ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

أثر اللاشعور على اضطهاد المرأة في المجتمع الريفي العراقي


القسم الأوّل


سعدون محسن ضمد

 

أثر اللاشعور على اضطهاد المرأة في المجتمع الريفي العراقي

سعدون محسن ضمد

إن فهم الآخر ما لم يكن مصاحباً باعتراف كامل به بوصفه ذات، مهدد بأن يُستَخْدَم في تحقيق غايات استعلائية، بحيث تصبح المعرفة سبيلاً للتسلط

المقدمة

إن الإدراك الذي يصدر عنه الفرد ويؤسس بالاستناد إليه بنيته السلوكية والفكرية ومن ثم يضع الأيدلوجية التي تحكم علاقته بالآخرين، هو منبع الألم وسكينة الذبح التي أمسك بها الذابح والمذبوح على حد سواء، هو الذي برر للإنسان استعباد الإنسان وجره بالحبال والقيود ألإدراكية قبل الحديدية والمعنوية قبل المادية، وبالتالي فإن هذا الفهم هو الذي سَرح بهذا المُقَيِّد نحو التنظير لخسّة المُقَيَّد ودنوه رتبة، ولطالما حاولت دون جدوى إقناع أبي، ذلك الإنسان البسيط الذي عايش العبودية في آخر أيامها([1]) أن أسود البشرة سواءً كان ذكراً أو أنثى، مساوٍ له في جميع المزايا الخَلْقية والخُلُقية، ذلك أن الإيحاء الجمعي الذي مارسه المجتمع (المرؤوس من قبل مجموعة كانت تنتفع بترسيخ مثل هذه الأفكار)، أو لنقل اللاشعور الجمعي، كان قد حول هذه الفوارق إلى عقيدة متجذرة في لاشعوره ولا سبيل إلى رفعها منه. ومن هذا المنطلق وبهذا المضمون تتأسس الرؤية التي أرى أنها تنظّر لفهم وحل مشكلة المرأة على اعتبار أنها ضحية من ضحايا اللاشعور الذي هو المساحة الاعتقادية التي تحكم وتتحكم بمعرفة وسلوك الإنسان أياً كانت درجة غيابها عن وعيه.  إن الإطار المرجعي الذي يستند إليه الفرد خلال عملية تعاطيه مع الواقع الخارجي ـ والذي يؤثر تأثيراً بالغاً في سير السلوك الإنساني ـ هو في الحقيقة مجموعة القيم والمعايير والأعراف والعقائد والتقاليد التي يحتوي عليها لاشعور الفرد، وهو لذلك غالباً ما يقود الإدراك والسلوك لأنه يحتوي على وحدات معرفية مسلم بها، وهذه الوحدات تكون محصنة عن النقد ما دامت منـزوية في منطقة اللاشعور، وهي مع ذلك لا تكون عرضة للشك، حيث أنها لم تدخل في الإطار المرجعي أو البنية اللاشعورية إلا بعد أن تكون قد مرت بمراحل التلقي العقلي، أو ألإدراكي. أي أن الإدراك يعاملها على أنها مفردات قد تم التحقق من صحتها، وهي لذلك تصلح أن تكون قواعد للتأسيس ألإدراكي أو السلوكي. وعلى هذا الأساس يكون من الضروري فهم طبيعة المفردات المعرفية التي تتحكم بعلاقة الرجل بالمرأة في المجتمع الذي نريد أن ندرسه، من أجل أن نفهم الدوافع، ويكون باستطاعتنا أن نضع الخطوات الضرورية في مشروع الحل والقضاء على المشكلة. لكل مجتمع مجموعة متجانسة من القيم والتقاليد والمعايير والأعراف، وغيرها من محددات ألإدراك والسلوك الإنساني، والمجتمع يعمل دائماً وبصورة آلية على نقل هذه المفردات إلى مجموع أفراده، من أجل أن يحافظ على بنيته الجماعية، من مهددات التماسك. وبهذا الشكل يأخذ الطفل اللبنات المستخدمة في بناء المنظومة ألإدراكية من المجتمع الذي يعيش فيه ممثلاً بمؤسساته، ـ العائلة وما بعدها ـ ومن ثم تصبح آلة الفرد ألإدراكية مطبوعة بطابع المجتمع. لذلك ستبدأ دراستنا بتعريف أولي للاشعور بصورة عامة، محددين طبيعة استخدامنا لهذا المفهوم، ثم نتناول ذلك الكل المتجانس من القيم والأعراف وباقي محددات السلوك، التي تعتبر من مفردات اللاشعور الجمعي الأساسية، من أجل أن نصل لتأثير هذا المفردات ـ اللاشعور الجمعي ـ في صياغة منظومة الفرد ألإدراكية، ومن بعد ذلك نصل لفهم وتعريف الإطار المرجعي الفردي، الذي قام المجتمع بصياغته على وفق بناءه اللاشعوري، من اجل أن نصل بعد ذلك لمعرفة طبيعة العلاقة التي تربط اللاشعور الجمعي بالفردي، ومستوى القسر الذي يمارسه الأول على الثاني. وهكذا نستطيع أن نؤسس لفهم يحاول أن يقع على خلفيات سلوك اضطهاد المرأة في المجتمع موضوع البحث.


([1])  في فترة كان الاقطاع يحكم فيها المجتمع في جنوب وغرب العراق كان استعباد بعض الملونين (والذين أجهل السبب الكامن وراء عبوديتهم) مظهر من مظاهر الترف، الذي لا بد منه .

تعريف اللاشعور

(تحديد المفهوم)..

يُستخدم مصطلح اللاشعور أو اللاوعي أو العقل الباطن للدلالة على معنيين هما:

ألمعنى الأول: ويقصد به «المنطقة من العقل التي توجد عناصرها في حالة كبت»([1]). وقد تم استكشاف هذه المساحة من الإدراك الغائب عن الوعي من قبل العالم سيغموند فرويد (صاحب نظرية التحليل النفسي في علاج الأمراض النفسية)، الذي لاحظ أن الكثير من العقد النفسية تنشأ إثر حالة من حالات كبت الوعي، الغير مرغوب به كآلية دفاعية يقوم بها الإنسان حفاظاً على استقراره النفسي والجسدي، ومن ثم توصل إلى أن عملية الكشف عن المكبوت باستخدام آلية التحليل النفسي، القائم على تداعي الأفكار الحر يؤدي في أغلب الحالات إلى الشفاء التام من المرض النفسي، وهكذا تم لهذا العالم الكشف عن اخطر مناطق الوعي الإنساني وأكثرها أثراً في حياته الفكرية والسلوكية.

المعنى الثاني: هو ما «يراد الإشارة به إلى ما يحدث في داخل النفس من مجريات لا يشعر بها الفكر، ولا تدخل في مجال الوعي والتأمل»([2]).

إن العقل الإنساني إذ ينتهي إلى نتيجة فكرية معينة، إنما يفعل ذلك باستخدامه لجملة من المسلمات التي يتخذ منها مقدمات توصله لفكرته المطلوبة، وهو في عمله هذا لا يقوم باستحضار الأدلة التي تأسست عليها مقدماته آنفة الذكر، ذلك أن عملية الاستدلال عليها قد تم الفراغ منها في وقت سابق، وانتقلت بصورة آلية إلى المستوى الخلفي من مستويات الشعور، ومثال على ذلك أن المسلم حين يمتنع عن شرب الخمر مثلاً؛ فإنه يفعل ذلك لأنه يعتقد بحرمة تناول هذا السائل، وهذه المقولة (حرمت الخمر) هي في الحقيقة نتيجة لجملة مقدمات، من قبيل أن فقهاء الإسلام أجمعوا على هذه الحرمة، وأن آراء الفقهاء ملزمة لأن الله جعلها كذلك بنص الرسول محمد (ص)، ثم إن أحاديث الرسول حجة لأنه المرسل من قبل الله الذي دلت على وجوده جملة من الأدلة العقلية. وهكذا نلاحظ أن جملة المقدمات التي اعتمدها العقل بصورة غير مباشرة في تحديد مشروعية عمل ما، إنما هي مخزونة في ما تحت الوعي من مستويات الشعور العقلية، وملخص القول أن الإنسان كائن عاقل، وهو يصدر في جملة من عملياته الشعورية والسلوكية عن بنيته الفكرية، التي تتضمن جملة التصديقات والعقائد التي يأخذ بتسجيلها من الواقع الخارجي، معبئاً بها خزينه ألإدراكي. إن عملية بناء المنظومة ألإدراكية هذه تبدأ منذ اللحظات الأولى للولادة وحتى آخر سكرات الموت، وخلال هذه المسافة الزمنية الطويلة نسبياً فان عملية البناء هذه تتعرض لكثير من المؤثرات الداخلية والخارجية، والتي تؤثر بدورها سلباً وإيجابا على هذه البنية، وسنحاول تناول هذه المؤثرات، أو الروافد التي ترفد هذه المنظومة لكي نتعرف على الطريقة التي نبني بها آلياتنا ألإدراكية.

يحتفظ المجتمع بالأثر الأكبر في التأثير على بنية الفرد المعرفية، من خلال نقله لجملة عقائده وأعرافه ومعارفه، لأفراده، وخاصة الأطفال منهم، ولذلك نجد دائماً أن أفراد المجتمع الواحد يشتركون غالباً بمساحة واسعة من المعارف والعقائد وغيرها، وهي ما يسمى بـ(اللاشعور الجمعي) الذي هو: «رواسب دفينة في النفس ترجع إلى تجارب وخبرات النوع الإنساني يمتد بعضها إلى الماضي السحيق وما ورثه الناس من أصلهم الحيواني ومن الإنسان البدائي الأول، وما تركته فيهم تجاربهم الاجتماعية في العشيرة والقبيلة والأمة، وما ترسب في نفوسهم من خلال تجاربهم الخاصة، إضافة إلى مخايلهم المتعلقة بالمستقبل»([3]).

إن هذه الآلية التي يصنع من خلالها المجتمع لاشعوره الجمعي، هي في الحقيقة آلية مهمة على صعيد التراكم المعرفي من جهة وعلى صعيد حفظ المجتمع لتماسكه من خلال تماسك أفراده من جهة أخرى. غير أن الذي سنتناوله في موضوعنا هذا، هو فقط التأثير السيئ الذي يمارسه المجتمع من خلال حرصه على نقل العقائد والأفكار السيئة أو المغلوطة لأفراده، ودفاعه المستميت عنها. إذا أن مثل هذه العملية بحد ذاتها تعتبر عملية عصيان مستمرة يمارسها المجتمع تجاه أي عملية إصلاحية.

حيث أن المجتمع ومن خلال جدل العلاقة بين منظومته الفكرية ـ بوصفة ذات معنوية واحدة ـ وبين المنظومة الفكرية لأفراده، يعمل على خزن الكثير من (الأفكار والعقائد والرؤى والشعائر والخرافات... الخ) في خزينه المعرفي، خاصة اللاشعوري، وغالباً ما تكون آلية تلقي هذه المفردات، هي آلية التلقي السلبي، التلقي الذي يكون فيه الفرد مجرداً عن أي فعل تأثيري على المعلومة المنقولة، وتزداد هذه الآلية حضوراً وتأثيراً كلما كانت مرحلة تلقي المفردة المعرفية أقرب لسن الطفولة. إذن علينا ونحن نحاول فهم خلفيات السلوك (الفردي/الاجتماعي) الموجه للمرأة، أن نذهب لهذا اللاشعور، ونجيب عن سؤالين مهمين، كيف يتكون هذا اللاشعور وكيف يؤثر على أداء الفرد والجماعة؟


([1]) اللاوعي ، جان كلود فيلّو ، ترجمة جان كميد ص91.

([2]) الوردي، د. علي، خوارق اللاشعور ص 35.

([3]) الجابري، د. محمد عابد العقل السياسي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1،1990، ص10.

اللاشعور الجمعي

ما دام المجتمع عبارة عن: «الإطار العام الذي يحدد العلاقات التي تنشأ بين الأفراد الذين يعيشون داخل نطاقه في هيئة وحدات أو جماعات»([1]). فأنه بالتالي إطار لعملية مستمرة من التعاطي الحياتي أو المعاشي بين أفراده، وعلى هذا الأساس فلا بد أن تتولد فيه ملامح متقاربة من العقائد والأفكار وجملة محددات السلوك. كنتيجة لهذا التعاطي والاحتكاك، وتصبح بالتالي هذه المشتركات هي الصبغة العامة للمجتمع التي يعمل على نقلها لأفراده. ذلك «إن معايير التفكير وقوانينه، في الواقع، تؤخذ من مصطلحات المجتمع [وتبنى]([2]) على أساس قيمه وتقاليده »([3])، وبالتالي لا بد أن تنشأ في المجتمع الواحد ملامح الشخصية المجتمعية الواحدة، التي هي في حقيقتها مجموع ما يشترك به أفراد المجتمع من مزايا نفسية أو مزاجية أو خُلُقية أو معرفية أو ما إلى ذلك. من هنا كانت هناك مميزات تتميز بها المجتمعات بعضها عن البعض الآخر، فالمجتمع الأمريكي يختلف عن المجتمع العربي، وكلاهما يختلفان عن المجتمع الياباني. فلكل مجتمع من هذه المجتمعات قيمه الخاصة وعاداته وأعرافه ومعاييره ومن ثم ثقافته الخاصة، حيث أن الثقافة في المجتمع يمكن النظر إليها «ككيان مستقل تنتظمه، وتنظم العالم من حوله وبالقياس إليه، منظومة مرجعية خاصة بها، أي جملة من المفاهيم والأدوات الفكرية والرؤى الاستشرافية والقيم الجمالية والأخلاقية... تشكلت خلال فترة أو فترات ـ أو هي تتشكل باستمرار ـ من تاريخ تلك الثقافة»([4]). وكذلك أن «الثقافة الاجتماعية للأمة كالشخصية للفرد. فكما أن كل فرد له شخصيته الخاصة به، إذ هو يتميز بها عن فرد آخر، كذلك تكون كل أمة من الأمم، إذ هي اختصت بثقافة اجتماعية معينة لا تماثلها أية ثقافة أخرى في أية أمة»([5]).

وفي صيرورة المجتمع لا بد من وجود «الإدراك أو الشعور المتبادل [......] حيث أن مجرد وجود علاقة منظمة ومنسقة تعتبر غير كافية لأن تُكون المجتمع، بل يجب أن يكون هناك إدراك أو شعور نفسي متبادل بين أطراف العلاقة تجاه الأهداف العامة للمجتمع»([6])، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن العائلة هي الرافد الأساسي للمجتمع، ومن البديهي أن أفراد العائلة يشتركون بالكثير من المشتركات، التي تأتي بسبب تأثير التربية الذي يمارسه الأبوين ويشترك به باقي أفراد العائلة، فمن «خلال مؤسسة العائلة تجري عملية نقل العادات والتقاليد مثلما تجري عملية نقل الخبرات الحياتية والقيم الروحية والقواعد الأخلاقية والتصورات الحقوقية عبر تنشئة الأولاد وتربيتهم وإعدادهم بالشكل الذي يجعلهم قادرين على التعامل مع من حولهم»([7]). إذن، فالمجتمع وهو يتشكل وينمو، يرسخ داخل بنيته المعرفية جملة من العادات والتقاليد والعقائد والمفاهيم. وهذه بدورها تشكل محددات ذلك المجتمع، أو أنها تمثل مكونات إدراكه، ومن هنا نستطيع أن نقول: أن المجتمع وهو يرسخ في (لاشعور) أفراده، من خلال التربية أومن خلال عملية التعاطي بين أفراده ومؤسساته بصورة عامة، جملة القيم والعادات وغيرها، فإنه يصنع بمعنى من المعاني لاشعوره الخاص به، بوصفه مجتمع واحد. وعليه ستكون هناك بنية معرفية واحدة تتكرر في غالبية أفراد المجتمع، وتتكون من عادات ذلك المجتمع وتقاليده وعقائده.

إذن هذا هو اللاشعور الجمعي وهذه هي الكيفية التي يتكون من خلالها. ولكن كيف يعمل المجتمع على نقل محتويات لا شعوره إلى باقي أفراده؟ إن الإجابة على هذا السؤال تعيدنا حتماً إلى بداية نمو الفرد، إلى اللحظات الأولى التي تتشكل فيها بنيته الإدراكية في عائلته ومع أقرانه في حيه الذي يعيش فيه وبعد ذلك وسط مدرسته... الخ.


([1]) مصطفى الخشاب، دراسة المجتمع، ص7، نقلا عن المجتمع الريفي، (تأليف مجموعة من الأساتذة)  ص47.

([2]) في الأصل (تنبي).

([3]) الوردي، د. علي، شخصية الفرد العراقي، ص31-32.

([4]) د. الجابري، محمد عابد، مصدر سابق، ص62.

([5]) الوردي، د. علي، دراسة و في طبيعة المجتمع العراقي، ص36.

([6]) ر.م. ماكيفر، المجتمع، ص17، نقلاً عن المصدر السابق.

([7]) محمد مبارك، مقاربات في العقل والثقافة، دار الشؤون الثقافية العامة، العراق/بغداد، ط1، ص63.

أثر اللاشعور الجمعي في صياغة اللاشعور الفردي

يولد الطفل  مزوداً بجملة من الدوافع (أو ما يسمى بالغرائز) التي تهيئ للإنسان سبل البقاء فرداً ونوعاً، وعادة ما تكون هذه الدوافع حرة غير مقيدة بأي رادع أخلاقي أو عرفي لدى الأطفال، ولذلك يكون الطفل حراً بالتعبير عن ميوله ودوافعه في بدايات حياته، ثم بعد ذلك يبدأ الأبوين أولاً والمحيط الاجتماعي ـ الذي يزداد اتساعاً بازدياد نمو الطفل وفق علاقة طردية ـ ثانياً، بتقنين هذه الدوافع بصورة أو بأخرى، مما يؤدي إلى نشوء وتأسيس الروادع الأخلاقية لديه والتي تتكفل بتسجيل المسموح وغير المسموح به من الأفعال والتصرفات، ومن هنا يبدأ الكيان النفسي للطفل بالنمو، وتأخذ شخصيته بالانحياز والتفرد، وتتشكل أولى الأسس العقائدية لديه،  ويصنف الدكتور علي كمال([1])جملة من العوامل التي يرى أنها تشترك بالتأثير على المنظومة ألإدراكية للإنسان والتي يسميها بـ(عوامل العبث بالعقل) حيث يعتقد أنها تشترك في تشكيل ورفد المساحة ألإدراكية اللاشعورية التي سيعتمدها الطفل في توجيه حياته المستقبلية، ولأن هذه العوامل تمس موضوعنا بالصميم سنورد هنا ما نراه مهماً للدلالة على المراد توضيحه:

عبث الوراثة: حيث يمثل كل فرد حصيلة فعل العوامل الوراثية، ومصدر هذه العوامل يأتي من الوراثة الشخصية للفرد والمستمدة من والديه وأجداده، كما تأتي من الجنس الذي ينتمي إليه، وقد تكون حصيلة هذه العوامل كبيرة وصغيرة.

عبث النمو: يتقرر فعل الوراثة ومداه حال انعقاد النطفة، وتكونها (نقطة الوجود الفردي الصفر) بعدها تبدأ عملية أخرى من التغيير والتي تمتد عبر فترة الحمل حتى فترة الولادة وهذه العلمية ليست حرة أو معصومة من المؤثرات فقد تتأثر بالمقررات الوراثية الكامنة كما أنها قد تؤثر بالمقررات الوراثية الكامنة، فتساعد على تحققها، أو تعرقل هذا التحقق، أو تعطله، ومما يؤثر عليها أيضاً ظروف الحمل والولادة والرضاعة، وما تتعرض له الأم من سؤ تغذية أو أمراض جسدية، أو صدمات نفسية، فكل هذه العوامل قد تؤثر على مقدرة الطفل العقلية.

عبث الطفولة: يتعرض الطفل لعوامل مستجدة تبدأ عملها فيه بعد فترة الولادة وحتى سن البلوغ، ومن أمثلة هذه العوامل، حرمانه من الاهتمام الذي ينصب على غيره من الأطفال.

عبث المدرسة:

عبث الجماعة: فالجماعة التي يعيش الفرد وسطها قد تسند وجوده وبقاءه ولكنها لا تحافظ عل هويته، بل بالعكس فهي تعمل على سلب هذه الهوية الفردية لتجعل من الفرد في صف مع غيره لمواجهة جماعات أخرى.

عبث العائلة([2]): تمثل العائلة الدور الأول وربما الأهم من تعريض الإمكانيات العقلية الفردية لفعل العوامل المؤثرة الخارجية ومما يساعد على ذلك كون الطفل يعتمد على والديه اعتماداً كلياً وهو على استعداد بالتالي لتقبل ما يتعرض له من تشجيع أو نهي.

عبث التلقين: إن تأمل السلوك الإنساني في الحياة المعاصرة يدلل بوضوح على أننا نعيش وإلى مدى بعيد، حياة تلقينية، ولعلنا أكثر من أي وقت مضى في التاريخ أكثر تعرضاً لعمليات التلقين التي تتوالى علينا من كل مصدر، ويبدو أن الإنسان المعاصر أكثر قابلية على التلقي، وهو يقبل به على أنه الأساس لعملياته الفكرية، لا لأنه يعتنق ما لقن ويؤمن به عن طريق القناعة، وإنما لأنه لا قبل له على تأمل حقيقة الأمور كما هي عليه في الواقع وإنما يقبل بها كمسلمات، وهو قبول يدلل على أنه لا يريد أن يتعب نفسه أو يجهدها في التوصل إلى قناعات متأتية من النظر في الأمور وامتحانها، وفي الحقيقة يمثل التلقين كعملية إقحام للأفكار وزرعها في العقول عبثاً حقيقياً ومتعسفاً.

ومن عوامل العبث بالعقل أيضاً العاطفة التي اعتبر الدكتور علي كمال أنها «تصدر عن المستوى الوسطي الواقع بين مستوى الفعاليات الانعكاسية التي تتسم بها الكائنات الأدنى من الإنسان، وبين مستوى الفعاليات العليا  التي يختص بها الإنسان»([3]).

هذه كما قلنا جملة من العوامل التي تشترك برسم التضاريس العامة لعقلية الفرد، ونحن نستطيع أن نلاحظ حضور المجتمع، أو ما يسمى بـ(اللاشعور المجتمعي) الواضح في عملية رسم التضاريس هذه فـ(عبث العائلة وعبث الطفولة وعبث المدرسة وعبث الجماعة وعبث التلقين)، كلها عوامل تأثير في بنية الفرد الإدراكية يقوم بها المجتمع.

إذن بهذا الشكل يؤثر المجتمع في نشوء عقلية الفرد وبالتالي مسلماته التي سيرتكز عليها خلال عملية حكمه على الأمور والاعتقاد بها، ومن هنا تنطلق رحلتنا مع اللاشعور الجمعي، ونحن نحاول تقصي أثره في تكوين الإطار المرجعي الفردي، والضغط عليه من أجل دفعه لممارسة ما يلائم أفكار المجتمع وتطلعاته ورؤا


([1])  د. كمال، علي العبث بالعقل ص 20 بتصرف.

([2])  لا أجد ما يبرر للدكتور التمييز بين هذا العامل وعامل عبث العائلة .

([3]) وهناك نوع آخر من أنواع العاطفة أرى أن له الأثر البالغ على مسيرة الإنسان الفكرية والسلوكية، تلك هي العاطفة التي تنشأ بينه وبين معتقداته الفكرية (الدينية وغيرها) والتي تكون متمكنة من الذات بالدرجة التي تحول بينها وبين النظر إلى العقيدة بالعين الناقدة الموضوعية المجردة عن كل تأثير، وبالتالي تقبل النقد الحقيقي إزائها، وهذه العاطفة هي التي تفسر لنا حالات الغضب التي يتعرض لها الفرد العاجز عن الدفاع عن عقيدته خلال المحاورات الفكري

أثر اللاشعور الجمعي على إطار الفرد المرجعي

قبل التعرف بصورة أكثر على عملية التأثير التي يقوم بها المجتمع على الأطر الفردية لأفراده، لا بد لنا أولاً من معرفة المقصود بالإطار المرجعي الفردي، باعتباره آلية في إنتاج الرأي ومن ثم السلوك، وخاصة السلوك الفردي، من أجل أن نستطيع أن نفهم طبيعة التأثير المتبادل بين هذين الطرفين

تعريف الإطار المرجعي

الإطار المرجعي هو: «خلاصة خبرات الإنسان المتجمعة على مر الأيام، والسنوات التي تم تمثلها واكتنازها بموجب الاستعدادات والقدرات الشخصية، الوراثية والمكتسبة معاً، ضمن ظروف البيئة الاجتماعية ومؤثراتها وعلاقاتها»([1]) بعبارة أخرى، نستطيع أن نقول: أن الإطار المرجعي هو جملة المفاهيم والمفردات المعرفية التي يستعين بها الإنسان من أجل فهم موضوع ما أو تحديد الإجراء العملي إزاءه. وكما وضحنا في فقرة سابقة، إن الإنسان وبما يختزنه في لاشعوره من مقدمات جاهزة يتعامل مع الموضوع الخارجي بالإستناد لتلك المقدمات، وبكيفية ستتضح من خلال تناولنا ـ في الفقرة التالية ـ كيفية عمل الإطار المرجعي.

إذن هكذا يكون «لكل منا إطاره المرجعي الذي يحدد بواسطته علاقته مع العالم. فنحن لا نعرف شيئاً ولا نتعرف عليه إلا من خلال ما نربطه به نوعاً من الربط. والعقل البشري هو [......] جملة من العناصر (مفاهيم وتصورات وإجراءات) تشكل المستندات التي تحدد علاقتنا بالأشياء: فهمنا لها، رد فعلنا إزاءها، موضعتنا لها»([2]). وهكذا فحيث يكون المثير أو المنبه الذي يصدر من الواقع الخارجي مقبولاً بالنسبة للشخص المُدْرِك، أو مرفوضاً، تكون الصورة الذهنية التي ـ هي: «التمثيل المنظم للمنبه في نظام الفرد المعرفي»([3]) ـ المتشكلة بسببه كذلك، ومن ثم يكون الإجراء العملي المتخذ بحقه، تابعاً لتلك الصورة. ولما كانت الصور الذهنية بمعنى من المعاني هي الرؤية التي يحتفظ بها الفرد إزاء موضوع ما، في داخل لاشعوره. فيكون ما يتراكم من مجموع الصور الذهنية في وعاء الفرد ألإدراكي يُكَوِّن إطاره المرجعي.


 


([1]) عن المدخل في الاتصال الجماهيري، الموسى، د.عصام سليمان، ص59.

([2]) الجابري، د. محمد عابد، تكوين العقل العربي، دار الطليعة، بيروت لبنان، ط1، 1984.

([3]) عن، الموسى د. عصام سليمان، مصدر سابق.

كيف يعمل الإطار المرجعي

تعرف الصورة الذهنية (Image) بأنها: «مفهوم عقلي شائع بين أفراد جماعة معينة يشير إلى اتجاه هذه الجماعة الأساسي نحو شخص معين أو نظام ما أو طبقة بعينها أو جنس بعينه أو فلسفة سياسية أو قومية معينة أو أي شيء آخر»([1])، وتعرف أيضاً بأنها: «تشير إلى التقديم العقلي لأي شيء لا يمكن تقديمه للحواس بشكل مباشر، أو هي إحياء أو محاكاة لتجربة حسية، كما أنها قد تكون تجربة حسية ارتبطت بعواطف معينة. وهي أيضاً استرجاع لما أدركته حواس الرؤية أو السمع أو اللمس أو الشم أو التذوق»([2])، على هذا الأساس يكون تصرف الإنسان تجاه موضوع ما مرهون بالصورة الذهنية التي يحملها عن ذلك الموضوع في ذهنه فـ«الكيفية التي يتصرف بها الإنسان تعتمد على الصورة الذهنية، وأن أي تغيير يصيب الصورة يستتبع بالضرورة تغييراً في السلوك»(