|
الإدراك
والمدرك العراقي وسبل النهوض به
أ.د. متعب
مناف
في تقرير التنمية الذي
اصدرته الامم المتحدة للعام 2002 والتي درست فية الوضع المجتمعي لبلدان
الشرق الاوسط ومنها العراق، توصلت إلى نتائج ترتب عليها العديد من ردود
الفعل لدى حكومات هذه البلدان إلى الحد الذي وضعت فيه الأنظمة المتسلطة في
هذه المنطقة بين خيارين اما ان تحقق الاصلاح في مجال الحرية والديمقراطية
من الداخل او ان يفرض عليها من الخارج.
وتقرير الامم المتحدة
(2002) انما يبرز العديد من العقبات التي تقف في طريق تطوير وتنمية هذه
المجتمعات للنهوض بها الوضع المتردي الذي تعيشه والذي لا يؤهلها التمتع
باهلية حضارية تجعل منها بلدان مقبولة عالمياً.
وفي مقدمة هذه الصعوبات،
المديات المتدنية لحقوق الانسان في الحياة والاختيار والاختلاف والتمثيل
،وحقوق المرأة والطفل والمعاقين اذ ما زالت هذه الحقوق التي هي طبيعية في
الشرائع الدينية والوضعية تعتبر من السنن التي يتفضل بها حكام هذه البلدان
الذين تعيش بلدانهم في ظل قوانين الطوارئ منذ الخمسينيات القرن الماضي
العشرين لذا فأن من السهل اعتقال الافراد ووضعهم في السجن دون توجيه اية
تهمة اليهم وبدون مراعاة للمواثيق الدولية المعترف فيها وفي المقدمة منها
اتفاقيات جنيف العام (1948) واللوائح والمواثيق الدولية اللاحقة التي تحّرم
توقيف الانسان لاكثرمن (48) ساعة دون توجيه تهمة له والا اعتبر تعسفاً
تمارسه السلطات الحاكمة دون وجه حق مما يعرضها للمسألة الدولية.
لقد ابرز تقرير التنمية
للامم المتحدة (2002) المستوى الحياتي المتدنّي للطبقات الاجتماعية ذات
الدخل المحدود والتي وصلت بها الحال إلى الكفاف كما في العراق والصومال
والسودان بل وحتى في الاقطار النفطية الدخل كالسعودية والجزائر والمغرب
واليمن وما يترتب على مثل هذا التراجع في هبوط في المستوى المعيشي وانخفاض
في تامين غذاء تتوفر فيه الحدود الدنيا للسعرات الحرارية لادامة حياة
انسانية للانسان.
انعكس هذا على صحة الام
واطفالها ما اشاع العديد من الامراض التي اوشك بعضها كالسل والملاريا
والجدري ونقص التغذية والحصبة والسعال الديكي وبعض الامراض (المستوطنة)وتلك
التي لها القابلية على الانتشار متحولة إلى وباء (epdemic)
كالكوليرا والطاعون إلى الظهور ثانية في مثل هذا الوسط البائس.
فاذا اضفنا لهذه الامراض
(التقليدية)الكوارث الطبيعية وشحة مياه الشرب وتلوث الهواء والتربية
والغذاء وما افرزته التكنلوجية الحديثة من امراض الادمان على المخدرات
بانواعها والتي يزرع العديد من اصنافها في منطقتنا كما في زراعة الحشيش
(القنب الهندي)الخشخاش في الريف المغربي وفي بعض المناطق مثل افغانستان
وباكستان وايران وبقربها فيما يسمى بالمثلث الذهبي والمكون من بورما
وكمبوديا وتايلند .
وبذلك تحولت منطقة الشرق
الاوسط اما منتجاًاو مَعبراً لهذه السموم التي بدأت تستشري في اجسام
مجتمعنا ومجتمعات العالم،يصاحبها مرض العصر السيدا(hiv)او
ما يعرف بمرض نقص المناعة المكتسبة الذي لايموت فايروسه الا بعد ان يموت
الانسان نفسه.
وتعاني منطقة الخليج من
انتشار مثل هذا المرض، في الوقت الذي وصل الينا من خلال الدماء والمصول
التي تستعمل في مستشفياتنا والتي يتم استيرادها من الخارج .
وتأكيداًعلى الجوانب
الاقرب الينا في تقرير الامم المتحدة (2002) فقد تم تاشير نسب متدنية في
التعليم اذ بلغت الامية اكثر من 65% من افراد المجتمع العراقي. أما الامية
الثقافية اي القدرة على فتح حوار مع العالم (dialosue)
فإنها تصل إلى 85% اي ان الامية الثقافية وليست الأميةالابجدية هي التي
تحكم على شعبنا بالتخلف.
يرتبط بهذا التراجع
التعليمي/الثقافي تدني في مستويات الدخول بسبب الضائعات المالية التي
افرزتها سني الحروب الطويلة وما ترتب عليها من بطالة وعوق وموت أحد الابوين
اوكليهما وتشرد الابناءوالبنات وهم في سن مبكر حيث انعدمت مشاريع الرعاية
الاجتماعية.
وبذلك اصيبت الاسرة
العراقية التي تميزت بالتماسك وحبها لأبنائها وبناتها بالتفكك بفعل غياب
الاب وانعدام الديمقراطية والتي تسمح بتبادل الأدوار في الوسط العائلي
وانعدام تأثير الاقارب ضمن مايسمى بالعائلة المجتمعة(Extended
Family) او العائلة
المركبة حيث يعيش الأحفاد والابناء والآباء والأجداد تحت سقفِ واحد والتي
تسمى (compound family)
او ما يسمى في وسط وجنوب العراق (الريف العراقي) بالبيت وذلك بكسر الباء (House
Hold) اذ تم التحول
إلى العائلة النووية (Nuelear
Family) والتي تحاول ان تبعد الاقارب خارج النطاق العائلي وعلى الاقل في المدن أي
(المهاجر) التي وصل اليها ابناء الجنوب العراقي وبغداد بالذات وعلى الاخص
بعد ان تقدم الحراك السياسي (Political
Mobiaty) وتراجعت بقية
الحراكات كالاجتماعية والاقتصادي والثقافي وانتقال الصناعة (الدكاكينية)
إلى الصناعة(المعملية) التي تستخدم اكثر من (10) عمال فاتحة المجال امام
تنويع في الاقتصاد العراقي الزراعي الطابع وامتصاص الايدي العاملة المتعطلة
او تلك التي تكون بطالتها متخفية كما في حالة زيادة اليد العاملة مقارنة
برأس المال وذلك لإيجاد نوع من الامن الاجتماعي ولو كان على حساب الانتاج
وكلفته وجودته وقدرته على المنافسة.
لقد حدث في العراق وعلى
الاخص منذ الخمسينات في القرن العشرين الماضي ان تعاظمت حركة الحراك
السياسي وتراجع الحراكات الاخرى وبالاخص الاجتماعي.
وتمثل هذا الحراك
(السياسي) بالدولة (الوطنية) والتنظيمات الحزبية التي ارادت ان تعيد بناء
(المجتمع العراقي) وفق تصوراتها.
وبدلاً من ان تفتح الفرص
امام الجميع بهدف الارتقاء بالمجتمع من حالة التخلف وتمكينه من نفض غبار
السنوات المليئة بالجوع والمرض والأمية ، فانها ترغب في اعادة بناءه
سياسياً اذ اعتبرت الدولة (الوطنية)نفسها اكبر المرجعيات الحاكمة والمتحكمة
في رقاب الناس وبالذات فيما يسمى في الثقافة الشعبية(بارزاق الناس) اي
بدخولاتهم وسارت هذه الثقافة(الشعبية) بين ان تقطع الاعناق والتي تمثل حالة
الفناء والامحاء ولاتقطع الارزاق للدلالة على حالة الفقر والعوز والحاجة
التي وصل اليها افراد مجتمعنا فالموت يمكن ان يكون اخف وقعاً من قطع
الارزاق فما هو نفع الرزق اذا انتهت حياة الانسان بالموت؟
ولكن الحقيقة ان الانسان
يموت ولكن الفقر لايموت ثم ان تعبير مسكين (Meshcno)
السومري والذي يعني الشحص الذي لايستطيع تأمين اكثر من وجبة واحدة من القوت
،عراقي الصك.
وبالمقارنة مع السلوك
المصري في حالة الفقر والحاجة والاخلاق فان التشابه قريب ان لم يكن متطابق
بين ما يتعرض له الفرد العراقي والمصري من معاناة في توفير رزقهما
فالاقتصادان العراقي والمصري زراعيان ولكن الأختلاف في الأستهلاك والتوزيع
والصبر على الجوع رغم دخول البعض وتحول الدولة في العراق إلى دولة ريعية
تعتاش على ما تدفعه الشركات المنتجة والمستهلكة للنفط من نفط هذه البلدان
نفسها اي ان علاقة بلداننا بالنفط كسلعة قُدر لها ان توجد في اراضينا وليس
كمكون اساسي يبنى عليه الحاضر والمستقبل في بلداننا وعلى الاخص بعد ان توقف
بيع النفط خاماً ونبيعه مصنوعاً وبالشكل الذي نتحكم فيه تسويقاً وبيعاً دون
ان ننظر ما تتفق عليه الاسواق الاحتكارية في اوربا وامريكا التي تتحكم في
نفوط الشرق الأوسط انتاجاً وتسويقاً وتسعيراً ناظراً اليها من خلال حاجاتها
الراهنة والمستقبلة إلى الطاقة حاسبة في الوقت نفسه ما يمكن ان تسربه من
تكنلوجيا النفط انتاجاً وتسويقاًوتصنيعاً تبقيها في الحدود الدنيا وذلك
لتكريس التخلف والتبعية في اقتصاديات البلدان المنتجة لهذه المادة الناضبة.
نظرة في العمق
إلى تقرير الامم المتحدة للتنمية لعام 2002
ان النظرة الاعمق لتقرير
الامم المتحدة للتنمية لعام 2002 ورغم كل النواقص التي اشرها والارقام
الدّالة على التخلف والتراجع التي اوردها انما مر وبسرعة على حقيقة هي انه
لم يقدر حالة (التجهيل) (State
of Ignoraee ) والتي
لاتقل أثراً عن (التخلف) (Baekwaidmess
) واذا كان التخلف ناتجاً لعوامل التردي الاقتصادي او النقص التعليمي
والصحي ومحدودية مشاريع الرعاية الاجتماعية والركود الذي يعانيه المجتمع
والمتمثل بالجمود على الاعراف والتقاليد والمشتركات السلوكية التي تكررها
الاجيال الراهنة بشكلها ومضمونها والتي تمارس في المدينة كممارستها في
الريف رغم الاختلاف النوعي بين السلوكيات الريفية والمدنية ففي الوقت الذي
تعيش فيه السلوكيات الريفية على مشتركات سلوكية متوارثة كالفصل والنهوة
وزواج ((الگصة بالگصة)) والثاروالتقالب والتسليم بما وقع ويقع والاعتبارات
الخاصة بالعمل والتعامل كالرجولة المفتعلة وأزدواجية الشرق (داخل العائلة
وخارجها) ومعاملة المرأة بدونية اقرب إلى الحيوان(فصل الكلب اكثر من فصل
المرأة) والتضحية في سبيل القبيلة/العشيرة وربط الانتساب اليها مكملاً
بالغنيمة والرجولة وتصور العالم حدوداً تنتهي بالآل والبني والسلف والفريج
والنزل.
مما يقسم الفعل الأجتماعي
للفرد ويجعله يهتم باصغر مساحة للحاجات والمشتركات حيث يمكن ان تمارس عليها
الاعراف اما خارجها فارض مشاع يمكن ان تعطل فيه المتعارفات
السلوكية(الاعراف والتقاليد والفلكلوريات) ويبقى الفاعل السلوكي الحقيقي
وهو القوة التي تمارس بكل وحشية حيث يتم التداخل بين القتل والوحشية والقوة
والرجولة وقد يؤدي هذا إلى الفرهود والتعدي على املاك الغير لان هذا الغير
- وهو عراقي- انما يقع في دائرة اللاقبيلة اي خارج نطاق التسميات القبيلة
لذا فان ممارسة اي سلوك وعلى الاخص اذا كان مقترناً بالعنف والقتل سلوك
مقبول وذلك للتخفيف من الضغط النفسي داخل الحدود والتقاليد للعشيرة/
القبيلة/ السلف/الفريج/ النزل من ناحية وتهيئة(تدريب) لكي تكون القبيلة او
اية تكوينة عشائرية جاهزة في قدرتها لرد المعتدي عن الحياض والاعراض التي
يهون امامها الدم اذ ان الشرف الرفيع لايمكن ان يسلم من الأذى حتى يراق على
جوانبه الدم،مع ترك مساحة الدم التي قد تشمل حدود المجتمع بل حتى حدود
العالم.
هذا جانب من التجهيل الذي
كرس تعليمياً كما في حالة الدم والشرف والكرامة التي تعني الغاء الاخر
المختلف والغريب الذي يمثل تهديداً واختراقاً للشرف والوجود والعرف
والقبيلة لذا فان ازاحته مستحبة وأستئصاله واجب.
لقد رفعت الدولة بمدارسها
وبمعاهدها وكلياتها مثل هذه الممارسات في استباق التعدي لكي يمكن ان تقضي
على المتعدي في الارض المتروكة خارج نطاق العرف الاجتماعي وضخمت سلوك
العدوان هذا فحولته إلى جهاد ضد اعداء خلقتهم عن طريق ماكنتها الاعلامية
الدعائية مع ضخ كم من مفاعيل الحرب النفسية في هذه الجرعة التعليمية التي
برزت العدوانية لدى الاطفال واصرت على ان ينتقلوا بهذه العدوانية وهم
يافعون ثم رجال.
وبذلك تحولت العدوانية إلى
(مدرك) صاحبه مدرك اخر هو (الخوف) الخوف من الغريب الذي يمكن ان ينقلب على
الانسان نفسه رغم قرابته فكيف بالبعيد (الاخر) الذي يخالفه في الدين
والتكوينية البشرية (الاثنية) والتوجه (المذهب).
هذان المدركان (مدرك
العدوانية ) و(مدرك الخوف) احتكرتهما السلط في العراق وعلى امتداد ساحة
الشرق الاوسط لنفسها فهنالك خوف من الحكومة /السلطة في الداخل فالولاء كل
الولاء للدولة الدولة اب والحاكم رب وهي (الدولة) التي تعطي وتمنع، فبيدها
الرفاه والجوع وليس هناك من ينازعها واي اصطفاف مع غير الدولة (المانحة
والمانعة) خروج على الاجماع ووصمة عار ترقى إلى التخوين والعمالة وبيع
الشرف والكرامة دون مناقشة ولو سريعة لما يربط بين مفردات هذه التكوينة
المتناقضة والموضوعية المصنوعة لبناء صنمية الدولة التي تتعدى من شخصنة
حاكمها والوصول به إلى العصمة الزائفة.
ومن اشكال التجهيل استيلاء
الدولة على الثقافة واستئثارها بالدين الذي يسعى لخير الناس فالنبي(ص) لم
يرسل الا لهداية ورحمة العالمين والامام علي (ع) يقول: الناس صنفان إما اخ
لك في الدين او نظير لك في الخلق.
فالكل عباد الله والأديان
انما نزلت لكي تؤشر السبل والطرق بعيدأً عن المنعطفات والمطبات والاغلاقات
التي تحول دون الوصول إلى الخالق سبحانه وتعإلى ((يا ايها الناس انا
خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن اكرمكم عند الله
اتقاكم)).
فالناس مخلوقون غير منزهين
لا يمكن الا أن يجمعوا في سلوكهم بين الانسجام والاصطدام.
هؤلاء المخلوقات
(الإنسانية) التي خلقت وفق ابعاد الصورة الالهية انما قدر لها ان تكون
شعوباً ـ وهي حالة الاستقرار ـ وقبائل ـ وهي حالة التنقل والارتحال ـ ولكن
في الحالتين التجمع كشعوب او كقبائل انما القصد منه التعارف وتفشي التواصل
والتفاعل والاطمئنان إلى بعضهم البعض والذي يسمى بالامان (النفسي/
الاجتماعي/ المجتمعي) وليس غزوهم او التعدي عليهم وافنائهم لانهم يعيشون
على الاطراف والحواف وبذلك ينطلق الانسان/الفرد في سلوكه من التمسك بحالة
(التشابه) اي ابقى على كل من يشبهني واتخلص من كل من لا يشبهني، وهذا
المدرك (التشابه) هو مدرك خطير لانه ينزل بالانسان إلى مستوى صراعي يكرسه
في (الدائرة الحيوانية) التي عمل على الخلاص منها منذ ان آمن بالالوهية
فالكل مخلوقات الله وكل يجد طريقه نحو هذه الالوهية من خلال ربعه اوسطه او
جماعته او مجتمعه.
لذا فان (مدرك التشابه)
وهو من المدركات المعوقة للمسيرة الإنسانية لابد من ان يتحول إلى (مدرك
الاختلاف) فانا اقبل الاخر لانه نظير لي في الخلق ولا احجر على حريته في أن
يجد طريقه وطريقته ومن خلال وسطه الاجتماعي لذا فان لم التق معه في الوسائل
فلكل منا دينه، فانني ألتقي معه في الغايات الإنسانية التي تقود الى الحق
والعدل وهي من أسماء الله.
وهناك مدركات اخرى مثل
مدرك تجاوز الآخرين دون حق او (مدرك الاستعلائية/ الدونية) الذي يصنف الناس
ليس حسب قدراتهم وإنجازاتهم وانما وفق رغبته في أن يستعلي عليهم لكي يبقى
متسلطاً عليهم وهذا ما أكدته الآية أن (فرعون علا في الأرض) واتخذ من
الآخرين شيعاً فرقهم بها ثم تحول نحو تذبيح أبنائهم وأستحياء نسائهم أي
يعتدي عليهن.
وهناك مدرك(ريفي/ حضري)
وهذا من نواتج الحراك السياسي/ الحزبي الذي استغلته بعض الأنظمة او كلها في
عراقنا وجوارنا العربي والمسلم والشرقي وذلك لبناء مكانات اجتماعية/
اقتصادية/ نفعية غايتها محض الولاء للسلطة الحاكمة مقابل التنعم بالمال
والمال العام بالذات رغم كونه سحتاً حرام .
وهذا يلاحظ في المدن
الكبرى والعاصمية بالخصوص حيث تتوافر السلع والخدمات والفرص التعليمية
والوظيفية والأثرائية وبذلك يكرس هذا الضرب من المركب المدرك لأن يصار إلى
أن ما يعطي هو عبارة عن ِِمنَّة وتنازل لإبقاء الأبعاد الاجتماعية خاضعة
للحظات التبدل والتغير. فان ما يعطى للريفي هو مِنّة من الدولة المتحضرة
التي تتمتع بالشرعية والشعبية وأن ما يعطى لهم يوجب عليهم أن يكونوا
أتباعاً عبيداً والاّ فهم (ريفيون/عرب/معدان/بدو/لفو/طارئون)، لا جذور لهم،
هم أشبه بنخل (القلع) الذي ينتزع من أطراف المدينة ومن المناطق التي يكون
فيها الاحزمة والحواف، لكي يزرع في الشوارع والمساحات وسط المدينة.
اما مدرك اخضاع الوسائل
للغايات او ما يمكن أن يسمى (بمدرك انتهاز الفرص) فأنه يمثل ظاهرة مرضية
سادت الاوساط الاجتماعية وفي المدن العراقية وغيرها من الاوساط الحضرية على
امتداد الشرق الاوسط العربي والمسلم وكذلك المنطقة الخليجية.
إن انتهاز الفرص يبدو
ظاهراً اسلوب من اساليب التعامل وبحذق مع المجالات التي تفتح من الدول او
المجتمع لأيجاد حالة من التنافس تفضي إلى ختبار الافضل وهو سلوك رغم
استيراده ضمن الرزمات السلوكية التي تم استيرادها (paekase
Deal ).
إلا أن مثل هذا الأسلوب
انما ارتبط بما نسميه في مجتمعاتنا (عراقية/ عربية/ مسلمة/ شرقية) بالتغالب
والمغالبة والتي تعني التعدي والتجاوز على الآخرين دون حق اما بالقوة او
الواسطة او التزوير والتدليس وما اليها من طرق غير مقرة اخلاقياً
واجتماعياً ودينياً وانسانياً ولكنها مطبقة نظراً لسهولة استدعائها وبالاخص
في فترات التحول او القلق الاجتماعي.
وتطول قائمة المدركات ذات
الطابع السلبي ومنها (مدرك خلط المادي بالمعنوي) و(مدرك التلاعب في السلم
القيمي) الذي يعيد ترتيب القيم فقد ينقلب من التكافل إلى التعامل الحدي في
الحياة والسوق والسياسة فهويؤمن بالدين وما ورد فيه من تراث في التسهيل وان
الزواج بالفقراء يغنيهم الله ولكنه مع كل هذا الايمان وايراد القصص
والأمثلة عن الذين سبقونا زماناً وعلماً وديناً الاّ أنه يظل يبحث عن
الأكثر علماً وثروه لابنائه وبناته اي وفق الاسلوب الذي تمارسه الشخصية
المصرية في مجال الحاجات (هذه حاجة وتلك حاجة) او المقامات او المراتب حيث
تلح الشخصية المصرية التي تعيش أدنى حالات الفقر والجوع والحاجة والكفاف،
على توخي المقامات او المراتب، لماذا؟
الجواب حاضر: لأن الناس
مقامات!
وهناك (مدرك التديّن) الذي
قد يصل به إلى حساب التفاعل والزمن والحياة والتعامل وفق دالات ومدلولات
دينية وبذلك تتفضل الدولة على هؤلاء سارقة لهم مكانات اجتماعية تعود عليهم
بالفائدة عندها يمكن ان تتحول الدولة إلى مركز يستقطب (الغير) بفعل ما
يذيعه او يروجه من طروحات وعلى الأخص في اوساط لم تصل في ادراكها إلى حد
الفرز والتفريق.
ومثل هذة الشخصية التي
حشرتها الدولة في النسيج الاجتماعي لابد ان يتقاطع سلوكها مع وسط اجتماعي
متداخل ومركب ومتعدد بطبعه اذ لا يمكن اختصار المجموع في واحد بعيداً عن
التكرارات والاختلافات عندها يمكن لاصحاب مثل هذا المدرك ان يرموا غيرهم
بالخروج عن جادة الصواب او الانحراف او الكفر وبذلك تم تجاوز الثوابت
الدينية التي تدعو إلى التسامح إلى حد الصفح والتجاوز والقبول.
(مدرك الطائفية) ومثل هذا
المدرك انما يحاول ان يفهم ويتعامل مع الحياة وفق الأبعاد التي يعتقد انها
صحيحة فالطوائف كلها أساسية ومحترمة وليس هناك خلاف في أهليتها وفاعليتها
في اغناء النسيج الاجتماعي لان المجتمعات كلما تعددت في دياناتها
ومعتقداتها، كلما كانت اكثر غنى وأغزر عطاء واستطاعت ان تختصر الطريق إلى
تحقيق السلم التصالحي والأمان الاجتماعي بفعل التنوع والتعدد في الجهود
التي تحفر في هذا التوجه شرط الاّ تكون هناك وصاية من طائفة اوطيف او مكون
على الآخر، لان مثل هذه الوصايه قد تقود إلى الاستعلاء مما قد يؤدي إلى
الأزاحه والتهميش والأستئصال وبذلك يفقد المجتمع كماً ونوعاً من الفعل
والتفوق يمكن ان يعبر حالة التخلف التي يشكومنها هذا المجتمع. فالطائفة
مقبولة ولازمة اجتماعية لانها تغني التعددية والتحول نحو تعدد الأصوات
وتجاوز الصوت الواحد.
الاّ ان الطائفة لايمكن
القبول بها لأنها تعدى على الآخرين ومثل هذا التعدي قد ينقلب إلى العداء
والعدوانية وهذا ما نطمح نفسياً واجتماعاً إلى الحد منه او تخليص الشخصية
العراقية من ضغوطه لانه يستنزف جانباً كبيراً من طاقاتها التي يمكن ان تحول
إلى البناء والابداع.
حصر هذه المدركات:
1. مدرك
(الأعراقي/التقاليدي/العاداتي) .
2. مدرك (خلق
الأعداءسياسياً ).
3. مدرك (خلق الأعداء
اجتماعياً).
4. مدرك (الخوف
والتخويف).
5. مدرك (ابَويَّة
الدولة/ السلطة).
6. مدرك (التشابه لبناء
الهوية، رفض الآخر).
7. مدرك (الأختلاف لبناء
الهوية، قبول الآخر).
8. مدرك (الأستعلاء
والدونية).
9. مدرك (ريفي/ حضري،
قبول تهميش).
10. مدرك ( الطائفية).
11. مدرك ( خلط المادي
بالمعنوي).
12. مدرك (التلاعب في
السلم القيمي).
13. مدرك (التدين).
14. مدرك (الوصاية
والأستعلاء).
هذه المدركات هي في
الحقيقة مدركات/مركبات اي انها تضم العديد من تناقضات الفعل السلوكي التي
أثرت الحضارات والديانات والسياسيات الحديثة (الايديولوجيات) في تكوينها
واختيارها اجتماعياً من خلال المجتمع، وسلوكياً من خلال التصرف بها فردياً
.
كيف تفكك هذه
المدركات ؟
يمكن لهذه المدركات/
المركبات (Complexes)
ان تفكك وفق الخطوات البحثية/ الأجرائية التالية:
اولاَ: مرحلة التشخيص(Diagnosis)
حيث يتم في هذه المرحلة
البحث في المدرك/ المركب تعريفاً ونشأةً وشكلا، وتأثراً باعلام الحواسيب
والوافدات التكنلوجية الحديثة (تاثره بالصدمة الحضارية والعولمة).
ً ثانياً :
مرحلة المتابعة (Prognosis)
يتم متابعة المدرك/المركب
خلال حقب تاريخية/اجتماعية من خلال الملاحظة او القرآءة او النظر
الميداني(عيّنه وأحصاء).
الفرز (Classification)
اي فرز المكونات الصعبة
والسهلة ومحاولة التعامل مع الاكثر استجابة منها اذ يمكن التعرف على مدى
تمكن المدرك/ المركب عمرياًُ (تأثر الأعمار بالمركب) مكانياً(ريف/مدنية)اوايديولوجيا(الارتباط
بتوجه سياسي) او طبقياً (مدى التداخل بين المدرك/ المركب والانتماء
الاجتماعي/الطبقي، اي بناء الدور والمكانة من خلال المدرك/ المركب)
اقوامياً (اثنياً او تكوينياً) طائفياً(الحضور الطائفي في المدرك/ المركب)
دينياً (ارتباط المدرك/ المركب بالدين) عشائرياً (ارتباط المدرك/ المركب
بالعشائرية انتماءاً وتصرفاً)
التقويم (Evaluation)
ويرد به وزن كل الحصائل
التي تم التوصل إليها من خلال التشخيص والمتابعة والفرز والتقويم وصولاً
إلى كيفية التفكيك.
النتائج
والتوصيات
نتائج البحث في مدى نجاح
التفكيك ثم الإيصال بالشكل الذي يتابع فيه المدرك/ المركب لحسم تفكيكه.
|