعية ونفسية محددة للوصول الى منطقة الاصلاح الذي يضفيه الدين على نفسه؛ وبهذا لابد من تحرير القداسة من منطقة السياسة بشكل مطلق وجدي، بحيث لايكون الخروج على الحاكم انتهاكاً للمقدس حتى وان كان السياسي له عمق ديني، ولا تكون ايديولوجية السلطة فعلاً إلهياً.

وهناك دعوة يمكن ان تكون اكثر اهمية وأجدى في سبيل ايجاد تحريرات من مناطق الاقصاء: فصل كل ماهو سياسي عما هوفكري ومعرفي وديني كآلية أساسية في سبيل ان يكون ما للسلطة للسلطة وما للافكار للافكار، ويمارس كل من الطرفين وظائفه المحددة من خلال اولوياته ومسؤلياته انطلاقاً من الامكانيات والوظائف المتاحة وليس هذا فصلاً للدين او المثقف او المفكر عن السياسة، بل ان للكل حق العمل من خلال المنطق الذي يؤمن به بعيداً عن الانفراد ، وبالتالي هناك فر ق بين ان يكون للانسان موقف سياسي وان يكون جزء من السلطة.

الشرط الضروري هو ان لايحكم المثقف كمثقف ولايشترك في السلطة كجزء من مبرراتها، ان الديني والثقافي والمعرفي يمكن ان تكون الصورة الضاغطة على السلطة وليست الصورة التي تتحكم بها الحكومة او الجهة التي تعمل بعيداً عن السلطة بهدف الوصول إليها.

لانّا بالتالي نلاحظ ان كل حالات الاتحاد بين السياسي الحاكم او الباحث عن السلطة وماله علاقة بالمعرفة تنتج نوعاً من الاقصاء والتبرير؛ أمريكا اهم بلدان الديمقراطية الحديثة وموطن من مواطن البحث المعرفي الحر قامت في اطار صراعها من اجل القوة و السيطرة بتمرير تمويهات عن طريق جملة مفكرين من ضمنهم فوكوياما وهنتغتون لتأكيد الخطر العالمي على الديمقراطية والرأسمالية بكل أشكاله عن السلطة السياسية وليس السياسة. لان هذه السلطة لن تكون قادرة على فعل الكثير من دون غطاء ديني او معرفي محدد.

وبالتالي فنحن نختلف مع أبو زيد الباحث عن تحرر العقل عن النص الديني بشكل فرضي ومن دون احترام لقناعات محددة تتقيد بالدين في استنطاقها للافكار والمفاهيم . بينما الدعوة لابد ان تكون متضمنة لضرورة السماح للعقل العربي ان يتحرر من كل السلط ةمتى شاء وان لايتحرر ان أرتأى ان يبقى متقيداً بالنص الديني مثلاً، بما ان الافكار هي مجموعة قناعات، لن تكون قادمة بشكل معلب او بصورة جاهزة. طبعاً كل هذا الى جانب دعوة أكثر حزماً ننادي من خلالها العقل السياسي العربي ان يتحرر ليس فقط من النص الديني إنما من كل قيد أيدلوجي ملزم لايخضع للتغيير والتبديل، علماً ان الحاجة الى التبدل قد تستلزم تغيير الجوهر.

ولكن في الوقت ذاته يجب ادراك حق الدين في ان يشترك في عمليات الصياغة لاي بنية او مفهوم ان اثبت جدارته في هذا؛ لأن من الممكن جداً التنظير لمنهجية لاينفرد التفكير البشري بها من اجل اكتشاف الحقائق والمفاهيم.

ولا أقدر ان اعترف بتقليد مفرط بنماذج فكرية أجنبية نظراً لأن لكل مجتمع أدواته وآلياته قي المعرفة. ولكن ليس من المناسب أن تهمش هذه النماذج الفكرية بما أنها إسهام إنساني له مكوناته المشتركة مع كل ظرف وزمان.

لاجل تصنيع تبرير كاف لأعمال مضادة ضد قوى تتخوف الولايات المتحدة الأمريكية أن تؤدي الى التقليص من هيمنتها على بعض الدول، وبالتالي أخذ الموافقة من جماهيرها التي تؤمن بالديمقراطية ضد كل أتجاه يشخصه المطبخ السياسي كخطر حتى وان لم يكن كذلك، انها بالتالى تشابه الى حد كبير رفع المصاحف في معركة صفين من قبل معاوية.

وعليه إن الصراع المستمر بين مراكز القوى السياسية من المنطلقات الاولى التي تدعو كل قوة للاستفادة من واجهة تبريرية تؤمن بها المجتمعات المحكومة لشرعنة سياستها، سواء كانت الواجهة دينية او ايديولوجية او معرفية او اي مفهوم له فاعليته الاجتماعية. يمكن للكل ان يفسر الاخطار بشكل مشوه او يوجه العواطف او تبرر الرذائل ولانتهاكات. مثلاً ان السلطة الحديثة في العالم العربي غلفت نفسها ورسمت صورتها بمفاهيم لم تدعي انتماءها الى الدين من قبيل الهوية والوحدة (والقضية) وخطر الاستعمار لتوجيه الضمائر ضد اي اتجاه فكري او معرفي او ديني مخالف. وهناك نختلف مع ابو زيد الذي اكد على انطلاق هذه السلطة من الدين.

قد تكون الدولة الغربية هي الافضل تاريخياً، نظراً لوجود الدستور وقيوده؛ الا ان من الممكن جداً تفسير الاخطار من قبل المؤسسة السياسية بطريقة يوفر شرعية كاملة من قبل الدستور المذكور للوقوف ضدها، فينج اي رئيس او حزب رفضت رؤياه مدة من الزمن بالخداع ـ في العالم العربي بالقوة والخداع ـ وبعد ان يكمل ما يريد وينكشف يحاكم محاكمة لن ترقى الى مستوى الاضرار التي أحدثها وبالتالي تبقى الاضرار ولن تزول، بل تتكرر هذه العملية، طبعاً في عالمنا العربي  لن تكون هناك أي ملاحقة او محاكمة.

من هنا ان ما نريد قوله من ضرورة أن ينفصل المعرفي والديني والثقافي والأيدلوجي عن السلطة ، بحيث لاتمارس عليه اي عمليه ضغط. كما يجب التأكيد على تربية اكثر تعدديه واقل اقصاء.

اما فيما يتعلق بثلاثية التأثير على العقل العربي وهي ثلاثية قائمة على اساس السلطة بدءاً حيث تمارس الدولة توجيهاتها للعقل العربي بشكل نمطي، وعلى اساس الدين حيث يمارس حراس العقيدة من جهة والخوف من العواقب الآخروية من جهة ثانية قيداً اضافياً تتقيد به عقلنة الاشياء، والمعرفة التي تتحول بشكل مستمر الى ايديولوجيا تبحث عن اثبات ذاتها على حساب الآخر؛ فانا سنلاحظ ان ليس بالامكان تحرر العقل منها الاّ من خلال منع اي ممارسة مضادة ضد عمليات التفكير النمطي واللانمطي، المتقيد بالديني واللاديني. وهذا يعيدنا من جديد الى فرض الفصل بين كل ما هو فكري وما عداه.

 ثانياً : الخلافة

بين تجاذبات الماضي ومشكلة الحاضر

ليس بالامكان تجاوز الازمة السياسية التي يعيشها العالم الاسلامي منذ وفاة النبي( ص)، سواء في فترات الصخب والصراع ام عند الاستقرار والهدوء. وتحديد موقف تجاه جملة من المراحل والمعطيات والمواقف التاريخيه له دور في رؤيه اكثر فاعليه بسبب تضمن الازمة دلالات تاريخية وآنية.

ومن هنا سعى الدكتور نصر حامد ابو زيد الى نقد تجربة الخلافة، وهي التجربه الاهم سياسياً في تاريخ المسلمين نظراً الى طول فترتها، وتداعياتها، وما دار حولها من جدل وصراع.

انطلاقاً من المؤتمر الاخواني الخامس ـ نسبه الى الاخوان المسلمين ـ عام 1938 عرض الكتاب بعض تفصيلات البيان الصادر عنه، ودارت اهم  فقرات البيان حول قضية الخلافه، حيث تضمن تاكيداً على كون الخلافه رمزاً للوحده بين المسلمين، وانها شعيره اسلاميه يجب على كل مسلم ان يعمل من اجل توفير مقدمات حدوثها، وبهذا تصدر اولى الاصوات الداعيه الى عودة الخلافة بعد الغائها.

وفي معرض تقريره لما هو قائم من هدف الاسلام (السياسي) فان ابو زيد يحاول ان يربط بين نمو التيار الاسلامي ذو التوجيه الخلافوي (ان صح التعبير) والدور السياسي للنفط في المنطقة وبين تصاعد نغمة النداء بالخلافة في خطاب الراديكالية الدينية في العالم العربي والاسلامي، والحلم السعودي بزعامة العالم، وبه يفسر التناغم الفكري الحادث مؤخراً بين الحركة الوهابيه والازهر (المؤسسة الاهم لانتاج الافكار في الاسلام السُّني).

وبهذا فانه حاول ان يلقي الضوء على مرحلتين من الخطاب (الخلافيوي) بعد زوال الخلافة: مرحلة المنشأ التي مثلتها حركة الاخوان المسلمين في مصر والتي تاسست عليها جملة من الحركات الراديكاليه، ومرحلة الحاضر التي برزت فيها الاتجاهات السلفيه المنتميه الى توجهات تكفيريه اشد من توجهات الاخوان المسلمين وابنائها.

ويبدو انه اختار هاتين المرحلتين المنفصلتين لانهما بالتالي مرحلتا التاثير الكبرى لنمطين يبدو انهما مختلفان من حيث التوجيه، حيث تنتمي حركة الاخوان المسلمين الى النمط الوحدوي في العمل الديني، على الاقل من الناحيه الرسميه،  في حين ان توجه السلفيه الجديده توجه طائفي ضيق جداً، اضافه الى الاهميه الزمانيه لكل منهما وهي اهمية منطقة الانطلاق والحاضر.

وبهذا فانه حاول ان يلقي الضوء على جينالوجيا الدعوه الجديده لعودة الخلافه ليسهل عملية النقد، ويتعامل معها كشيئ يراد وجوده وليس مجرد تعامل مع مفاصل تاريخي منقرض.

 فصل الخلافة عن السلطة

في عام 1923 اقر كمال اتاتورك زعيم تركيا العلمانيه قراراً يقضي بفصل الخليفه عن لعب دور اكثر من المنصب الشرفي، وهذا ما اطلق عليه (فصل الخلافه عن السلطه) فلا يتمتع الخليفه باي صلاحيات سياسيه او اداريه، بل يقوم فقط باضفاء الشرعيه على الحكم القائم والتصرفات الحادثه وهو قرار اثار بعض الاسلاميين ورجال الدين في العالم الاسلامي.

الا ان ابا زيد يرى الى ان هذا القرار ليس سابقه اولى في تاريخ الخلافه بل وجد واقع مشابه له في اكثر من حقبه تاريخيه لها. الا ان ما يميز فعل اتاتورك هو تقرير هذا الفعل بشكل رسمي.

وعند مراجعة تاريخ الخلافه والسلطه بدات اولياتها في عهد الرشيد عندما ظهرت بوادر لاستقلال بعض الولايات بقراراتها، والحاله الاولى للاستقلال ظهرت ايام المأمون العباسي اثناء صراعه مع اخيه الامين عندما استقل الولاة الطاهريين في المنطقه الشرقيه للخلافه العباسيه بقراراتهم عن قرارات المركز بموافقه ضمنيه من المأمون، الذي اراد ان يستفيد من اعطاء الاستقلال النسبي هذا في صراعه مع الامين.

وتطور الفصل ايام المتوكل على يد الاتراك، حيث اصبحت صلاحيات الخليفه مهدده من الاتراك الذين دخلوا الى بلاط الخلافه من قبل المعتصم، فقتلوا المتوكل وعينوا ولده مما ادى الى تقليص صلاحياته وتحكم الاتراك بقرارات الدوله. مثلاً استحدث التركي مظفر المؤنس رئيس حرس في بلاط الخليفه المقتدر لقب (امير الامراء) وقام امير الامراء لاحقاً بعزل ثلاثة خلفاء هم المقتدر والمتقي والمستكفي، وكسابقه اولى ذكر الى جانب الخليفه في صلاة الجمعه.

وهناك حالات مماثله فرضت واقعاً كاملاً من قبل السلاجقة والبويهيين والمماليك والايوبيين ايام العباسيين والفاطميين. ولم يختلف حال الخلافه العثمانيه في اواخر القرن الثامن عشر من ذلك حين بدات بعض الولايات الداخلة في حدود الخلافه بالاستقلال في قراراتها عن الاستانه.

لكن يمكن القول ان قضية الفصل لم تبدا بوادرها ايام الرشيد، بل تعود اساساً الى عهد الخليفه عثمان بن عفان، بل هناك قرائن تاريخيه تدل على ان معاويه الذي كان والي الشام في عهد الخليفه عمر ، كان يخطط ويعمل من اجل فرض سياسه مستقله له في بلاد الشام طورها في عهد الامام علي.

وهذا ما يؤيد مقولة ان الاجماع اصلاً لم يحدث في اهم البيعات التي شهدتها مرحلة الخلافه الراشده ، حتى لو فسرنا الاجماع المطلوب حدوثه بانه اجماع اهل الحل والعقد وفقاً لكل تفسيراته، حيث يوجد تفسيران له، تفسير يرى فيه اجماع عموم المسلمين، وتفسير آخر ينسبه فقط الى اهل الحل والعقد، وبالتالي يكون اجماعهم كاف في نسبة القضيه الى الدين واعتبارها جزء من الدين

ولم يولِ الكتاب  هذه المساله اهتماماً، بل اكتفى بالاشاره الى عدم حدوثها، واعتقد ان هذا التهميش نابع من كون المساله شبه مقطوع بها من قبل الباحثين، حيث لاوجود للاجماع بناءً على التفسيرين

    رغم هذا اعتقد ان جزم العديد من الباحثين لعدم حصول الاجماع ام كون الاجماع يجب ان يعم كل المسلمين يبقى لايمس كثيراً التفسير  المستند الى اهل الحل والعقد، وهو تفسير مهما ً قيل فيه، يبقى يعاني من النخبويه، فاننا لا يمكن ان نجد مبرراته الامن خلال كون اهل الحل والعقد قادرين على ايجاد تاثيرات مهمه في بقية المسلمين ممن لاحول ولا قوه لهم،  اي ان عموم المسلمين لم يكن لهم قرار مهم مؤثر، وبالتالي فهم يستعينون بسادتهم (اهل الحل والعقد) لاتخاذ القرار وبالتالي تتحدد آراء السواد الاعظم بمواقف اصحاب الشان عندهم، خصوصاً في مجتمع قبلي كالمجتمع العربي آنذاك. وهذا المبرر لايمكن ان يصمد امام النقد خصوصاً اذا انطلقنا من حيث كون الاسلام الغى الطبقية كما يدعي رواد الاسلام السياسي، اضافةً الى هذا فان توضيح صورة اهل الحل والعقد تبقى ضبابية تاريخياً في ظل تعدد الشخصيات المختلف في تاثيرها وفي نفس الوقت كان لها موقفاً معارضاً تجاه السلطة والخليفة. بل انه وفي كل بيعه هناك من لهم قيمةوثقل صريح يقفون موقف الضد.

تهميش ابو زيد لبحث مسألة حدوث الاجماع وتفسيراته لم يقلل من طرحه للكيفية التي تم بها ادخال الاجماع في مصادر الدين وبالتالي اعطاء الخلافة طابعاً دينياً، بل منتمياً الى الجذور الدينية، فهو يسوق كلاماً للآمدي (370هـ) في كتاب (غاية المرام في علم الكلام) للبحث حول انتماء الاجماع الى مصادر الدين، ينص كلام الامدي على اعتبار الاجماع ركيزة أساسية برزت وشرعنت اصل مسألة الخلافة، وبالتالي كشفت عن عنصر ثالث بعد الكتاب والسُنّة له دخل في تحديد (المقدسات). وقد سبقت هذه المحاولة محاولتان للماوردي (423هـ) في(الاحكام السلطانية) وابو حامد الغزالي (505هـ) في عدد من آثاره.

من هنا فان الاجماع اضحى يحمل دلالات دينية معمقة في مجال علاقة الدين بالسياسي بعد ان كان محصوراً في اطار الفقه؛ مما يعني انتقاله من منطقة اصول الفقه الى اصول الدين. وهو امر سيسهم في ان يكون للاجماع دور في احاطة الخلافة بهالة دينية متينة تصل الى حد القداسة، بناء على الرؤية التي تقول بان الخليفة هو من الله خصوصاً مع ادراك مفردة خليفة الله ورسوله التي تضاف الى كل خليفة.

وبالتالى فنحن امام جملة من الدلالات تكشف عن تناقض بين طابع القداسة الذي يحاول الكثيرون اثباته للخليفة وبين الموقف تجاه الخروقات الحاصلة تجاه سلطته حتى من قبل شخصيات يحضون بطابع القداسة من بعض دعاة الاسلام السياسي. مما يدل على تقاطعات معرفية في الذهنية الدينية السائدة .

وعلى مايبدو فان مثل هذه التقاطعات في البنة المعرفية والوضع الذي سارت نحوه الخلافة بمرور الوقت والنداءات الاخيرة التي تطالب وتعمل من اجل عودتها تدفع الباحث الى التساؤل عن المبررات التي يمكن ان تستند اليها مسألة الحكم .

فما هو مدى علاقة الخلافة بالدين ؟

ألا يمكن ان تكون المسألة قد اقحمت في اطار الشعائر والمفاهيم الدينية لمنطلقات ايديولوجية وسياسية براغماتية محددة؟

أليس اعتبار اي خليفة جزء من الدين وسياسته مشروعة ومصححة دينياً وطاعته أمراً مقدساً يمكن ان يتقاطع مع الرؤية الدينية التي تنطلق اساساً من خلال مجموعة محددات ضرورية؟

من هنا بحث الدكتور ابو زيد في المبررات التي شرعنت على اساسها الخلافة ومن ثم قدست باحثاً في الاجماع أهم مرتكزات الكلام والفقه السُنيين في مسألة الخلافة، والاختيار المرتكز الذي فذلكه الغزالي المفكر السُنّي المسلم، مع اشارات متناثرة تتعلق بالنص مرتكز الفقة والكلام الشيعي في مسألة الامامة.

 

القسم الثاني