ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

تأبين  العمامة

الجزء الاول

(التراث- المؤسسة الدينية وتحديات الحداثة)

شمخي جبر

تمهيد

    حين يردد السيد محمد باقر الصدر (أن هذا الإطار مهدد بالفناء)[1] فأنها قراءة حقيقية واقعية لتاريخ الحوزة، وهل تطورت عبر هذه السنين الطويلة في بناءها الداخلي أو في آليات عملها وفي علاقتها بالأمة ومدى فاعليتها في عملية التغير والسير إلى الإمام، إلا أن هذا المجدد بقراءته لحال المؤسسة _وهو أبنها  الذي يعرف كل خفايا واقعها_ استطاع أن يشخص كل أمراض هذا الواقع ألا أنة قال وبحزن (لماذا تفشل الحوزة في هذا البلد مع مرور مئات السنين على وجودها)[2]. إن المجددين من أمثال  السيد محمد باقر الصدر أو السيد الخميني وغيره يستطيعون أن يجيبوا على هذا السؤال أكثر من أي باحث أخر لأنهم أهلها كما سبق أن ذكرنا وما نقدمه من   بحث ليس  إجابة على هذا  السؤال، بل هو قراءة في  التراث والمؤسسة الدينية للوصول إلى أثراهما في تشكيل الوعي المجتمعي وبالتالي دورهما في النهضة التي تطمح لها الأمة، ومالهم من تأثير كبير في عملية النهوض بالواقع سلباً أو إيجاباً، حسب آليات العمل والتعامل مع كليهما، لانهما عاملان مترابطان لهما اثر كبير في تطور الأمة أو تخلفها، فالهروب إليهما معناه النكوص والانكفاء أما نفض الغبار عنهما وتجديدهما وجعلهما جديران بإنقاذ الأمة من مأزقها التاريخي وقادران على مواجهة الأخطار التي تحدق بالأمة، قادران على الحوار مع الآخر والتفاعل معه، وبهما نستطيع أن نحافظ على هويتنا ونبنى حاضرنا ومستقبلنا.ويلزم أن نؤكد أن ذكر أي منهما يعني ذكر للآخر، فالتراث هو أبن المؤسسة في جزء كبير منه والمؤسسة ابنة التراث. ومن هنا نقول أننا تناولنا في بحثنا مواقف التجديد ومواقف التقليد في المؤسسة والتراث  فكان الإحساس الأول بالخطر  ظهر عند بعض الفقهاء...وعي فقهي  لدى  نخب منهم جعلت همها تحويل الدولة العثمانية والدولة الصفوية من حكم فردي رعوي إلى حكم دستوري مقيد  حيث جرت في الأذهان كما يقول وجيه كوثراني  (عملية انزياح وتداخل في المعنى بين مصطلحات تراثية /إسلامية ومصطلحات حديثة غربية  فتم  استذكار الشورى من خلال الديمقراطية، وأصحاب الحل والعقد من خلال البرلمان والجمعيات التمثيلية والعهود والمواثيق من خلال الدساتير واجتماع الأمة من خلال سيادة الشعب)3، وهكذا وعى  بعض الفقهاء آليات نهوض الأمة من خلال اشتراكها في الحكم عن طريق الانتخاب ورفض الاستقواء بالدين واستخدامه مظلة تقي الحاكمين محاسبة الأمة  فيتحول  الدين إلى سيف بيد الحاكم أو السلطان لذبح الأمة وسوط يلهب به ظهرها الذي أنهكته السياط من خلال استغفالها وتسطيح وعيها وعزلها عن نخبها الواعية الطامحة للتجديد والتحديث من خلال اتهامهم بشتى التهم اقلها العمالة للأجنبي أو الكفر والزندقة والزيغ عن جادة الشريعة، وكأن الشريعة لعبة بيد السلطان والفقهاء( وعاظ  السلاطين ) يلعبونها أنى شاءوا.

   (ولأن لاشيء يوقظ الشعوب من سباتها إلا العلماء والعباقرة والمبدعين لذلك تحارب الحكومات هذه الفئات الاجتماعية، فقل الإبداع وعمت (الطرقية) وانتشرت التبعية فكل فكر خلاق مبدع يحارب بشتى الطرق والوسائل سوى من طرف الحكام أو من طرف المؤسسات الدينية القائمة في هذه المجتمعات لأن هناك مسالة شائكة تتمثل بعلاقة الإبداع بالدين ولانعني به الدين على حقيقته كمبادئ أخلاقية سامية ولكن نعني به تلك الممارسات السلطوية التي تتعلق بالدين لتفرض فكراً معيناً ضد التحرر والانعتاق وروح الإبداع وهو الفكر الذي يحمله بعض رجال الدين والحكام والذي يسلط على كل مبدع بدعوى الخروج عن الدين  أو الزندقة أو الكفر. أن هذا الفكر يحد من عملية الإبداع ويشلها ويحبطها وهو يعمل على تشجيع فكر أتباعي، رجعي، يحارب كل فكر إبداعي خلاق)4.وإذا  كنا قد اعرضنا عن ذكر أو تناول فترة الستينات وما تلاها من مرجعيات فهناك أسباب كثيرة، أهمها: أن الحركة الوطنية والإسلامية في هذه الفترة كانت أكثير فاعلية على كل المستويات فحجمت دور المؤسسة الدينية والتي لم تكن مهيئة لخوض غمار هذه المرحلة، إضافة إلى إنها كانت بعيدة كل البعد عن تطلعات الأمة. فكانت الحركة الوطنية والإسلامية بكل اتجاهاتها صاحبة المبادرة في قيادة الأمة نحو الإصلاح والتقدم ونشر الوعي الوطني والسياسي ومقارعة الحكام حتى أضحى لأي باحث حول المؤسسات الاجتماعية الفاعلة في المجتمع وفي عملية التغير الاجتماعي لا يجد للمؤسسة الدينية ألا دورا هامشيا لا يتعدى  إطار الفتوى (الحلال والحرام والحقوق الشرعية ) وإن كانت هناك أصوات مجدده تطالب أن يكون للمؤسسة الدينية دوراً تخلت عنه إلا أنها كانت محاربة أولاً من قبل المؤسسة نفسها وثانياً لأنها لم تجد لها صدى لدى الأمة نتيجة  لتاريخ المؤسسة المثبط للهمم والمواقف البعيدة عن روح العصر وتطلعات الأمة التي كثيراً ما وقفت المؤسسة في وجهها. وكثيراً ما عزفت الحركة الوطنية وحتى  الإسلامية منها على هذة الأنغام التي تصور المؤسسة وكأنها عامل تخلف وشد إلى الوراء، لا يرجى لها أي دور في الإصلاح الاجتماعي والسياسي .وإذا كان  لنا نميز شيئاً مسكوتا عنه فهو  المدرسة الصدرية، التي  نمت وتطورت الحلقة الأولى منها والمتمثلة بالسيد ( محمد  باقر الصدر) خلال فترة الستينات فالسبعينات وظهرت بشكل جلي منتصف السبعينات من خلال تفاعلها مع روح الأمة، فاحتضنت  الأمة هذه التجربة بالرغم من أنها كانت مقموعة ومرفوضة من داخل المؤسسة الدينية، التي كانت تعتقد أن هذه الظاهرة (محمد باقر الصدر) تشكل خطراً على المؤسسة بما تحمله من فهم مغاير أصيل تجديدي لروح العمل الرسالي الاجتماعي والسياسي والديني، وهذا ما لا ترضاه المؤسسة، لأنه  يشكل بديلاً واضحاً ومطلوباً من قبل الأمة ومرحلتها، وبهذا وقفت لها بالمرصاد وشكلت مع قمع السلطة ثنائية غير نزيهة للقضاء على هذه الظاهرة. وبالرجوع إلى كتابات الباحث (عادل روؤف) وغيره يجد القارئ أن هذه المرحلة كتب عنها الكثير، يضاف إلى هذا أن المدرسة الصدرية بحلقتها الأولى و حلقتها الثانية (السيد محمد محمد صادق الصدر) مازالت تفاعلاتها، دموعها ودماءها لم يجف إلى الآن .إما الجناح الأخر للمؤسسة الدينية وتعنى به الجناح (السني)، فإن أحفاد محمد عبده والسيد جمال الدين الأفغاني قد رموا مؤلفات ومقولات التجديد والإصلاح في ( البحر الميت) وداسوا على كتابات سلامة موسى وشبلي  الشميل وقاسم أمين وعلي عبد الرازق وغيرهم واخذوا يجترون فتاوى ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب ورهطهم في تكفير الأمة وإحراق كتب مخالفيهم (كما أحرقت كتب ابن عربي) حوكم نصرحامد أبو زيد واغتيل فرج فودة، وهكذا تحولوا إلى دعاة لمحاكم التفتيش وتحولوا من الفكر ألتجديدي لمحمد عبده وجمال الدين الأفغاني  ورفاعة الطهطاوي إلى  فكر التكفير، يحاكون بهذا الازارقة والاباضية من الخوارج في فكرهم التكفيري، بل يزايدون عليهم، فهم مجددون وحداثويون في القتل والذبح من خلال استفادتهم من وسائل الحداثة والعولمة التي يحاربونها،وفي الانترنيت والفضائيات يعرضون ضحاياهم، فكانت أساءتهم  للأمة واستعداء العالم عليها وتشويه صورة الإسلام  فحققوا في سنوات قليلة ما لم يستطع أن يحققه أعداء الإسلام في عشرات السنين.فكانت لهم صولات وجولات، يصورنها فتوحات كفتوحات أجدادهم (غزوة نيوريوك) بينما هي عمليات تقتيل مجاني في نيويورك ومدريد والدار البيضاء وبغداد وموسكو.فكانوا (فاتحين عظام) كسروا ظهر الأمة وشتتوا شملها بعد كل محاولات لم الشمل، وخربوا حاضرها ومستقبلها مستقوين بفكر (خارجي) تكفيري، ترفضه كل الأمة بعلمائها وعوامها.


[1] عادل رؤوف . محمد باقر الصدر بين دكتاتورتين .دمشق \المركز العراقي للاعلام والدراسات ,2001ص373

[2] المصدر نفسة : ص372 .

3.وجية كوثراني .الفقية والسلطان .-ط2.-بيروت /دار الطليعة للطباعة والنشر ،2000.ص18

مقدمة اصطلاحية

التراث: من مادة (و.ر.ث) وتجعله بعض المعاجم مرادفاً ( للارث) أو (الورث) أو (الميراث) وهو ما يرثه الإنسان من والديه من مال أو حسب. وردت كلمة تراث في القرآن مرة واحدة (وتأكلون التراث أكلاً لما)، والتراث هنا (المال) الذي يتركه الهالك وراءه.

الميراث وردت في القرآن مرتين (ولله ميراث السماوات والأرض) آل عمران (180) وسورة الحديد الآية 10 (وما لكم أن لا  تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض...) وهنا يظهر أن استخدام العرب للتراث أو الميراث أو الإرث كان المقصود به (المال) وحسب، فإذا كان (الإرث) و(الميراث) يعني اختفاء الأب وحلول الابن محله فأن (التراث)، قد أصبح بالنسبة للفكر العربي المعاصر عنواناً على حضور الأب في الابن، حضور السلف في الخلف، حضور الماضي في الحاضر.

تعريف التراث:أنه العقيدة: والشريعة والأدب واللغة والعقل والذهنية والحنين والتطلعات وهو المعرفي والإيديولوجي واساسهما العقلي وبطانتهما الوجدانية في الثقافة العربية الإسلامية .

تعريف آخر:

أنتاج فترة زمنية تقع في الماضي. ويشمل الدين والعقيدة ، والتشريع والأدب والمذهب والفلسفة والتصوف.

تعريف الباحث:مجموعة المعايير والقيم التي تؤثر في سلوك الفرد والمجتمع وفي طريقه تفكيره وبنيته الذهنية  وعقله الذي يحكم به على الأشياء أو يصدر أحكامه ومواقفه.

الحداثة: حركة وانفجار وانطلاق، انفجار مؤسس على رؤية واعية، وانطلاق قائم على  أنجاز تاريخي هادف.

الحداثة: هي حصيلة موقف روحي خاص اتجاه العالم والإنسان، سماته الرئيسية ، العقلانية والوضعية  والدنيوية. الحداثة: هي  النـزعة الإنسية Humanism التي تتلخص في المزج بين الثقافات والحضارات وصهرها في بوتقة ما  بيئة ما.

 

تعريف الباحث:

هي النظرة الإنسانية للإنتاج الثقافي والحضاري والتطور العلمي واعتباره ملكاً مشاعاً للإنسانية في استضافته واستنباته مع الحفاظ على الخصوصية والهوية القومية. وهناك حداثات وليس حداثة واحدة .

 

الحداثة والتراث

كثيراً ما توقف الباحثون عن أسباب هجر أبو  نؤاس للمقدمة الطللية التي اعتاد الشعراء العرب أن يفتتحوا بها قصائدهم مهما كان موضوع هذه القصائد، منذ العصر الجاهلي ، أما أبو نؤاس  فقد قال:

(وقف الشقي على رسم  يسائله ورحت أسال عن خمارة البلد)

 ويعزى الباحثون عزوف أبو نواس عن التقليد وتمردة على التراث الشعري وتقاليدة يرجع بعض أسبابة إلى أنة كان ذو ماض غير مشرف  من جانب امة التي  كانت كما يؤرخ لهذا البعض من المؤرخين حيثيقولون انها من(بائعات الهوى)، لهذا السبب ولأسباب غيرها كثيرة ليست موضوعنا كان له هذا الموقف من الماضي ومن التراث .سقنا هذه المقدمة لنتساءل هل يشكل تراثنا عيبا أو عبئاً علينا نخجل منه فلا نلتفت إليه كما فعل أبو نؤاس ؟ أم نتمسك  به تباهياً واعتزازاً وزهواً فارغا مكرسين فكراً تمجيداً للتراث نهرع أليه باستمرار باعتبار ه  خزينة  للحلول  الجاهزة ؟ فيحذرنا عقلاءنا

(أن الفتى من قال هاأنذا            ليس الفتى من قال كان أبي)

من هنا نقول إننا لا ندعو إلى جريمة قتل الأب (التراث) ولا إلى التخلي عنه بكل ما فيه فتصبح مسخاً بلا هوية فتقع تحت حالة من الاستلاب و الاغتراب  أمام التحدي الثقافي للأخر كما أننا لا  نؤسس للهروب أمام التحدي للاحتماء بالتراث. نحن نعيش في داخل الزوبعة  في خضم الموجه، في معترك الصراع، وبدأ مجتمعنا صراعه مع عمليات التحديث منذ قرن تقريباً، وهذه المرحلة من الصراع مرت بها كل المجتمعات بما فيها المتقدمة قبل أن تصل إلى ما وصلت إلية ، (وكل مجتمع يميل أغلبه إلى المحافظة على تراثه القديم الذي وجد عليه آباءه فهو لا يحب تبديله بسهولة ويسر وإذا جاءة ما يخالفة نهض جميع أبناء المجتمع لمقاومتة لا يفرقون بين النافع والضار  منه فكل جديد  مستنكر   في نظرهم )5   وهكذا واجه المجتمع القرشي الدعوة الإسلامية في  أول ظهورها مدافعاً عن معتقداته وما وجد عليه أباءة، حتى رموا صاحب الدعوة (ص) بشتى الشتائم والتهم .ويمكن اعتبار المحافظين الذين يغارون على تراثهم بمثابة سدنه الكيان الاجتماعي كما يقول (د. علي الوردي) فوجودهم له وظيفة وأهمية في الحياة الاجتماعية. في الوقت نفسه فهم من أسباب تجميد المجتمع والعائق في وجه أي تطور وتحديث ورقي، فهم إذا سيطروا على مجتمع ما منعوه من التطور وعرقلوا عليه سبيل التكيف للظروف المستجدة).6  ولأن المجتمع يسلط على الإنسان منذ طفولته الباكرة، اتجاها مكرراً في مختلف شؤون العقائد والقيم والاعتبارات الاجتماعية، فهو بذلك يضع تفكير الإنسان في قوالب معينة ينطبع تفكيره غالباً بما في تلك البيئة  من عقائد دينية وميول سياسية واتجاهات عاطفية فهو يظن انه اتخذ تلك العقائد والميول بإرادته واختياره ولا يدري انه في الحقيقة  صنيعة  البيئة الاجتماعية ولو أنه نشأ في بيئة أخرى لكان تفكيره على نمط آخر ).7

هل يشكل الماضي  عبئاً ؟

أن الفرد الذي يعيش طيلة حياته في بيئة مغلقة . كما هو الحال في القبائل والقرى المنعزلة .يظل خاضعاً لما يسميه الدكتور علي الوردي (التنويم الاجتماعي) في كبره فيرى الأمور من خلال  ما أوحي  به أليه في مجتمعه الضيق ، أما الذي يعيش في بيئة مفتوحة فانه عندما يكبر يقع تحت تأثير إيحاءات اجتماعية من أنماط شتى وبهذا يخرج من  قوقعته. الفكرية التي نشأ عليها في بيئته الأولى ويدخل في عالم جديد يحتوي على الكثير من وجهات النظر وصراع الأفكار والجماعات ).8

وعملية الصراع بين القديم والجديد ظاهرة أزلية ليست حكراً علينا ولم تحدث في مجتمع  دون غيره، بل هي حدثت في كل المجتمعات التي تاقت إلى الانعتاق من  نير  التخلف والجهل والتطلع إلى المستقبل و(الإنسان ملتقى الماضي والمستقبل).ينفعل ويفعل فيهما، من جهة يلتفت إلى ما عبر مستذكراً  محييا  مستلهماً، ومن جهة يتطلع إلى ما سيطل حالماً متخيلاً أو مستكشفاً جاداً في تحقيق ما يصبوا أليه، فهو حيثما وجد وخلال مراحل وجوده، كائن متذكر ومتوقع معاً. ومستوى إنسانيته وقدر نتاجه وقيمة أثره نتوقف على نوع تذكره وصفة توقعه وعلى كيفية تواصلوهما وتفاعلهما في تكوين الحاضر وتطوير الحياة. على أن التلفت إلى ما كان والتطلع إلى ما سيكون يختلفان قوة وشأناً باختلاف هذه المراحل، ففي بعضها يغلب على الأفراد والشعوب الحنين إلى الماضي والتغني به والعيش في كنفه أو تحت وطأة سحره. فتراهم يستسلمون أليه أو يحاولون إعادته، وتراه يكيف أحاسيسهم وأفكارهم وتصرفاته، ويشدهم إلى نطاقه فلا يكادون يتجاوزن هذا النطاق أو يشعرون بالحاجة إلى ذلك وفي مراحل أخرى، يقوى تشوق المستقبل فتمتد الرؤية وتثور الرغبة في استكشاف المجهول، وتنبعث روح المغامرة والمجازفة، وينطلق الأفراد والشعوب إلى آفاق جديدة في مواطن الشعور والفكر والعمل، وإذا نحن  تحرينا  تجارب الأمم وتقلباتها خلال العصور وجدنا أن غلبة التعلق في الماضي تحدث في المجتمعات الراكدة التي لم تقدم في ميادين الإنشاء والإنجاز أو التي همدت واستكانت بعد تحرك وتقدم) . 9ان مأزقنا الذي نعيشه كامن في كوننا نمتلك تراثاً ثقافياً حياً في نفوسنا وعواطفنا وعقولنا وذاكرتنا وتطلعنا، في صدورنا وكتبنا، تراثاً من الحضور على الوعي أو اللأوعي بصورة لأنجد لها نظيراً في العالم المعاصر،( وشعورنا الدرامي بعمق الهوة التي تفصل بين هذا التراث ومضامينه المعرفية والإيديولوجية والمعيارية وبين الفكر العالمي المعاصر ومنجزاته العلمية والتقنية ومعاييره العقلية والأخلاقية  وهكذا  مثل الآخر بالنسبة لنا هو العدو الذي يجب الاحتراز منه والوقوف ضد مطامعه وسيطرته من جهة، والنموذج الذي يغري باقتدئه والسير في ركابه.  ) 10ان التراث واقع موضوعي قائم لا فكاك منه سواء رضينا بهذا أم لم نرض ،( أنه يؤثر فينا في ترسيمة أذهاننا وبنية مجتمعاتنا ومؤسساتنا، لذلك فإن حوار ألذات مع التراث أضحى اختياراً لا رجعة فيه، لأنه الإطار المرجعي لكل من اللبرالي والسلفي به يفكر وعليه يقيس وفي ضوئه يرى  ويوحي و منه  يقرأ  ويؤل.)11 فلواجهة التحديات الفكرية والثقافية والتغيرات الحضارية وضرورة مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي يقول محمد عابد  الجابري (اعتقد انه يجب  الاعتراف بأننا لا نملك اليوم حرية الاختيار بين أن نأخذ بالنموذج الغربي وبين أن تتركه لأنه فرض نفسه علينا ودخل في بيوتنا من خلال بضائعة وأسلوب الحياة التي نعيشها في السكن والملبس والمأكل والمدارس ووسائل النقل والاتصال ومناهج التعليم والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، من جهة أخرى فإذا كنا لم نختر النموذج الغربي بمحض أرادتنا فنحن كذلك لم نختر ما تبقى لدينا وفينا من النموذج التراثي، لم نختره لأنه ارث والإنسان لا يختار إرثه كما لا يختار ماضيه، وإنما يجره معه جراً بل يتمسك به ويحتمي داخله عندما يجد نفسه معرضاً لأي تهديد خارجي وهل هناك من تهديد خارجي أكثر استفزازاً للذات وأكثر خطورة على الهوية والخصوصية من زحف حضاري على نموذج حضاري آخر)  ) 12وهكذا يطرح أمامنا سؤال لماذا تأخر المسلمون؟ سؤال يتكرر طرحه منذ ما  ينيف عن قرن ورددته الأجيال كلما وعت لحاضرنا وما عليه الأخر،سؤال   يطرح في أطار رفض للاختراق الغربي الأوربي من جهة ورفض للتدني المتواصل مقارنة بما حققه الأسلاف أيام الازدهار. فهل الإجابة على السؤال بتبني القيم الفكرية العصرية بنموذجها الغربي؟ هذا ما دعى أليه البعض أم التمسك بالتراث وقيمة الحضارية وهو ما يدعو أليه آخرين وغيرهم يدعوا إلى التوفيق بن الفريقين ومنهم من قال: (إني لأقولها  صريحة  واضحة: أما نعيش عصرنا  بفكره ومشكلاته وأما أن نرفضه ونوصد الأبواب لنعيش تراثنا نحن في ذلك أحرار لكننا لا نملك الحرية في آن نوحد  بين الفكريين).  )13 فهل نرجع إلى الأصل لننطلق منه إلى المستقبل من اجل تحقيق النهضة ومواجهة التحديات أم نهرب إلى الماضي لنحتمي به و نتخندق  في مواقع خلفيه خوفاً من العدو الذي يهاجمنا؟(وهنا نجد أننا نعيش في حالة من القلق والتوتر والالتباس في العلاقة بن الماضي والمستقبل بين التراث والفكر المعاصر بين ألانا والأخر مما جعلها علاقة لا تقوم  على الاتصال ولا على الانفصال وإنما على التنافر والتدافع والنتيجة تشويش ا لحلم النهضوي في وعينا وتعتيم الرؤية في فكرنا . )14

 القسم الثاني