|
إشكالية
الإسلام والعلمانية
سالم جلود
القسم الأوّل
مقــدمة
كثيرة هي الدراسات التي تناولت قضية الدين
والعلمانية تحت عناوين متعددة ومن زوايا مختلفة وارضيات
عقائدية متنوعة وازمان متفاوتة بين متعصب للعلمانية ومتعصب
للفكر الديني ومن يحاول ان يقدم حلا توفيقيا تجاوريا يفتقد
الانسجام والتناغم، ولا نعدم بين هذا وذاك من يشير الى
افكار مبتكرة ومؤثرة.
وفي الوقت الذي تضيق فيه الحلول المتطرفة
المترشحة عن أي منظومة فكرية دينية او دنيوية عن احتواء
الواقع العصي على التوحد والمائل الى التعدد والتنوع فان
الخيارات المتزاوجة هي الارضية المناسبة للنقاش والحوار
والدراسات التي يجب تفعيلها وتعميقها لاختيار انسب الصيغ
الملائمة للمجتمع في ظرف و زمن معينين.
كما ان نقل الاشكالية من خصوصيتها في مجتمع
معين او حضارة معينة الى وضعنا الخاص والمختلف مصدر
ديـمومة لهذه الاشكالية لانها معالجة خارج منطقة الداء،
نعم توجد في التجارب المشابهة في المحتمعات الاخرى الكثير
مما يمكن الاستفادة منه ولكن ليس الى درجة التطابق والا
وقعنا في مطب الخيال نمارس فيه علاجا لايجد سبيله الى
الواقع.
ان الخيار الديني المقابل لخيار العلمانية في
مجتمعات الحضارة الغربية الراهنة قابل بحكم تعليمه الديني
نفسه للفصل والاقتصار على الشان الشخصى او الاجتماعي غير
المتصادم مع توجهات الدولة فان تبني مبدأ " .. ما لقيصر
لقيصر وما لله لله" يتجاوز المسافة الاكبر في اشكالية
الاختيار بين الدين والعلمانية في اطارها الغربي.
اما في مجتمعاتنا العربية والاسلامية فالامر
مختلف اختلافا نوعيا وليس شكليا فالدين هو الاسلام بكل ما
يمثله من عقيدة شاملة مهيمنة ومجردة في نفس الوقت، تعالج
شؤون الدنيا والدين ، تمتلك رصيد تشريعي ضخم يمتد الى كل
شؤون الحياة، ويختلف المسلمون في امور كثيرة الا في
القران، الكتاب المقدس الذي صفته " ..لا ياتيه الباطل من
بين يديه ولا من خلفه"، وفي قضية ثبات الاحكام اكدت السنة
النبوية ان "حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرامه الى
يوم القيامة" و"ان هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم " بل ان
الاسلام يقرر ان مسيرة البشرية تتجه اليه بعد التجربة
والكشف العلمي المتواصل " سنريهم اياتنا في الافاق وفي
انفسهم حتى يتبين انه الحق أولم يكف بربك انه على كل شيء
شهيد".
بناء على ما سبق فان تهميش الجانب الفاعل من
العقيدة الاسلامية سياسيا واجتماعيا امر لا قيمة عملية له
لبناء مجتمع مستقر، كما ان تجاهل المد العلماني للحضارة
الحديثة وما تمتلكه من وسائل القوة السياسية والعلمية
والتكنولوجية امر بعيد المنال، بل ان المعالجة تتخذ اتجاه
التركيز على الجوانب المرنة في الاسلام والجوانب الحيادية
العلمانية تجاه الدين لحصر الاشكالية في اضيق نطاق ممكن
وهو امر يضمن لمجتمعنا سيرا صحيا نحو النمو والتكامل.
ونحن نعتقد ان الاهداف الصحيحة للدين
والعلمانية معا يلتقيان كثيرا ويختلفان قليلا وهذا ما
سنلقي عليه الضوء في هذه الدراسة التي سيتم فيها اولا عرض
نحاول ان يكون مركزا لاساسيات الدين والعلمانية بصورة
عامة ثم نجري عملية مسح لمجمل الافكار الناقدة للدين
والعلمانية ثانيا وثالثا الفصل بين نقاط الاختلاف بينهما
التي لا يمكن تجاوزها الا ان يصبح احدهما الآخر ولكنها -
أي نقاط الاختلاف- قابلة للتعايش وما سواها هي نقاط تناقض
موهومة بسبب اخطاء في التقييم والتطبيق، واضعين ما نتوصل
في هذا التحليل على شكل نتائج للبحث رابعا.
الدين
يعرف الدين بصيغ متعددة فهو:
(نظام يتكون من عقائد وممارسات وطقوس لها
قدسيتها وحرمتها)3 ص297
(الاعتقاد بكائنات عليا) حسب تعريف العالم
الانكليزي الانثروبولوجي تايلور 2 ص167
(ان الدين ما اوحى به للناس من قبل الاله
لتحديد الطرق التي يتبعونها في الحياة ورسم سلوكهم تجاه
بعضهم البعض وتنظيم علاقاتهم فيما بينهم وبين الاله
خالقهم) 2 ص167
يتضمن الدين عقيدة تحدد نظرة الانسان الى نفسه
والى الكون والحياة ومبادئ اخلاقية وتشريعية فردية
واجتماعية تحكم علاقته بالاله من جهة وباقي افراد جنسه من
جهة ثانية والطبيعة من جهة اخرى ثالثة.
وهنا نلاحظ ان للدين ثلاثة جوانب وهي:
الحانب الفردي البحت الذي لا تاثير له على
الاخرين مثل الاعتقاد بوجود عالم اخر يحاسب فيه المرء على
اعماله.
الجانب المؤثر بصورة غير مباشرة على الاخرين
مثل التمسك بعدم التعامل مع البنوك التي يعتقد بربويتها
وما تنتج عن ذلك من ارباك للعملية الاقتصادية في مجتمع
تشيع فيه هذه البنوك.
الجانب المؤثر بصورة مباشرة في المجتمع مثل
الاعتقاد بوجوب تطبيق الاحكام الاسلامية المتعلقة بتنظيم
المجتمع بكافة مجالاته.
وبالنظر لهذه الجوانب الثلاثة نلاحظ على
الجانب الاول والثاني هو طبيعة التميز والتفرد والخصوصية
لافراد وفئات عديدة ، وانه امر غير مختص بالتدين فقط بل
بمجمل التيارات الفكرية والايدولوجية الاخرى ، وان هذه
التاثيرات مثلما قد تكون سلبية فان منها ماهو ايجابي ويصب
في الصالح العام وحتى ما يشخص كونه سلبيا منها قد يختص
بجهة محددة كان يكون سلبيا من الناحية الاقتصادية البحتة
مثلا.
التقسيم السابق والتعليق عليه يختص بما هو
ثابت ومبرهن عليه يقينا انه من الدين اما الفكر الديني وهو
نشاط بشري محض يتخذ من الدين مصدرا له فهو يخضع حاله حال
الفكر عموم الفكر الشري الى النقد والتقويم الدائمين نظريا
وعمليا وفي هذا الميدان بالذات توجد الاشكالية التي سنشير
الى بعض مظاهرها.
ان الجانب الثالث هو محل اشكالية الدين
المطروحة على الساحة الفكرية وهو ما يمكن البحث عن حله عبر
طريقين اولهما الدراسة العلمية الدقيقة لتحديد مدى ارتباطه
اما بالثابت من الدين او هو اجتهاد له درجة من الاثبات لا
تصل حد القطع، فان لم يثبت ذلك كانت هذه خصوصية حقيقية
لاينبغي للتيار الاسلامي ان يتنازل عنها ولا لغيره ان
يطالبه بذلك ولكن يؤطر خياره هذا وبقية الخيارات المختلفة
باطار الانتخابات التي تظهر اختيار المجتمع. ان كون
الانتخابات وسيلة الشرعية الاجتماعية له ما يؤيده في الفكر
والممارسة الاسلاميين وان كان بحاجة الى كثير من البحث
والدراسة مثل قول الامام علي " اني لكم وزيرخير لكم مني
امير" رغم قوله في مكان اخر في بيان اهليته لقيادة المجتمع
" ...ينحدر عني السيل ولايرقى الي الطير " و في مجال
الممارسة تم اختيار النظام الاسلامي في ايران عن طريق
الاستفتاء. والتاكيد في نفس السياق على ان التكليف بتطبيق
الحكم الاسلامي على المسلم المكلف امر لا نقاش فيه مادام
يدعي التزامه بالدين ولكن في الجانب الاجتماعي والسياسي
يوجد للاعتقاد ان لاختيار المجتمع ورأيه دور حاسم في ذلك
وهو ايضا من الامور التي تحتاج الى دراسة فقهية اجتماعية
سياسية متماسكة تشمل الكتاب والسيرة.
عرض وتحليل لبعض اساليب نقد الفكر الديني:
سيتم تناول عدد من النصوص بالتعليق عليها وكما
يأتي:
-( تنطوي العلاقات السياسية عند الاسلاميين
الاصوليين المعاصرين تحت اربعة مفاهيم اساسية والتي لا
يمكن بدونها فهم العلاقة الجدلية بين الاصوليين الاسلاميين
وغيرهم ، فالمفهوم الاول هو عالمية الاسلام، والثاني هو
جاهلية العالم والثالث فهو الجهاد، والرابع هو السلام) 5 ص
66
وهذا نص يصح مثالا على دور الدراسات والابحاث
في تدقيق الاطروحات غير المحددة والتي تحتاج الى شيء من
التفصيل من الاسلاميين الذين يتبنونها والاخرين الذين
يقومون بنقدها بين التعسف والالغاء بناء على معاني غير
دقيقة ، وهنا نشير الى ابسط مداخلة على الطرح العام لهذه
المفاهيم الاربعة وهي ان عالمية الاسلام لا تعني القسر على
الاعتقاد فضلا عن العمل باحكامه ، بل ان عالميته هو جانب
ايجابي فيه وهو عدم اختصاصه بقوم دون غيرهم وان درجة القرب
منه والبعد عنه هي تبع للالتزام بقيمه ونهجه بعيدا عن
الاستحواذ، اما جاهلية العالم فهي امر نسبي اعتقادي لايلغي
اهمية العلم البشري في كل ماحقق من انجازات نظرية وعملية
ولا علاقة له بذلك على الاطلاق بل هو يختص بالمعارف
الاخروية والمذهبية الخاصة وهي محدودة جدا ،وهذا ليس مبدا
للعمل كما يصفه الكاتب وانما وصف لحال يمارسه العلمانيون
ايضا تجاه افكار ومتبنيات الاتجاه الديني عندما يصفونه
بالتخلف والرجعية والجهل . اما الجهاد فانه لا يعني
المطابقة بين معناه وبين حمل السلاح مثلا بل هذا المعنى من
اضعف الاحتمالات في التفكير الاسلامي الصحيح بعيدا عن
الفهم الخاطئ والممارسات المستندة له.
-(هناك مبدا مهم يمكن اعتباره مؤشرا اساسيا في
توجه الحركات الاسلامية نحو الديمقراطية وهو قبول الاخر
المختلف واحترام حق الاختلاف في الراي وعدم اللجوء الى
العنف لاسكات الراي الاخر مهما كانت الاسباب والمبررات) 1
ص14
يجب التمييز بين العنف الذي انجرت اليه
الحركات الاسلامية بسبب اضطهاد الحكومات لها وهو ادهى وامر
وبين العنف الذي يمارس ضد الاخر المختلف وهذا بحاجة الى
تحديد مدى اتساعه وشدته ومدى تعديه من الكلام والكتابة الى
الضرر المادي من جهة ومن جهة اخرى مدى المسؤولية التي تقع
على عاتق الاخر المختلف في عدم توخي الحذر في تناول مقدسات
الاخرين -هذا ان لم يتعمد الاساءة -وذلك بعيدا عن النقد
العلمي المتزن وهو امر لاتقره اطروحات الحضارة الغربية
نفسها في دعوتها الى احترام مقدسات الاخرين وعدم الاساءة
اليها وقد لاحظنا كم يعنف مسؤولون على تصريحات تتجاوز هذه
الحدود، اذن فان احترام الاخر المختلف مطلوب من الكل مع
التسليم بان التيار الديني هو الابرز في الرد وذلك لمكانة
المقدس في نفوس اتباعه.
(ان الحديث عن الصحوة الاسلامية يشوبه كثير
من التعميم ، خاصة اذا اعتبرنا هذا التسييس الفائض للدين
هل هو نـهضة او صحوة تمس كل جوانب شمولية الاسلام واعني في
هذا الصدد تحديد الاثار الثقافية لهذه الصحوة ... هل حدث
تحول حقيقي في المجتعات الاسلامية وانعكست على الفرد
المسلم ؟ الثقافة ليست مجرد مظاهر خارجية وشكلية تظهر في
طريقة اللبس مثلا ولكن تـبرز ما يرمز اليه اللبس او المظهر
، فهي مجموعة رموز دالة . نسال هل زاد الشارع الاسلامي ،
تـهذيبا في المعاملة و نظافة في المحيط، وصدقا في التجارة
واجتهادا وكدا في العمل ،وزيادة في الانتاج ورحمة
بالمساكين والفقراء ؟ هل ساهمت الصحوة الاسلامية الحالية
في تجديد الفكر الاسلامي كما حدث في عصر النهضة في القرن
الماضي ؟هل شهدت المكتبات رصيدا جديدا من الكتابات العميقة
والرصينة التي تخاطب بواسطة العقل القضايا الحقيقية التي
تهم المسلمين ؟ هل اتسعت الترجمة لتواكب الحضارة المعاصرة
كما حدث في التاريخ الاسلامي في بعض مراحل صعوده ؟)1ص 14
الم تحدث صحوة في الكثير من جوانب الفكر
الاسلامي وفي الكثير من ممارسات الحركات الاسلامية لبنان
ومصر والعراق وتوجهات الدولة في ايران فاذا كان كان النقد
موجها للصحوة الكاملة،فهل اللاصحوة حقيقة واذا النقاش يدور
حول بعض جوانبها فهل يؤدي ذلك الى الغاء الحوانب الاخرى
غير المختلف بشانها ؟
-(الاسلام السياسي لابد ان يتفاعل مع بيئة
دولية جديدة مختلفة كثيرا ، اذ يتشكل ما تعارف عليه باسم
النظام العالمي الجديد) ( جماعات الاسلام السياسي مطالبة
بقدر كبير من التكيف والتلازم) 1ص18 ( على ظاهرة الاسلام
السياسي ان تدرك ان الاقتصاد وثورة الاتصالات والثقافة
وثقافة الاستهلاك هي جيوش وسلاح المرحلة القادمة ، هذا
هوالتحدي الحقيقي الذي يواجه الظاهرة لاسلامية)1 ص 18 (نحن
في حقبة سريعة وكثيرة التحلات يلعب فيها العلم والتقانة
ولاقتصاد دورا كبيرا )1 ص19 (ان العلاقة مع الاخر في
الظروف الحالية تستوجب مراجعة كثير من التصرات ورؤى العالم
والمواقف، وكذلك المفاهيم والغة والفكر عموما بقصد التعديل
والتطوير واعادة التفسير والمرونة والسعة كما يقول الفقهاء
في العامل مع المتغيرات)1 ص19
هذا الطرح في النصوص الاربعة السابقة يتفق مع
وجهة النظر العامة التي تنتهي من امر حقيقة وجود الاسلام
السياسي ولكنها تريد منه التحديث ومواكبة العصر كامر لامفر
منه وهذا طرح متوازن ولكنه ايضا يعاني من التعميم اذ ان
الاختلاف هنا في ما يجب ان يتناوله التحديث وهو رجوع الى
نقطة الانطلاق من جديد.
-(.... فكر وممارسات حركات الاسلام السياسي
تنحصر في اكثر الاحيان في اطار الفعل ورد الفعل لعوامل
خارجية لاتملك السيطرة عليها وذلك على حساب التطور الذاتي
)1 ص18
ان دور العوامل الخارجية في تحفيز التطوير
والتحديث امر لاغنى لاي منظومة مجتمعية وبشكل اوسع لاي
حضارة، وعادة ما ياخذ رد الفعل الاولي شكل الدفاع
الانفعالي في بداية التعرض لهذه العوامل خاصة من الافراد
والفئات المتصفة بالجمود والخوف من التغيير ولكن يبدا
التاثير ياخذ طريقه الى المجتمع المتاثر بفعل هذه العوامل
بالتدريج وحسب قوة تاثيرها.
-(الحركات الاسلامية حين تدافع عن نفسها تؤكد
على خصوصية كل ثقافة بصورة مطلقة، ولكن حين تهاجم تقول
بعالمية الدعوة الى مبادئ الاسلام وصلاحيتها لكل زمان
ومكان ،هذا مازق يتطلب حلا واضحا)1 ص18
نادرا ما توجد عقيدة او مذهب فكري الا ويعتقد
بصلاحيته كلا او بعضا للجميع وقد يتوقع ان يناله التغيير
ولكن المبادئ الاساسية تبقى بنظره صالحة للازمنة اللاحقة،
ان يكون الفكر الاسلامي صالح لكل زمان ومكان او ان يكون
التطبيق العملي للاسلام على يد المسلمين كذلك هذا هو
الاشكال ولم يقل به احد بل يرفضه التعليم الديني نفسه في
ان الله يبعث الى هذه الامة من يجدد دينها على راس كل مئة
سنة.
-(يدور نقاش متواصل حول هذه الاشكالية ولكنه
ينتهي الى تمترس في معسكرات متوازية واتهامات مثل العمالة
مقابل الاستقلال الحضاري او الرجعية والتخلف والسلفية
مقابل التقدم والتحديث والعصرنة) 1 ص18
هنا اشارة صحيحة الى طابع الشعاراتية بدل
التحليل وهي نغمة سائدة في الاعم الاغلب من الكتابات
الناقدة لكلا الطرفين وهي معطلة غير محركة وتزيد الطين بلة
اذ تشحن الحوار او الدراسة بجو انفعالي يضبب الرؤية
الواضحة اللازمة للتوصل الى حل متوازن للاشكالية.
-(تشهد الفترة الاخيرة جدلا مستمرا حول بعض
المفاهيم ذات المضمون الانساني العام وتعارضها مع قيم
ثقافات معينة، ويدور السؤال حول عالمية هذه المفاهيم
وصلاحيتها لكل الثقافات) 1 ص 19
ما هي هذه المفاهيم؟ هل عامة وقابلة للتمثل
والتبني مع شيء من الخصوصية لايخل بجوهرها مثل الحداثة
والديمقراطية ام انها تفاصيل مختلف بشانها وهذا ما نحاول
تناول شيء منه في هذا البحث؟
-(اللجوء الى الى خصوصية الثقافة والقيم
غالبا ما يكون مخرجا لعدم الالتزام بافكار معينة وتبني قيم
ما بدعوى الوقوف ضد التاثيرات الخارجية والمحافظة على
الشخصية وتاكيد حق الثقافة في التمايز)1 ص20
ان الموضوع المهم هو مدى منطقية الخصوصية في
تبني افكار معينة تثبت جدارتها نظريا وعمليا مثل
الديمقراطية وحقوق الانسان والتبني للطريقة السلمية في
معارضة الدولة وليس استخدامها - أي الخصوصية كوسيلة للرفض
- ، اذ ان الرفض هنا بحد ذاته يعتبر سلبيا بناء على احقية
الفكرة المرفوضة بالقبول.
-(ظل اهتمام التنظيمات الاسلامية السياسية
لقضية الديمقراطية لا يتعدى العموميات والمساجلات التي
تؤكد اسبقية الاسلام)1 ص339
ان الاستحواذ على الافكار و استنكار تنبيها
ممن يعتقد انه منتحل لها ويريد ان يؤكد سبقه لها امر عرضي
ولاعلاقة له بحاجة المجتمع نفسه الى تطبيقها بغض النظر عن
المكتشف الاول او اللاحق وهو ما يبحث في جو اخر واهتمام
مختلف، بل ان التبني وادعاء السبق يسهل حل الاشكالية اذا
كان الاهتمام منصب على التطبيق نفسه.
-(هل يقبل الاسلامويون الديمقراطية كاملة ام
ينتقون منها ما يساعدهم في تحقيق اهدافهم، أي ان
الديمقراطية غاية وسيلة؟1 ص339
ان استخدام كلمة "كاملة" هنا في الوصف نلمس
فيها نفس روح الطرح الديني المرفوض من قبل الكاتب وهو اما
يقبل الكل اويرفض الكل فهل ان الديمقراطية لا تقبل التجزء
ولا اعادة التشكيل في ولو بعض جوانبها؟ ان هذا يخالف
الطرح عند متبنيها انفسهم وفي بلاد الديمقراطية ومهدها اذ
يقول ملفين يوروفسكي (لا احد يدعي ان النموذج الامريكي رغم
نجاحه الباهر في الولايات المتحدة ، هو النموذج الذي يجب
ان تتبعه كل الانظمة الديموقراطية في العالم، على كل بلد
ان يقيم حكما ينبع من ثقافته وتاريخه.لكن هذه المقالات
تحدد مبادئ جوهرية ينبغي ان تكون متواجدة بطريقة او اخرى
في كل حكم ديمقراطي)6ص 2
-(الاراء حول الديمقراطية تتنوع من اقصى درجات
الرفض مثل حزب التحرير وجماعات التكفير والهجرة او الجهاد
او اصحاب وثيقة خمسين مفسدة جلية من مفاسد الديمقراطية
والانتخابات والحزبية؛ حتى تصل الى اراء حزب النهضة بقيادة
راشد الغنوشي او افكار احمد كمال ابو المجد وحسن حنفي
وصلاح الدين الجورشي)1ص 339
وفي هذا النص نلاحظ الدافع النفسي الرافض
للفكر الديني على اساس غير صحيح وهو افتراض ان لا يوجد
خلاف عند مدارسه وتياراته بينما هذه حقيقة واقعة عند كل
التيارات والاتجاهات الفكرية ،وهذا ناتج عن دافع هدمي
للاخر المختلف وهو ما ينادي بخلافه بينما المفروض التركيز
على الجانب الايجابي في التوجهات الاخرى واعتبارها اساسا
للتوسع والانتشار علىحساب الاراء المتطرفة ثم استخدامه
لاتجاهات تهمشت واضمحلت وصارت القاعدة هي التوجه نحو
الاعتدال والمرونة، فلم تعد الان هذه الاتجاهات المتطرفة
الا فئات محدودة في سبيلها الى التلاشي التام ، فلا تصح
للمقارنة في دراسة حديثة صدرت عام 1996اذ يغلب دائما خط
الاعتدال رغم ما يستجد من اطياف متطرفة تحتوي بذور تلاشيها
داخلها ويمكن ملاحظة ذلك بنظرة فيها شيئ من الدقة،وهذه حال
موجودة وغير مستغربة في الفترات الانتقالية للمجتمعات.
-(موقف الاسلاميين والحركات السياسية
الاسلامية من الديمقراطية ، هو موقف مفتوح على كل
الاحتمالات وبالتالي يصعب ان نسميه موقفاً ) 1 ص340
فمنه نلاحظ تعميم للديمقراطية بين جوهرها وبين
كل شكلياتها وتعتيم على نسبة الجانب الرافض للجوهري من
الديمقراطية ومدى قبوله على نطاق المجتمع كان يكون ذلك ضمن
دراسة احصائية على مستوى النخبة الاسلامية وليس بالقفز على
حاجز الزمن الى الوراء والحكم بناء على مواقف تيارات
متطرفة اضمحلت وانتهى اجلها.
-( بمقدار ما نجد صعوبة في تحديد (ما هو
الاسلامي ؟) لا نستطيع تقديم تعريف جامع مانع
للديمقراطية وحتى التعريف الاجرائي يصعب الاتفاق حوله بسبب
الانحيازات الايديولوجية او تطور المفهوم نفسه ) 1ص340
وهنا نلاحظ ان ما يعاب على الاسلاميين من عدم
الدقة في مصلحاتهم وطروحاتهم موجودة عند غيرهم رغم انهم
قطعوا اشواطاً في تطبيق الديمقراطية فما الذي يمنع ان
يتطور الفكر الاسلامي ويتجاوز اخطاءه لا ليلغي تجربته عبر
الخطأ والصواب والتطرف والاعتدال والتصلب والمرونة خاصة
وانه لم يتصدى بالفعل لاستلام الحكم الا في ايران والتي
تبين سيرتها بجلاء كم تتغير كثير من المفاهيم والطروحات
واساليب الاداء للدولة واهمية الزمن في انضاج الفكر
والممارسة ؟ وهل ان الدول الغربية قبل مئة سنة مثلها الان
في ارساء حقوق الانسان داخل بلدانها وفي الاهتمام كذلك ولو
بشكل محدود الان بتنمية البلدان الاخرى ، فانها بدأت ذلك
في بلدانها بشكل تدريجي لا يقارن آخره مع أوله ونلاحظ انها
- أي الحضارة الغربية - على ابواب نهضة ثانية في الاهتمام
بالاخر واعطاء ه ما يجب من حقوق الرأي والتطور الاقتصادي
وارساء حقوق الانسان لا تقل اهمية عن النهضة الاولى التي
اهتمت بالذات بعد فترة طويلة مظلمة من الاستعمار
والاستغلال وتأييد الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية ما
زالت مرارته في افواهنا وما زالت ترزخ تحته مجتمعات ودول
عديدة، هذا بغض عن الاختلاف عن الدوافع والاهداف المتوخاة
من ذلك. ان هذا التناقض المرير لم يكن مبرراً للتنصل عن
الديمقراطية والعلمانية عند من يدافعون عنها لان الافكار
بصورة عامة لا تتلوث بتصرفات حامليها ما دامت افكاراً
صحيحة بمقاييس الفكر وقابلة للتطبيق عمليا، ولكن حين يأتي
الامر الفكر الاسلامي يصبح المقياس ليس فكرياً وبامكانية
التطبيق العملي وانما بتصرفات حامليه التي وان كانت فيها
الكثير من السلبية التي يراد تجاوزها الا انها لا تصلح
كأساس الرفض والالغاء كما يراد اقناعنا.
-( لم يكن غريباً على هذه الحركات - يقصد
الاسلامية - ان تدافع عن الانتخابات والبرلمانية في
الجزائر وترفضها في السودان لانها في الحالة الاولى تنتهي
بوصول الجبهة الاسلامية للانقاذ الى السلطة، بينما في
الحالة الثانية الغى الاسلاميون البرلمان وحلوا الاحزاب.
في الحالتين يرجع المناقشون الى الاسلام )1 ص341
هكذا يصبح الفكر الاسلامي اسلاما عند المعارض
عندما يوجد ما ينتقد، وفي الوقت الذي يتصيد فيه العلمانيون
الازدواجيات العملية للتيار الاسلامي مبرهنين بذلك على عدم
اهليتهم لقيادة المجتمع يتجاهلون تماماً ازدواجية
المجتمعات الغربية في التعامل المالي والاقتصادي وفي حقوق
الانسان وفي كرامته تجاه الشعوب الاخرى، من ازالة
دكتاتورية صدام على يد امريكا الى تثبيت دكتاتورية لا تقل
قسوة في بلدان اخرى. ولا نقول ذلك لرفض الافكار والسياسات
التحررية للحضارة الغربية ولكن نرفض في نفس الوقت ان ترفض
الافكار الصحيحة للفكر الاسلامي على اساس الممارسات
الخاطئة وهي كثيرة ايضاً ولكنها ممكنة التجاوز في اكثرها.
-( ان بعض المعارضين منهم يرفضون المساواة في
التصويت بدعوى استحالة ان يتساوى الجاهل مع العالم مثلاً ،
وهم القائلون ان الاكثرية تجانب الحق كثيراً ويستشهدون
بآيات مثل ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) او (قليل من
عبادي الشكور ) او(ان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل
الله ) وهذه من القضايا التي تحل بالحوار والنقد وليس من
القضايا الجامدة الصعبة الحل ، التي تؤسس لاشكالية كبيرة
اذ يتم الخلط هنا بين الجوانب الاخروية القيمية التي لا
يدركها الكثيرون الا بشيء من التجرد عن الانسياق وراء ملاذ
الحس والمادة وهو ما تشير اليه الايات المذكورة وبين
متطلبات الحياة الدنيوية وخيارات العيش التي يدركها الناس
بمستويات متوسطة من التعليم، والتصويت المشار اليه يستند
الى هذه المستويات من الناس.
-( ما زالت كتب الاسلاميون او الاسلاميين
عامة شرح المعاني المجردة للشورى وتفسرها ولكن الاسلاميون
يعجزون عن تقديم الشورى كظاهرة اجتماعية سياسية وكمنهج
ملازم للمسلمين في مناحي حياتهم فهم يلجأون الى الامثلة
الفردية في بعض الاحيان كعمر بن عبد العزيز وهي لا تعني
وجود ظاهرة تتسم بالعمومية والاستمرارية ، والا كيف نفسر
ان احد سابقي عمر هو الوليد بن عبد الملك ومن لاحقيه
الوليد بن عبد الملك لقد كان الاستبداد والجور اغلب في
تاريخ الخلفاء والسلاطين المسلمين) 1ص342.
لا يعتبر الاسلاميين فترة الحكم الاموي
والعباسي بل وحتى العثماني فترات حكم اسلامي وانما ملكا
عضوضا حسب التعبير السائد اتخذ شعار الاسلام وعانى منه
المسلمون خاصتهم وعامتهم الامرين وطالت حتى رموزهم مثل قتل
الامام الحسين ومحنة احمد بن حنبل ، والمآسي التي حدثت
ابان ذلك تؤكد - على العكس مما يطرح- الحاجة الى تحكيم
مبادئ الاسلام من السماحة والعدل وحرمة الدماء والاموال
والاعراض.
- ( لم يعد يكفي ان نورد : ماذا قال الاسلام ؟
بل ماذا فعل المسلمون؟ .. لقد قال الاسلام بالشورى
والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الانسان ولكن هل تعامل
المسلمون طوال تأريخهم ودولتهم ومجتمعهم كملتزمين يجسدون
هذه القيم )ص341
ان سبق الرد على اسلوب تحكيم التجربة الخاطئة
او المحسوبة على الاسلام في مجال النقد، ولكن هنا جانب
صحيح لهذا الطرح وهو ان يحصل التقوقع داخل النص بعيداً عن
تحديات الواقع اذ ينبغي استنطاق النص تجاه مشاكل الواقع
وليس تجاوز مشاكل الواقع بمثالية النص . وقد برز في
التفكير الاسلامي الحديث مفكرون التفتوا الى هذا الامر
وخاصة السيد محمد باقر الصدر في اتجاهه نحو التفسير
الموضوعي للقرآن والذي يبدأ من الواقع وينتهي بالنص وليس
العكس وهو ما يؤدي الى حيوية في التفكير والاداء
الاجتماعي في اطاره الاسلامي لان المشكلة الحالية بدرجة
حجمها وتحدياتها ستكون محور الحل وليس القضية المقدسة
الكلية التي يتمحور حولها النص ولنأخذ مفردة الجهاد مثلاً
فان معالجة القضية من خلال الثواب الاخروي للجهاد وثمراته
في الحياة العامة للمجتمع شيء ، وما يفعله الانسان المسلم
نفسه في الواقع ويسميه جهاداً ومدى انطباق الشروط الدينية
الخاصة للجهاد والمواصفات العامة للعمل الديني شيء اخر
مختلف تماماً .
-( متى بدأت مقارنة الشورى الديمقراطية لماذا
جاءت هذه المقارنة متأخرة كثيراً او كان هناك انشغال حقيقة
بموضوع الشورى والديمقراطية ) ص342.
وهنا نسجل عدم اهمية البعد الزمني بالانشغال
او عدم الانشغل لان المهم هو الانشغال الحاضر وصدق القوم ،
رغم ان الجواب على ذلك موجود وهو ان الديمقراطية وحقوق
الانسان كموجة حقيقية مطبقة بدأت متأخرة في الغرب نفسه ألم
تكن البلدان الأوربية الى وقت قريب تعاني الفاشستية في
ايطاليا والنازية في ألمانيا والدكتاتورية في اسبانيا
وقدكان الاستعباد والتمييز العنصري ضد السود سائداً في
أمريكا وجسده الإنسان الغربي المهاجر الى جنوب أفريقيا
بابشع الصور. اذن يجب ان نهتم بالتوجه الحالي وصدقه عند
الحركات الاسلامية وليس المهم كونه جاء متاخرا او لا وهذا
الصدق مطلوب ايضا من العلمانيين الذين يسيطرون على مواقع
القوة والنفوذ في بعض بلادنا الان وخاصة في العراق.
(على رغم توقيع كل دول العالم على وثيقة إعلان
حقوق الإنسان إلا ان بعض الدول العربية والإسلامية
تباطأ في ذلك)1ص344 .
الخلط بين الأنظمة العربية والحركات الإسلامية
بشأن حقوق الإنسان في غاية الخطا بعد ان عانت هذه الحركات
من تجاوز هذه الأنظمة لهذه الحقوق بشكل قاس ساهم بشكل فاعل
مع بقية العوامل الاخرى فيما شهده العالم العربي والاسلامي
من مظاهر عنف هذه الحركات واختيارها للغة السلاح بديلا عن
الاسلوب السلمي المسدود امامها.
(ولقد دأب الإسلاميون وبعض المسلمين عموماً
على التصدي في الفترة الأخيرة- لكثير من المقترحات
والتوصيات المرتبطة بتوسيع حقوق الإنسان وذلك من خلال
المطالبة باحترام الخصوصية)1 ص344 .
هنا نلاحظ أننا في الوقت الذي نعتبر الفكر
الإسلامي - ويراد منا ذلك - قابل في اطروحاته للأخذ والرد
فان ذلك يسري على الفكر العلماني في أصل اطروحاته وفي
مدياتها وبعض تطبيقاتها ومنها حقوق الإنسان فهل يراد منا
ان نقبل تحت هذا المبدأ الزواج المثلي علىسبيل المثال وهو
امر يرفضه كل المسلمين ما داموا يتمسكون ولو شكلياً
بالإسلام. واذا كانت الاطروحات الإسلامية لا تقبل بعمومها
بل تحتاج الى شيء من التفصيل فان عموميات مثل حقوق الإنسان
والديمقراطية والعلمانية والحرية أيضا بحاجة الى تحديد
وتفصيل ولا تلقى علينا كنصوص مطلقة يعظنا بـها أنبياء
العلمانية .
- (فقد سيطروا- يقصد الإسلاميون حسب تعبيره-
علىنقابات الأطباء والمهندسين والصيادلة والزراعيين
بالإضافة الى تنظيمات الأساتذة الجامعيين في عدد من
الأقطار العربية )1.
ونلاحظ التعبير المنبعث عن الوضع النفسي فلم
يقل فازوا وانما سيطروا ولم يقل بانـهم أخلوا بشروط
الانتخاب او أي امر موضوعي اخر، وكان الكاتب يحز في نفسه
فوزهم، وكان المفروض التركيز على الجانب السلبي ان وجد
تركيزا للفكر والجهد هذا ما يوضح بجلاء ان الحاجة الى قبول
الديمقراطية كاولوية وضرورة النقد الدائمي وتقويم العمل
وعدم الازدواجية امور مطلوبة في مجتمعاتنا-تحديدا- من
الاسلاميين والعلمانيين معا وتجارب الواقع ان ادانت احدهم
فانها لاتعفي الاخر على نفس المقياس.
القسم الثاني |