ألرئيسية
مركز مدارك للدراسات والبحوث
المركز العراقي لثقافة الطفل
مجلة مدارك
دراسات وبحوث
من نحن؟
اتصل بنا
مواقع مشابهة

 

نظام الحكم في الإسلام ..

سالم جلود

الجزء الثاني

العصر الحديث

نظرية الشورى: لقد كان للموجة الاستعمارية في العصر الحديث اثرها الفاعل في ايقاظ المسلمين من سباتهم الطويل وتنبيههم على امرين في غاية الخطورة والاهمية وهما اولا سبل التخلص من الاستعمار المكتسح لاوطانهم وديارهم والثاني سبل مجاراة هذا الاستعمار في ما بهر اعينهم من تطوره العلمي وحداثة انظمته السياسية ورقيها بما تحتويه من حرية وحقوق انسان ورفاهية عيش وقد اكتشف الرواد الوائل مثل الطهطاوي والافغاني ومحمد عبده وخير الدين التونسي وعبد الرحمن الكواكبي ان هانك عقبة كاداء تقف في طريقهم وهي السلطات الحاكمة المستبدة التي تسبب دوام  الاستعمار والتخلف معا فصارت محاربة الاستبداد محورا تمركزت عليه جهود هؤلاء الرواد ( وقد اخذت هذه الاطروحة اشمل صورها واتمها عند الكواكبي)([1]) في كتابه طبائع الاستبداد .

وفي ساحة تطور اخرى تعتبرما تدعى بحركة المشروطة التي قادها الفقهاء في ايران عام 1905 م  اهم الحركات الدستورية التي مهدت لنشوء فكر سياسي يحافظ على قيم وروح الشريعة و يساير روح التطور السياسي الحديث وقد نتج عنها في العام التالي قيام الدستور ومجلس الشورى ( البرلمان ) والذي دخله عدد من الفقهاء المشاركين في تلك الحركة .

وقد اخذت هذه الحركة اطارها  التنظيري الشرعي  في كتاب الميرزا حسن النائيني " تنبيه الامة وتنزيه الملة " الذي اطر الحياة الدستورية باطر فقهية متينة([2]) ، والذي نركز فيه على بعض القضايا التي تهم البحث ومنها تاكيده على  انه في غياب المعصوم فان الدستور هو اهم الضمانات الفعالة في جعل الحاكم اقرب إلى النموذج الاعلى والدستور هو اعلى القوانين واحكامه لازمة الاجراء على كل فرد في جهازالدولة بمن فيهم الحاكم نفسه اويجب علىالدستور ان يحدد صلاحيات الحاكم ويعرف حقوق الشعب وحرياته والحقوق الخاصة بكل طبقة من طبقاته بشكل موافق لمقتضيات الدين .

وركز بعد ذلك على الالتزام بالدستور وشرعيته التي يستمدها من عدم مخالفته للشرع ، وعلى تشكيل مجلس الشورى الوطني او هيئة الرقابة والمحاسبة التي تضم علماء وحكماء  معروفين بالصلاح .

اما مشروعية مجلس الشورى فيشير إلى انه " بناء على اصول اهل السنة والجماعة : تابعة لدليل ولاية اهل الحل والعقد " الملزمة في نظرهم ،واما بناء على اصول الشيعة " فاننا نعتبر امور الولاية والنظام في عصر الغيبة من وظائف نواب الامام وهم الفقهاء المجتهدون وعليه فان وجود بعض الفقهاء العدول في المجلس او على اقل تقدير الفضلاء الماذون لهم من الفقيه العادل ثم موافقة الفقهاء على صحة ونفاذ الاراء الصادرة عن مجلس الشورى ، يعتبر كافيا لاسباغ المشروعية على المجلس "

وكما ان النائيني رسخ الخيار الشيعي في تبني نظرية الشورى اساسا للحكم فان الشيخ محمود شلتوت اعطى افضل صياغة للنظرية عند اهل السنة بتحديده  المبادئ التي ترتكز عليها النظرية([3]) وهي :

السيادة لله

الامة مستخلفة

الخليفة وكيل عن الامة

الشورى اساس الحكم

وهذا ما اتجه اليه جمهور اهل السنة المعاصرين ، فقد كانت كلمتهم واحدة في هذا المجال .

ولاية الفقيه:

وهي من مختصات الفقه الشيعي الحديث وقد تبناها عدد غير قليل من الفقهاء على تباين بينهم في مساحة الولاية .

وتستند في شرعيتها حسب راي الامام الخميني إلى التكليف المتتابع : الله - الرسول - الامام - الفقيه العادل .

فاذا نجح احد الفقهاء العدول بتاسيس الحكومة الاسلامية واضحى مبسوط اليد ، وجب على بقية الفقهاء اتباعه.

اما مجلس الخبراء فينتخب الولي الفقيه في ضوء الشروط  وهو مولى عليه ايضا من قبل ولي الامر .

وتكون ولاية الفقيه : دائمة ، مطلقة ، متمركزة ، وهي منشا مشروعية النظام  ويكون راي الشعب هو الميزان في المجالات التي يحددها الولي الفقيه([4]).

اما الضمانة التي تحول دون الاستبداد في راي الامام الخميني  فهي متضمنة في شرط العدالة " بالاستناد إلى فقاهة الولي وعدالته لا يتسنى للاستبداد والدكتاتورية ان ينفذا في النظام ..." 

وهناك رؤى اخرى ([5]) للنظرية كما نجدها عند الشهيد محمد الصدر  الذي يتبنى النظرية ولكن دون " ان يكون الفقيه وليا عاما كالمعصوم او لا يكون وليا على الاطلاق " و يؤكد " ان الفقيه ليس كالمعصوم ولم يقم الدليل على ذلك ..."

اما السيد محمد باقر الصدر فقد اسس مشروعه السياسي على قاعدة الشورى اساسا لنظام الحكم في الاسلام مستدلا بقوله تعإلى " وامرهم شورى بينهم " واثبت هذا في كتبه لحزب الدعوة تحت عنوان الاسس([6]).

ثم تخلى عن هذا الطرح وتبنى ولاية الفقيه اساسا لنظام الحكم في الاسلام مستمرا في البحث الجاد في الموضوع إلى توصل في الاخر إلى صيغة وسطية بين الشورى وولاية  الفقيه انعكست في مشروعه لدستور الجمهورية الاسلامية في ايران الذي نشير فيما يلي إلى اهم اخص ما ورد فيه([7]):

"ان الله سبحانه وتعإلى هو مصدر السلطات جميعا"

"الشريعة الاسلامية هي مصدر التشريع ..."

وان الاجتهادات المتعددة  تعتبر بدائل يتم الاختياربينها من قبل السلطة التشريعية التي تمارسها الامة على ضوء المصلحة العامة كما تسن من القوانين ما تراه صالحا لملىء منطقة الفراغ في التشريع بشكل لايتعارض مع الدستور.

" ان السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية قد اسندت ممارستها إلى الامة..."

" المرجع هو النائب العام عن الامام من الناحية الشرعية " و " يتولى ترشيح او امضاء ترشيح الافراد الذين يتقدمون للفوز بمنصب رئاسة السلطة التنفيذية " ويتولى  " انشاء ديوان المظالم – السلطة القضائية – في كل البلاد "

يكون للامة " الخلافة العامة على اساس نظام الشورى التي تمنحها حق ممارسة امورها بنفسها ، ضمن الاشراف والرقابة الدستورية من نائب الامام "

" الامة هي صاحبة الحق في الرعاية وحمل الامانة ، وافرادها متساوون في هذا الحق امام القانون ، ولكل منهم التعبير من خلال ممارسة هذا الحق عن ارائه وافكاره ، وممارسة العمل السياسي بمختلف اشكاله ، كما لهم جميعا حق ممارسة شعائرهم الدينية والمذهبية "

اما مواصفات المرجع الذي يصلح لولاية الفقيه فيحددها بعبارة موجزة هي " الكفاءة  واللياقة من الناحية الدينية والواقعية "

ومن القضايا التي بدات تاخذ مكانها في التفكير السياسي الشيعي على وجه الخصوص  ما نقل عن السيد الصدر الثاني([8]) جوابا عن سؤال وجه اليه اذ يقول : ان ثمة معطيات سياسية لا يملكها رجل الدين – في السؤال المفروض – فهل من الحكمة ان يتدخل رجل الدين في امور لم يتح له ان يطلع عليها اطلاعا وافيا ؟  وهل من الحكمة ان يتورط في مواقف لم يحط بها احاطة شاملة؟ قطعا لا ، وانا مع مبدا الفصل بين القيادتين ، شرط ان يجعل الحاكم السياسة في خدمة الدين لا ان يسخر الدين في خدمة السياسة                                                              

شورى الفقهاء :

(ان نظرية شورى الفقهاء والمراجع مشروع فكري وعملي .. واسهام  في النهوض بالمرجعية واستنقاذها المحنة العصيبة الخانقة التي كبلتها وغلبتها على امرها)([9]) ويراد منها ( اجتماع مرجع التقليد فيما بينهم ضمن  مجلس شورى  وتبادل الراي في القضايا العامة التي تهم اكثر ابناء الامة او كلهم في زمان ومكان معينين .. ثم التنسيق فيما بينهم للعمل والموقف المشترك ) ويحاول صاحب كتاب شورى الفقهاء اثبات ادلة وجوب شورى الفقهاء من  الكتاب والسنة والعقل واراء بعض كبار الفقهاء قديما وحديثا اضافة إلى ادلة ذم الاحادية ومدح المشاركة في الاراء وصولا إلى الاصوب.


([1])  نفس المصدر ص 136.

([2])  نفس المصدر ص 127.

([3])  نفس المصدر ص 149.

([4])  نفس المصدر ص 155.

([5])  نفس المصدر ص 156.

([6])  نفس المصدر ص 172.

([7])  نفس المصدر ص 174.

([8])  نفس المصدر ص 190.

([9])  ناصر حسين الاسدي  شورى الفقهاء مفتاح الاصلاح العام  ص 12

نقد وتحليل

يلاحظ من أدبيات التراث الإسلامي بكافة تياراته التركيز على شروط مواصفات الحاكم من النواحي الجسدية والعلمية والاخلاقية على تباين ليس كثير في ذلك ، أما من ناحية إلية الاختيار فان الشورى و قرار أهل الحل والعقد هو القاسم المشترك في هذه الافكار ومن الغريب ما داب عليه كثير من الباحثين من ان التعيين هو الخيار الشيعي وان الشورى هي الخيار السني وهذا غير صحيح تماما اذ ان الشيعة تعطي صلاحية التعيين للمعصوم فقط وهذا مختص بفترة حياة الرسول والائمة الاثني عشر ، بينما يمثل – أي التعيين - احد الخيارات العامة عند اهل السنة استنادا إلى حجية عمل الصحابي عندهم و ممارسة ابو بكر له  في تعيين عمر بن الخطاب رغم نفي العصمة عندهم لغير النبي ص .

 واستنادا إلى المعطيات النظرية والعملية المثبتة في ما سبق نشيرإلى الفقرات التالية :

تجاوز الخلافات المذهبية قدر الامكان : فانه يمكن ملاحظة  ما حدث خلال بيعة ابي بكر من اختلافات واتفاقات وعدد الاشخاص المشتركين في ذلك وكيف حسم الامر وكذلك ما حدث من ظروف وملابسات في تعيين ابي بكر لعمر وفي تشكيل عمر لمجلس شورى من ستة اشخاص بتعليمات معينة وما حدث من الناس للامام علي بن ابي طالب اقول يمكن دراسة ما حدث وتحديد الصالح من ذلك  للتطبيق في زماننا هذا طبقا للموازين الشرعية المحددة

من جهة وتطور اليات التطبيق السياسي من جهة اخرى ثانية ، تاركين ما عدا ذلك للبحث التاريخي المتخصص .

تجاوز الخلافات الفقهية : ونقصد هنا تجاوز الغاء الخيار الاخر مادام يستند إلى المبررات الشرعية والعقلية الكافية ولو بالحد الادنى واعتبار ذلك غنى في الخيارات فعلى سبيل المثال هل ان نظرية الشورى تستغني عن الممارسة الفقهية ؟  ام ان نظرية ولاية الفقية منعزلة عن اراء الا مة وخياراتها ضمن حدود الشرع  ؟  وكذا الامر بالنسبة إلى خيار شورى الفقهاء ، وفي هذا الصدد نشير إلى ان من لا يتبنى ولاية الفقيه لايعني ذلك منه انكار مطلق الولاية كأن تكون ولاية مجلس شورى الفقهاء او انكار الولاية مثلا  للحاكم المسلم وبقية عناصر السلطة – كل حسب نطاق مسؤوليته - في نظام مستند إلى نظرية الشورى  وبامضاء او قبول من الفقيه او الفقهاء الشرعيين وبهذه الطريقة تقل الحدية وتحل محلها اجواء من التواصل والاثراء .                   

نقد الماضي بمقاييس الحاضر : قد يعاب على باحث ما نقده التراث السياسي بمقاييس الحاضر ولكننا يجب ان نميز  بين مقام التقييم الذي ياخذ بنظر الاعتبار طبيعة المرحلة التي نشأ فيها الفكر ومدى تطورها وبين مقام التبني والالتزام الذي يبحث عن فاعلية الفكرة وقوة معالجتها للاشكالات الراهنة .

الترابط التعبيري بين الاخلاق والسياسة : داب الكثير من الباحثين على نفي وجود نظام سياسي اسلامي بالتركيزعلى ان غاية ما اشارت اليه  الشريعة الاسلامية هو التعاليم الاخلاقية الوعظية التي تحث على عمل الخير وتجنب الشرور الناتجة عن التعدي على حقوق الاخرين منذرة من يخالف ذلك بعقاب الله وسخطه ، وقد اخذت هذه المواعظ تعابير متنوعة من التكاتف والتعاون  والامر بالمعروف والنهي عن المنكر واخراج فضل المال واداء الخمس والزكاة في الجانب المالي والنهي عن الاحتكار والاستغلال وتعبير الشورى الذي يبرز فيه الجانب الاخلاقي اكثر من الجانب السياسي الواضح والمحدد والملزم ايضا، وقد سار على نفس الدرب الباحثون المؤيدون لوجود نظام الحكم في الاسلام في عدم المقارنة اللفظية والمنهجية  بين المصطلحات الحديثة والتعابير المستخدمة اسلاميا .

والحقيقة ان الخيارات اللفظية الاسلامية في هذا المجال يتلاحم فيها البعدين الاخلاقي والسياسي  وهذا الامر ناتج عن شمول الاطروحة الاسلامية  للجانب الروحي في تركيبة  الإنسان والجانب الاخروي في وجوده واخذ ذلك الاعتبار في أي معالجة تختص بالحياة الدنيا ومنها المعالجة السياسية .

الخلط بين المبادئ المجردة واحد مصاديقها :   كقضية  شرط العلمية  او الاعلمية في الحاكم فان القضية هي ارادة  هيمنة العلم على خطوات عمل الدولة ، وصولا بحيث يزال كل ما يمكن من العقبات اما م تلقي المعلومة ، وتطبيقا بحيث تجد طريقها ميسرا إلى الممارسة. وتحديد الصيغة المناسبة لذلك يجب ان يخضع للنقاش الموضوعي المفتوح والمرن لاختيار الصيغة  الافضل من بين الفقيه الواحد او مجلس شورى الفقهاء  او مجلس علمي استشاري يضم فقهاء واختصاصات مهمة اخرى ذات صلة او الرقابة المفتوحة لكل من يستشكل على وضع معين وله الاهلية لذلك وضمن ضوابط معلنة ويحفظ له الحق الكامل وحسب الدستور في الاستماع وتطبيق ما يقر من مداخلته وحسب برنامج شهري  او سنوي معلن ومعروف ونفس الامر يتبع في تقرير الولاية هل هي لفقيه واحد ام لمجلس فقهاء ام للحاكم بامضائهم او قبولهم اوعدم اعتراضهم على اساس اتباعه للشريعة ويجب علينا علماء وعامة معا ونحن نتناول هذا الامر ان  نتجاوز الحالة النفسية السيئة باعتبار النقد انتقاصا من شخص معين او تشكيك بلياقته القيادية فان الامر اكبر من ذلك كما هو واضح ، كما نؤكد من جانب اخر على  طاعة نظام الولي الفقيه في حالة اختياره من متبني الاراء الاخرى  داخل في مجتمعهم  وعلى احترامه في مجتمعات شقيقة اخرى .  

الخلط بين الإنساني (في جانبيه السلبي والايجابي) من جهة والعقائدي من جهة اخرى : وقد حصل ذلك في تقييم الواقع السياسي في الحضارة الاسلامية وخاصة عصر الخلفاء اذ مورست طريقتين في تناول الواقع السياسي ؛ الطريقة الاولى حملت الاسلام  وزر المسلمين المعرضين بداهة لكل نواقص البشر والاخرى مارست عملية تقديس وهمية جعلت سيرة الصحابة مصدرا للتشريع ،وهذا ما فعله الماوردي كما اشرنا سابقا حيث بنى طرق اختيار الخليفة على اساس الواقع العملي الذي مارسه الصحابة بعد وفاة الرسول ص دون ان يبين المستند الشرعي في ذلك .

الخلط بين النهج العملي في مواجهة منهج مغاير وبين النظرية المتبناة :

وهذا النهج العملي يستخدم مرة في مواجهة نظام حكم متسلط حسب ممكنات العمل وذلك  للمساهمة في الجوانب الايجابية من نظام الحكم المخالف وحاجة المجتمع إلى خدمة المخلصين من ابنائه كما نلاحظ ذلك من دخول الائمة ع في الكثير من فعاليات الدولة التي عاصروها رغم خلافهم معها وانعدام شرعيتها من وجهة نظرهم كما قام الائمة والمسلمون المخلصون بادوار مهمة في هذا الشان  مثل صك الباقر ع  للنقد   ودخول الامام الرضا ع  في ولاية عهد المامون .. واذا كان النائيني قد اشار في حالة وجود سلطة غاصبة وعدم امكانية تغييرها فانه  " .. يمكن ان يكون اذن صاحب الولاية الشرعية سبيلا إلى اخراجه من صفة الغصب ، فلا يعود المتصدي غاصبا  او ظالما لمقام الامامة او الولاية " فان العمل لانقاذ ما يمكن انقاذه في أي وضع – دون اسباغ الشرعية عليه - يعتبر من باب اولى . وما يشيرالماوردي اليه من ذهاب بعض فقهاء العراق إلى ثبوت الولاية للحاكم المتسلط وانعقاد امامته وحمل الامة على طاعته فان ذلك له منطق واحد هو التعامل مع الامر الواقع الذي لامناص منه لعمل كل ما هو ممكن وايجابي حسب منطق الاولويات الذي يؤكد عليه العقل والشرع دون ان يعني ذلك الاعتراف بشرعية الحاكم المتسلط  ولا التنصل عن تحين الفرص المناسبة لعزله حسب الطرق الشرعية بعد حساب عوامل القوة والضعف في ذلك .

وقد يستخدم هذا النهج العملي مع القاعدة الشعبية المتبعة للقائد حسب قابلياتها ودرجة وعيها فقد سال ابن عباس الامام علي عن سبب احجامه عن بيان بعض الاحكام؟ فاجابه الامام ان لو بينها لانهدم عسكره([1]) وعن سؤال لاحدهم للامام الصادق عن تناقض جواب له مع اخر لابيه (ان الشيعة اتوا لابي مسترشدين فافتاهم بمر الحق ، واتوني شكاكا فافتيتهم بالتقية)([2]).

الخلط بين قداسة الاسلام وبشرية المسلم  بالغا ما بلغ من العلم والثقافة بل من التدين ايضا مادام غير معصوم فكم انسان قتله جهله وعلمه معه لاينفعه كما هو مضمون احد الاحاديث الشريفة وكم انسان  لم تتضح له الرؤية الصحيحة فغاص في الخطأ وهو يحسب انه يحسن صنعا ، وكم من جهل بعد علم ومن انحرف بعد استقامة ، وواقع الحال يشهد ان  المشاكل التي يواجهها المجتمع المسلم تحت عنواني الجهل والانحراف لاتقل في خطورتها كثيرا عن نظيرتها في أي مجتمع اخر واكثر ما يدل على ذلك هو قول الرسول الكربم " جار عليكم ما جرى على الامم من قبلكم حذو النعل بالنعل حتى ان دخلوا حجر ضب دخلتموه "  وقول علي ع  لمن تشوشت لديه الرؤية في حروب الامام مع اهل الانحراف " انك نظرت إلى اسفلك ولم تنظر إلى اعلاك ، اعرف الحق تعرف اهله واعرف الباطل تعرف اهله " ليجعل المقياس المجرد وليس المشخص هو اساس التقييم .

وبعد ان اشرنا إلى بعض الالتباسات التي ينبغي الالتفات اليها في تناول الموضوع نعود إلى صلب القضية لنقول ان اساس المشكلة السياسية في الاسلام هوهذا الاطار الوجودي الخاص بالإنسان والذي سمح له فيه ان يمارس دورا في مصيره –بواسطة الارادة- مع ما يمتلكه من صفات غير متكاملة يكتنفها اخطر صفتين وهما الجهل والدافع السيئ واللتين يولدان كل ما يؤدي إلى الافساد وسفك الدماء وكل ذالك من اجل ان توفر لهذا الإنسان فرص التكامل المتصل بالارادة مختلفا بذلك ومتميزا عن كل الكائنات الاخرى ، وحسب تعبير القران (.... انه كان ظلوما جهولا ) على اسلوبه الاخلاقي في التعبير كما قدمنا انفا لكون الظلم ثمرة للدافع السيئ  . 

على ما تقدم يتضح ان لب النظرية السياسية ينصب على معالجة مشكلتين اساسيتين هما :

-    الحهل

-    الدافع السيئ

وعولج الجهل حديثا باستخدام كل الطرق الكفيلة بفسح المجال كاملا امام احدث التطورات لتاخذ حظها من التطبيق ، والمرونة الكاملة ايضا في تبني أي مستجدات قي هذا الشان وذلك بتفعيل مؤسسات المجتمع المدني من مراكز دراسات إلى جامعات إلى انشطة فردية ذات علاقة بالشان 0

اما اسلاميا فقد تم التركيز على خطورة الجهل الطبعي للانسان مهما اتسعت معارفه وذلك بسبب محدودية ادراكه وضيق احاطته بالتفاصيل الدقيقة لاي دائرة وجودية معينة من اجل تجنب  تعريض الوجود الإنساني إلى التلاعب بمصيرة استنادا إلى معلومات غير تامة  اضافة إلى ذلك تدخل الاسلام باطروحاته الاساسية الثابتة التي تؤمن للمجتمع البشري عبور منطقة الخطر في الممارسة البشرية ( ولو اتبع الحق اهوائهم لفسدت السموات والارض00 ) الاية ،   تاركا المجال الواسع المتبقي لتجارب الإنسان وتطورس قابلياته التي لم يرد تعطيلها وانما توجيهها بشكل ايجابي يحفظ للمسيرة البشرية توازنها من جهة وللساحة الدنيوية مقومات وجودها كدائرة امتحان واختبار وتجاوز للخطا باتجاه الصواب  (لو لم تذنبوا فتستغفروا  لخلق الله خلقا يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم ) وفي هذا الجانب فان القواسم المشتركة بين المجتمع المتبني للمنهج الوضعي وبين المجتمع الاسلامي كثيرة بل متطابقة احيانا وتستدعي نفس المعالجات وذلك استنادا إلى العوامل المشتركة التالية :

-    " كل ابن ادم خطاء .. " وهو امر لايشذ منه احد مهما كانت نحلته على اختلاف في التفاصيل ومستوى الخطأ

-    تاثير العوامل البايولوجية وما تزود الإنسان به من مزايا وعيوب متنوعة تختلف من فرد إلى اخر

-    تأثير البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية سلبيا وايجابيا على تفكير الإنسان وخياراته وهو لامناص منه لاي انسان مهما كانت درجة وعيه وموضوعيته

وقد حاول التعليم الاسلامي في مجال مكافحة الجهل تجاوز كل العقبات النفسية والاجتماعية التي تحول دون الوصول إلى العلم والمعلومات او التعامل معها  في حديث "اطلب العلم ولو كان في الصين "   كمنهج تربوي في الحض على السعي للحصو ل على المعلومات الكافية في كل شان مهم  ووصلت بعض الاحاديث الغاية في محاولة تربية الإنسان على تجاوز كل العقبات الموهومة امام نيل العلم في حديث " الحكمة ضالة المؤمن " فجردها من كل حيثيات المصدر واوصافه العرقية والمذهبية. 

اما تاثير الدافع السيئ فقد كان ماساويا في التاريخ البشري واتخذ اشكالا متنوعة من  الاستئثار بالسلطة وسن القوانين الظالمة والحكم بدون قانون والقرارات الفردية المصيرية التي يدفع ثمن اثارها الوخيمة الناس المسالمون الضعفاء  ، وازدواجية تطبيق للعقوبات او للامتيازات على اساس المحسوبية والقرابة ، وقمع المعارضة وتصفيتها وغيرها من الاثار التي حفل بها الواقع السياسي على مر العصور .

وفي الوقت الذي مارس فيه الدين اعظم دور في انقاذ روح الإنسان من التسافل والضياع  ظل الجانب المتصل بارادة  هذا الإنسان عند اغلب ا فراده يمارس دورا بشعا في استغلال الدين لاغراض منحرفة لم تقل في قسوة اثارها عن المظاهرالاخرى للظلم والجور كما حصل عند كهنة الاديان السابقة وفي فترات الدول الاموية والعباسية والعثمانية وما قام به الرجال المحسوبين على الدين في الدول الا وروبية اثناء العصور الوسطى انذار ودليل  على المدى الذي يمكن للانسان ان يوظف أي قضية مقدسة لمآربه الوضيعة

وعولج الدافع السيئ حديثا على اسس فصل السلطات والتعددية والرقابة والمحاسبة وتحديد الصلاحيات وتوزيعها  وتحديد مدد تولي المواقع الحساسة والفاعلة في نظام الحكم اضافة إلى توسيع المشاركة الشعبية من المجالس المحلية إلى مجالس المحافظات وصولا إلى البرلمان.

وكثير من هذه الاليات المستخدمة في السيطرة على انحراف الإنسان شرعت ومورست بدرجات متفاوتة في العصر الاسلامي الاول فقد مارس الرسول ص الشورى مع اصحابه وعين النقباء وتلقى البيعة ومارس التنظير والتطبيق لاصدق عملية رقابة ومحاسبة على مستوى الدولة والمجتمع وهي عملية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر و قوانين الحسبة والدستور المكتوب في المدينة ،  وفي السيرة النبوية المزيد .

يتميز النظام الاسلامي - كما اسلفنا - عن مثيله الوضعي الديمقراطي بما يلي  :

- التركيز على الجانب الروحي المعنوي في الحياة الدنيا

- الجانب الوجودي الاخروي باعتباره الوجود الارقى

 وتاثيرالامرين  ينصب على جعل الإنسان منظو مة متناغمة منسجمة في انشطته الفردية والاجتماعية والسياسية لورودها من منهل واحد هو الاسلام فلا يشعرالفرد المسلم الملتزم بتنافر بين روح التعامل داخل اسرته ومسؤوليلته تجاهها وبين واجباته الاجتماعية على عكس الفرد المنشطر بين عقيدة او عدمها وبين متطلبات الوضع الاجتماعي ، والمثال البسيط على ذلك والذي يوضح بشكل كامل مايراد بيانه هو الواجب القتالي الذي يفرضه المجتمع احيانا على افراده كيف يمكن في مجتمع وضعي دنيوي يجعل التنعم والرفاهية غاية النظام الاجتماعي ان يقنعهم به دون اشكال عقلي او نفسي ، بينما العقيدة الاسلامية بتركيزها على الجانب الروحي باعتباره اساس النعيم البشري دون أي تفريط في الجانب المادي اضافة إلى تاكيدها على امتداد وجود الإنسان إلى حياة اخرى هي اجدى بالعمل لها من هذه الحياة المحدودة قد تواجه احيانا مشكلة معاكسة عند المتيقنين بها في كبح اندفاعهم نحو الشهادة بالموت على اعتبارها امرا استثنائيا لايطلب الا عند الضرورة ويشمل هذا كل الوان التضحيات التي يراد من الفرد القيام بها تجاه منظومته الاجتماعية .

 


([1])  نفس المصدر ص 29.

([2])  نفس المصدر، ص29.

النتائج:

يتضمن النظام السياسي مواد قانونية ومثل سياسية ونهج عام  ثم تاتي الهيكلية الدقيقة لتطبيق تلك القوانين وتحقيق تلك المثل وممارسة النهج المتبع ، وتمثل المواد والمثل والنهج روح الاختيار السياسي لاي نظام حكم ،  اما الهيكلية الدقيقة فتعتمد اعتمادا كبيرا على مدى اتساع  وتنوع الكيان السياسي ( الدولة ) فالنظام الرئاسي ونظام رئاسة الوزراء والنظام المزاوج  بينهما بل وحتى النظام الملكي الدستوري تنويعات شكلية تعكس الوضع التاريخي والديموغرافي الخاص بكل كيان .

ان نظرة فاحصة على روح المعالجة الاسلامية لكافة الشؤون الإنسانية الفردية والجماعية تبين حرص الشارع الاسلامي على التوازن بين الارشاد الديني الالهي وبين مساحات المسؤولية الإنسانية فهناك على سبيل المثال ارشادات طبية او صحية ذات اهمية فائقة براي اهل الاختصاص انفسهم ولكن هل يراد من السلام ان يطرح نهجا طبيا تفصيليا بديلا عن االتجربة والخبرة للمسلمين وغيرهم ، وهناك اشارات علمية مدهشة في دقتها وسبقها وفي مجالات متعددة دون يغني ذلك عن التطلع الإنساني نحو التعلم والاكتشاف بل تعدى امر اخذ الجهد البشري بنظر الاعتبار إلى المجال الفقهي من عبادات ومعاملات بفتح باب الاجتهاد بكل ما يعتور العملية الاستدلالية من مطبات و اخطاء  ولاعجب في ذلك كيف ؟  والإنسان حسب التعليم الديني هو الخليفة المجعول من السماء وحامل الامانة التي لن يطيقها غيره حسب الطاقات والمواهب الممنوحة له لهذه الغاية ،واذا كان المنتقدون للاسلام يريدون ان يقيدوه بمصطلحات خاصة وتفاصيل تطبيقية يعتبرون عدم وجودها دليل على قصوره فانه يتسامى على الاعتبار الخاطئ للالفاظ  كدليل مفاضلة اوعلى التقيد بتفاصيل معينة اسلوبية محايدة مقيدة بازمنة محددة واوضاع خاصة قد تصبح في من الايام جزءا من الماضي باكتشاف اساليب اكثر تطورا ودقة .

 كما يتميز الاسلام بالمرونة وتنوع استراتيجيات عمله وذلك بقدرته الفذة على الاحتواء والهيمنة على المطبقين له بصورة خاطئة او جزئية او بدرجات مختلفة من العمق، مما يوضح ان مرونة الاسلام لا تقتصر على صياغة نظريةالحكم الخاصة به فقط،بل تشمل قدرته على ادارة فعاليات افراده في اطار تلك النظرية اذ انه يمارس عملا فيه الكثير من الاهمية مع معتنقيه انفسهم  اثناء التطبيق الفعلي لاطروحته وما يحدث خلال ذلك من اخطاء في التطبيق من جهة و قصد الانحراف من جهة ثانية.

وهناك جانب اخر من مرونة الفكر السياسي الاسلامي تتضح بوجود نقاط الالتقاء مع اشد النظريات مخالفة له وتحديد استراتيجية العمل معها دون أي ان يتناقض مع ثوابته ، مما يجعل الإنسان المسلم الملتزم ابعد ما يكون عن السلبية او التقوقع او التقيد بوضع اجتماعي اوسياسي معين، فاذا كانت العقيدة الاسلامية تبدا بضم الإنسان إلى لوائها بمجرد القول البسيط بالشهادتين وتمنحه كافة الحصانة اللازمة لاحتمالية ان يتطور خلالها ولو بعمره كله واذا كانت في مجال العمل تحرص ولو على القيمة النفسية له في حديث " اذا قامت القيامة على احدكم وفي يده فسيل فاستطاع الا تقوم حتى يغرسه فليفعل فله بذلك اجر" فا نها بحكم ذلك وغيره تمتلك القابلية الكاملة على التاقلم والنفوذ وابعد ماتكون عن الانزواء والتهميش .

المصادر

نزار عبد اللطيف الحديثي، الأمة والدولة في سياسة النبي والخلفاء الراشدين، ط 1، بغداد دار الحرية للطباعة، 1987.

ناصر حسين الاسدي، شورى الفقهاء مفتاح الاصلاح العام، ط3، كربلاء ، دار الصادق ، 2004

محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، ط1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،1990.

جهاد صادق، الفكر السياسي العربي الاسلامي، ط1، جامعة بغداد، 1993.

الماوردي، الاحكام السلطانية والولايات الدينية، بغداد، المكتبة العالمية، 1989

صائب عبد الحميد، محمد باقر الصدر تكامل المشروع الفكري والحضاري، بغداد، دار الكتاب العربي 2004.