الخطاب الاعلامي وصحافة المجتمع المدني (خاص لمدارك)

2011-09-26

مما لاشك فيه ان ظهور الاعلام، ابتدأ منذ استخدام اللغة بتشكلها الاول، عبر الحوار الشفاهي الذي يتم بين انسان وآخر، أو بين قائد وفرسانه أو رئيس قوم ومجتمعه العصبوي، أو بين كاهن ومريديه، وللاعلام تعريفات عديدة، تتناسب مع مصالح ووجهات نظر الجهة الباثة للخبر أو المعلومة، وظهر مع وجود الانسان وتشكل أول مجتمع بشري، فايصال خبر أو إعلام بحدث أو محاولة توفير قناعة للآخر....


الخطاب الاعلامي وصحافة المجتمع المدني

 

                      بدايات الاعلام

 

عبد الجبار خضير

 

مما لاشك فيه ان ظهور الاعلام، ابتدأ منذ استخدام اللغة بتشكلها الاول، عبر الحوار الشفاهي الذي يتم بين انسان وآخر، أو بين قائد وفرسانه أو رئيس قوم ومجتمعه العصبوي، أو بين كاهن ومريديه، وللاعلام تعريفات عديدة، تتناسب مع مصالح ووجهات نظر الجهة الباثة للخبر أو المعلومة، وظهر مع وجود الانسان وتشكل أول مجتمع بشري، فايصال خبر أو إعلام بحدث أو محاولة توفير قناعة للآخر يعد اعلاما..ولاتوجد اشتراطات بصحة وصواب الخبر او المعلومة ولكن هو في الاغلب الاعم اسلوب تضليلي، يتلاعب بعقول الناس خدمة لمصلحة اشخاص أو جهات سياسية أو مؤسسات اقتصادية..وما يقال بشأن الحيادية والمهنية هو محض خرافة..

 وباعتقادنا، ان بدايات تبلوره جرت في المعبد السومري، بوصفه أول مؤسسة استثمرت الإعلام الشفاهي، اذ كان الوسيلة الوحيدة للإيصال، واعتمد على التخويف من الجحيم والعالم الآخر، يقول احد المفكرين "ان ايديولوجيا النار هي نتاج المعبد السومري.. ".

 انتهج الاعلام في بداياته اسلوب فرض ارادة المعرفة اللاهوتية، وتوظيف قوة الحضور لمرسل الخطاب (الكاهن) وعلاماته السيميائية، وما ترسله من اشارات  معززة بتعابير الوجه، وحراك اليدين، وخفض الصوت، وارتفاعه.. فضلا عن الرقصات الدينية مثل استنزال المطر ورقصات الخصب..، وجاء في كتاب"حضارة وادي الرافدين الاسس المادية ص286 تأليف د. دانيال بوتس" (كانت تؤلف الاعمال الدينية في مدح الاله، وتشرح المسرحيات التعبدية للاله، وقد كانت جميع هذه الآليات تعبيرات مادية وشعائرية عبادة)،  يقول المفكر عبد الله أوج آلان في كتابه من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية ص28:( حققت الميثولوجيا السومرية سيادة الايديولوجيا الى درجة اصبح فيها الملوك الكهنة ممثلين رفيعي المستوى، نفذوا واجبتهم كقوانين إلهية. وان الشيء الذي تم خلقه هو سيادة ايديولوجيا خلدت مصالحهم، لكن طرحهم لها كأيمان وهداية للآخرين، جاء بطريقة رائعة كانعكاس لنظام الهي في السماء طبق على الارض، ويعد ذلك فنا رائعا ومذهلا). فالميثولوجيا تمثل وسيلة الخطاب الاعلامي للكهنة، لتسخير المجتمع عبر الايمان بطروحاتها، فكانت البداية لتشكل الدولة عبر اول تمثيل لها في الزقورة.. والى يومنا هذا مازال تاثير الخطاب السومري ومفعوله السحري بالتخويف من العالم الآخر ساري المفعول حتى هذه اللحظة، وكان الكهنة يجدون حلولا للمشاكل الاجتماعية عبر ترحيلها الى السماء حتى تكون الاستجابة قوية ومؤطرة بقناعة لايرقى اليها الشك، فمثلا كان الآلهة يتخاصمون فينعكس خصامهم على المجتمع، وتنشب الحروب بين الناس على وفق هذا المبدأ.

 وانعكس تأثيرذلك في عالمنا المعاصر، اذ ما ان يحدث صراع سياسي او ديني بين القادة السياسيين الذين يمثلون كهنة العصر، ينشب القتال ازاءه بين الناس لخدمة مصالح هؤلاء الساسة او من يمثلون مصالحهم عبر تعبئتهم اعلاميا..

والمرحلة المهمة الاخرى في تاريخ الاعلام ، هو بداية اختراع الكتابة المسمارية الذي فرضته الحاجة بعد التطورات التي حدثت في المجتمع الرافديني، نتيجة وفرة الانتاج الزراعي، وظهور المدن، وتطور الحرف والوحدات العسكرية، والتبادلات التجارية بسبب فائض الانتاج، والنمو الثقافي من سن القوانين وكتابة الاشعار و ترانيم المعابد والاغاني وصناعة الالات الموسيقية.. فاضيف للاعلام الشفاهي الاعلام المكتوب والمصور، اذ كتبت الخطابات الدينية ونقشت صورة الملك الاله على مصغرات حجرية، يحملها الفرد في جيبه بحله وترحاله.. ورسمت التماثيل لتدعم الخطاب الاعلامي الميثولوجي، ثم ظهر اول شكل لصحيفة طينة في العالم توزع على المجتمع البابلي، اذ اعتمدها حكام بابل لتعبأة الرأي العام ، اذ لجأ الى كتابة الاخبار العسكرية والانتصارات لتبث عبر قراءتها على الملأ في الاسواق.

 ثم ظهرت الكتابة على نطاق واسع بعد اختراع الورق، فاحدث الاختراع نقلة نوعية اخرى، اسهمت في هيمنة القوى الحاكمة على المعرفة، وادارت الخطاب الاعلامي، بوصفها من يمتلك تلك الادوات، اذ كان يباع الورق بالذهب، فكان حكرا للطغاة والسلاطين والكهنة ومن يصطف معهم من مفكرين وادباء، ينظرون لبقائهم، ويدافعون عن ايديولوجياتهم ، ويكتبون التاريخ على وفق ما يشتهون ويرضون، ويذمون خصومهم دنيويين ودينيين، وينعتونهم باشنع الاوصاف، فيتحول الغازي الى فاتح، والسفاح الى ملاك عبر الزمن، يضفون على رموزهم هالات القداسة، ويشذبون خطاباتهم من الخطأ والزلل حتى يتحولون الى آلهة، وهكذا تشتغل آلة الاعلام، لتضليل وتعمية الآخرين واللعب بعقولهم، وايهامهم لقرون أو ربما لحقب ..  

واخذت الوسائل الاعلامية بالتطور والتعدد والتنوع منذ ان اخترعت المطبعة، التي احدثت ثورة اعلامية كبرى،  فانتشرت بسببها طباعة الجريدة والمجلة والكتاب.. ومن ثم تنوعت وسائل الاعلام،  فحلت السينما التي كان لها تاثير خطير على المتلقى وقبلها المسرح ومن ثم التلفزيون الذي يعد من أخطر واهم واكثروسائل الإعلام انتشارا، اذ يجمع امكانات الاذاعة والسينما فهو يؤثر بالصورة والصوت وعبره من الممكن التأثير وتحشيد الرأي العام بسهولة سواء بالسلب او الايجاب، ويعتمد ذلك على الحاجة والجهة الباثة وماتمليه عليها مصالحها ورغباتها..

 وحين تظهر وسيلة اعلامية جديده، فانها لاتلغي سابقتها، فظهور الكتابة لم يلغ  دور الشاعر الذي كان لسان القبيلة او ما يمثل وزير الاعلام المعاصر، يرسل الخطاب الاعلامي ليرفع المعنويات، ويشحذ الهمم ويخيف الآخر،  فمثلما مات الدعاة المسلمون في بخارى وسمر قند ومجاهل افريقيا، كذلك انتشر المبشرون بالمسيحية في بقاع العالم ،كذلك فعل الساسة وهم يلتقون بانصارهم بشكل سري او في المؤتمرات، كما ان اختراع المطبعة  هو الآخر لم ينه دور الوسائل الشفاهية   في الاعلام.. وفضلا عن هذه الوسائل فهناك الملصق السياسي والتجاري..والاعلانات الضوئية.. والكاسيت والاقراص المدمجة.. واخيرا ما احدثته التطورات التكنولوجية وثورة المعلومات عبر تمظهراتها في الارسال الفضائي والموبايل والانترنيت.. الذي فجر ثورة اعلامية مدهشة، اذ لاول مرة يتم خرق الايديولوجيا، بسبب توفر المعلومة وحرية انسيابها وتدفقها، ومهما حاولت الانظمة الشمولية التحصن وحجب المعلومة عن الناس، فالثورة المعلوماتية والتكنولوجية لاتحجبها اية حجب.. ولكن مع ذلك مازالت القوى الكبرى المتحكمة بالاقتصاد والتفوق التكنولوجي والعسكري، هي من يهيمن على بث المعلومة والتلاعب بالعقول عبر تسونامي اعلامي هائل لا راد له..

 

 

 

 

 

                             زيف الحيادية           

 

نستقبل كل لحظة سيل اعلامي متدفق من حزم وتيارات تجتاحنا عبر وسائل متعددة منها المقروءة والمسموعة والمرئية.. مدعية الحيادية والمهنية مستخدمة لغة مواربة تظهر الحيادية، وتنقل الاخبار بصور مضللة، توفر القناعة للمتلقي بالحث والتكرار ولي عنق المفردات.. فبلدان العالم الثالث او ما يسمى دول الجنوب او الفقيرة لاتمتلك سوى تلقي  واستهلاك الخبر اذ وحدها وكالات الانباء الكبرى الغربية من تنتج الخبر وتسوقه..وتتصارع فيما بينها على مساحات الفضاء الاعلامي الرحب، لفرض الارادة ودعم التوجهات الفكرية والسياسية فعلى سبيل المثال، النظام الاعلامي الجديد ص 17 (اضطرت الولايات المتحدة الاميركية في بداية هذا القرن من انشاء وكالتي انباء (اسوشيتدبرس ويونايتد برس) للتخلص من اثر وكالات الانباء الاوروبية (هافاس ورويتر خاصة) التي كانت تتهمها بتشويه الحقائق الاميركية وبالاقتصار على نقل فضائح هوليود او عمليات السطو والارهاب بشيكاغو.)

فانى بإعلام الدول العربية والاسلامية والعالم الفقير من مواجهة الهيمنة المطلقة لاعلام الدول الغربية، يورد في كتاب النظام الاعلامي الجديدص 19 وقد زاد في ترسيخ ظاهرة الاختلال والحيف ما كانت تطلعنا به يوميا كبريات الصحف الغربية من المواقف العدوانية تحت شعار الحرية والديمقراطية، وكان المسلمون والافارقة والعرب هم الضحية الاولى والهدف الاساسي لشحنات التضليل والتعمية. فالمسلمون محكوم عليهم من تلك الوسائل بالبلاهة والتخلف الفكري. والسود هم في مرحلة بدائية واقرب مايكون الى الحيوانات بحيث يمكنهم التناسل مع البعض منها مثل القردة واشباهها. اما العرب فهم اسوأ المخلوقات واحقرها ولايمكن ترتيبهم من حيث العرق الا في اسفل الدرجات وبعد الكلاب في احسن الحالات. ..الامر الى جعل من الاعلام بمثابة بضاعة ينفرد بالتحكم فيها اولئك الذين يملكون الوسائل المالية والتقنية الازمة لانتاجها، من ذلك انهم يعرفون بان الصحافة المكتوبة في البلاد الغربية بصفةعامة تخضع لرقابة القوى المالية الصناعية والتجارية منها بصفتها هي وحدها القادرة على تقديم الاستثمارات الهائلة التي تتطلبها هذه الصحافة.والعناصر الاخرى التي تضاف الى طبيعة النظام تؤدي حتما الى تكوين تجمعات احتكارية في صلب وسائل الاتصال الجماهيري (الصحافة المكتوبة والاذاعة والتلفزة ووكالات الانباء الى غير ذلك) وهو امر يتنافى من ناحية المبدأ مع التعددية ويصعب معه تصور وضع يمكن المواطنين في الوقت نفسه من الممارسة الفعلية لحقهم في الاعلام وحقهم في التعبير، تلكم الحقوق التي تشكل في الواقع الشرط الاول لتوفير ديمقراطية حقيقية. ويرى بعضهم ان السلطة السياسية وكذلك السلطة الاقتصادية لايمكن اكتسابها الا بامتلاك وسائل الاعلام أو بممارسة مراقبة عليها، الامر الذي يؤدي في غالب الاحيان الى تجميع هذه الوسائل في يد واحدة من حيث التيسير والتصرف.

 

   من صور التضليل.. حيادية البي بي سي  والاعلام الغربي

 

لقد تعاطف الاعلام الغربي واذعة البي بي سي (بوصفها اهم اذاعة مؤثرة في الشارع العراقي) مع نظام صدام حين كان مرغوبا به، ويمثل مصالحهم في تلك المدة، فتقدم نشرات الاخبار بشكل يتحاشى الاشارة الى ما يتعرض له العراقيون من قمع وتعذيب ومقابر جماعية، حتى حين تعرض الكرد في حلبجة الى ضربة كيمياوية، تعاملت البي بي سي وصوت امريكا ومونت كارلو بصورة ضبابية وباسلوب واحد كأنه متفق عليه ! يقول الخبر " تعرضت مدينة حلبجة الى ضربة كيمياوية والعامل المستخدم في الضربة من صنع اميركي والمعروف ان ايران تستخدم هذا النوع من المواد" وهكذا اوحت للمتلقي ببراءة العراق من فعل الضربة والمعروف انه لايوجد عراقي لايعلم ان الجيش العراقي هو من قام بالضربة ولم يجر التعاطف مع الضحايا من الاطفال والنساء والشيوخ والاضرار البيئية ونفوق الحيوانات..الخ لكن حين غزا العراق الكويت، تعاملت هذه الوسائل مع الضربة وكأنها تحدث بزمن الغزو للكويت!

 )عمود للكاتب منشور في جريدة الصباح) ، يقول الدكتور وليد الحلي الناشط في مجال حقوق الانسان: ليس هناك من كان يقبل تظلماتنا في اوروبا بما يتناسب مع حجم ما يحدث من انتهاكات لحقوق الانسان في العراق ايام النظام الشمولي ،على الرغم من تقديم الادلة والوثائق الرسمية التي تدين النظام، ويورد مفارقة، انه بعد ان عجز عن اقناع صحيفة بريطانية لنشر وثيقة واحدة تدين النظام، طلبت منه ذات الصحيفة، نشر جميع مالديه من وثائق بعد ان اعدمت السلطات العراقية الصحفي البريطاني الجنسية (بازوفت) عند اتهامه بالتجسس. ومن ثم تحولت الامور بشكل مفاجىء، واخذت وسائل الاعلام بالتباكي على ضحايا حلبجة، وبدأ الحديث عن هول المعاناة وحجم المأساة الانسانية وخرجت علينا الأفلام الوثائقية التي كانت محتجبة او مجمدة طيلة تلك المدة لاسيما وسائل الاعلام الناطقة بالعربية. يذكر المفكر الاميركي نعوم تشومسكي" قبل القرار التركي بمنع الاميركان من استخدام قاعدتهم انجيرليك الموجودة في الاراضي التركية ابان الحرب على العراق، كان ملف القضية الكردية في تركيا يلفه النسيان على الرغم من حجم الانتهاكات الخطيرة والكبيرة التي يتعرض لها الكرد في تركيا، ولكن بعد موقف تركيا هذا فتحت ملفات الانتهاكات التركية ضد الشعب الكردي على اوسعها وصارت مادة للتناول الاعلامي اليومي و المباشر"

وحين قاد الامام الخميني المعارضة من باريس بمعاضدة إذاعة الـ(بي بي سي) الفارسية من لندن، اذ اسهمت في بث محاضراته المسجلة بالكاسيت وما يصرح به ويقوله الامام الخميني لحث الشعب الايراني بالتمرد على سلطة الشاه، فكان لها دور مؤثر وخطير في اسقاط الشاه، وان مراسلي البي بي سي، توزعوا حتى في القرى الايرانية، وعمدوا الى تفسير اية حادثة او واقعة على انها مرتبطة بسوء النظام او تؤول ذلك على انه نشاط مقاومة،  يشبه ما قامت به اذاعة صوت العرب في محاربة عبد الكريم قاسم، ودور القوميين في رفدها بما يحدث على انه فعل مقاوم ( لقاسم العرب).

فاطلق انصار الشاه على الثورة الايرانية التي قادها الامام الخميني تسمية ثورة البي بي سي بسبب بث هيئة الاذاعة البريطانية لخطابات الامام الخميني، ووصفها المؤيدون للثورة بثورة الكاسيت بسبب ما احدثته هذه الممارسة او الخطاب الاعلامي من تحشيد للرأي العام، كان له دور كبير في التعبئة الجماهيرية.

ولعبت البي بي سي ذات الدور في اسقاط حكومة مصدق حين تحالف رجال الدين والبازار الايراني وشركة برتش بتروليوم والاميركان في مناصرة الشاه لاسقاط مصدق الذي جاء للسلطة بانتخابات نزيهة.

  ومؤخرا بعد الانتخابات الايرانية، وما جرت من تظاهرات واعمال عنف، حملت حكومة احمدي نجاد الفائزة بالانتخابات، البريطانيين مسؤولية تلك الاعمال والوقوف ورائها ودعم اقطاب المعارضة الى جانب دول غربية اخرى، وانهم قد لعبوا دورا تحرضيا عبر البث التلفزيوني للبي بي سي بالفارسية ، ووسائل الاعلام الاخرى المعادية لتوجهات الحكومة الايرانية.يقول:محمد حمدي في مقاله" المرأة التي غيرت ايران "(ولأنه لا توجد سوى محطة تليفزيون واحدة غير حكومية هى "بى بى سى" بالفارسية فقد ارتفعت شعبيتها، بحيث يمكن القول، إنها ساهمت بشكل كبير فى التغيير الذى شهدته إيران فى الانتخابات الرئاسية، وأصبحت فرناز قاضى زاده المذيعة بالـ"بى بى سى" الفارسية، ليس فقط من أشهر الوجوه داخل إيران وإنما من أكثر الناس تأثيراً فى الشارع الإيرانى لدرجة يمكن القول معها، أنها هى المرأة التى غيرت إيران ..وفى حين رصدت النيوزويك الأمريكية هذا التغيير الكبير، الذى صنعه تليفزون "بى بى سى" فى إيران، واختارت فرناز قاضى زاده المذيعة فى "بى بى سى" الفارسى من بين عشرين شخصية مؤثرة فى إيران.)

 لا اعتقد ان هذا الخطاب يمر بسهولة على من يمتلك الحد الادنى من الوعي والثقافة من دون ان يشعر ان ثمة مبالغة واضحة سواء تأثر الكاتب بما قالته النيوز ويك الاميركية، او رغبة ذاتية منه منحازة، والا هل من المعقول يكون ثمة دور لمذيعة بهذا الحجم ؟  !!

يورد، د. عبد الوهاب المسيري ص 27  من كتاب العلمانية تحت المجهر..

(ومما يجدر ذكره ان قطاع اللذة ووسائل الاعلام يقومان بأعادة صياغة صورة الانسان لنفسه بشكل جوهري، وباشاعة مجموعة من القيم خارجة عن اي اطار قيمي او معرفي، ودون التزام اجتماعي او حضاري)

ولذلك تجري الامور على وفق المصالح حسب المقولة الشهيرة (ليس لنا اعداء دائميون بل لنا مصالح دائمة) ولذا لاتوجد ثمة قيم ومعايير اخلاقية تتحكم بالخطاب الاعلامي بل هو رهن بالمصالح الكبرى للقوى المتحكمة بالقوة والمال.

 

          نماذج اعلامية بشأن اللا حيادية والمهيمن الايديولوجي

 

يورد نعوم تشومسكي في كتاب تواريخ الانشقاق،حوارات اجراها معه: ديفيد بارساميان. في ص 25، 26...

ان من الخداع الاعتقاد، أو القول، بأن الإبادة الجماعية لفئة أو شعب معين هي كونها ظاهرة للقرن العشرين. ودعنا نأخذ تاريخنا الذاتي كمثال على ذلك، تاريخ غزو همسفير الغربية. فنحن نحتفل بذلك في كل عام، وفي ولاية ماسوشتس على الأقل، لدينا عطلة رسمية تدعى "يوم كولومبس"، وفئة قليلة من الناس تدرك بأنها تحتفل بأول إبادة وحشية لشعب في العصر الحديث. وهذا بالضبط ماكان عليه كولومبس. وكما لو أنهم يحتفلون "بيوم هتلر" في ألمانيا. فعندما جاء المستعمرون من اسبانيا وانجلترا وهولندا وغيرها الى همسفير، فأنهم وجدوا مجتمعات مزدهرة. فالاكتشافات الحالية للأثار البشرية تشير الى ان عدد السكان الأصليين في غرب همسفير يمكن أن يكون تعدادهم قد قارب من مئة مليون نسمة، وربما كان يوجد حوالي ثمانين مليون نسمة في شمال ريو جراند، إن الوسائل والطرق التي نحمي اونبعد انفسنا فيها عن الحقائق هي غالباً ما تكون مدهشة تماماً. ودعني أورد لك مثلاً شخصياً على ذلك. ففي عيد الشكر الماضي ذهبت أنا وعائلتي في نزهة الى المتنزه الوطني القريب. فمررنا بجانب شاهدة قبر، وضعت من قبل هيئة المتنزهات الوطنية كدليل أو كشهادة، أو كإيماء ة في الواقع، وكأيماءة حرة بلا شك تجاه الهنود الحمر في الماضي، وكتب عليها عبارة: "هنا ترقد امرأة هندية، ضحت عائلتها وقبيلتها بأنفسها وبأرضها ثمناً لتولد وتنشأ هذه الأمة العظيمة". انه مثال مروع جداً، ذلك حتى أن المرء لايعرف كيف يبحث أو يناقشه. فهي (تلك المرأة) وعائلتها "لم يضحوا بأنفسهم وأرضهم". بل إنهم قتلوا من قبل آبائنا وأجلوا عن أرضهم: كما لو أن هذا يحدث بعد مائتي عام من الآن، أن تأتي الى اشويتز وتجد شاهد قبر تقول:" هنا ترقد امرأة يهودية، ضحت بنفسها ومعها عائلتها وممتلكاتهم ذلك حتى يمكن لهذه الأمة العظيمة أن تنمو وتزدهر". وهذه انعكاسات بما يعتبر هنا على أنه موقف ليبرالي حر وقريب. وبكل هذه المظاهر لتجربتنا التاريخية، ولأسس مجتمعاتنا، فإننا مبتعدون عن رؤيتها. فبالنظر الى شاهد القبر ذاك، فان أي شخص لديه حتى ادنى شعور عام ومعرفة أولية للتاريخ، يجب أن يكون قادراً على رؤية مدى ما تصنعه اجهزة الدعاية. بل إنها تعد اشارة مروعة لمستوى التلقين الاعلامي بالنسبة للأشخاص ومدى تأثيره عليهم.

ونستطيع ربط ذلك بمايحدث في ساحتنا العراقية اذ يتجاهل الاعلام العربي والعالمي عن عمد اومن دون عمد( سلوك لا شعوري) حجم الضحايا الهائل والمعاناة الكبيرة التي تواجه العراقيين، ففي غضون تجربة استتباب الامن في مدينة الصدر في العام 2008 والتي استمرت 52 يوما قامت القوات الاميركية بقصف هذه المدينة وكان عدد القتلة 1070 قتيلا والجرحى 3600 جريح، وفي مقارنة عسكرية حدثت في العام ذاته قامت القوات الاسرائيلية بقصف غزة وكانت النتيجة 1400 قتيل و 4000 جريح في صفوف الفلسطينين، وشهدت هذه الحرب ضجة اعلامية هائلة وتدخل مباشر للامم المتحدة، واستصدرت قرارا يؤيد ارتكاب اسرائيل جريمة ضد الانسانية، اين الاعلام من ضحايا العراق في اماكن متعددة مثل جسر الائمة وتدمير مدن الايزيديين والتركمان في تلعفر على ساكنيها وغيرها.

ورد في سلسلة المعرفة، كتاب المتلاعبون بالعقول صـ 9 ان وسائل التضليل عديدة ومتنوعة، الا ان من الواضح ان السيطرة على اجهزة المعلومات، والصور وبجميع المستويات، تمثل وسيلة اساسية، ويتم تأمين ذلك عبر اعمال قاعدة بسيطة من قواعد اقتصاد السوق، فامتلاك وسائل الاعلام والسيطرة عليها، شأنه شأن اشكال الملكية الاخرى، متاح لمن يمتلكون رأس المال. والنتيجة الحتمية لذلك هي ان تصبح محطات الاذاعة وشبكات التلفزيون والصحف والمجلات وصناعة السينما ودور النشر مملوكة جميعاً لمجموعة من المؤسسات المشتركة والتكتلات الاعلامية. وهكذا يصبح الجهاز الاعلامي جاهزاً تماماً للاضطلاع بدور فعال وحاسم في العملية التضليلية. وان اكشف الوسائل التي يتمكنون بها من اخفاء وجودهم، وانكار تأثيرهم، او التي يمارسون من خلالها سيطرة توجيهية في ظل رعاية تبدو ظاهرها معتدلة (او) طبيعية. 

 

 

 

                         اسطورة الحياد

 

 

 

((دروس مستفادة من التاريخ الاذاعي الاميركي))مجلة ساينس 22   ديسمبر كانون الاول عام 1972،

(تتحكم القوة الاقتصادية المملوكة ملكية خاصة، والبالغة التركيز في الاوضاع التي تجري في ظلها ادارة العملية الاعلامية في امريكا في الوقت الحاضر. فمجموعات المؤسسات الصحفية والاذاعية المملوكة لعدد محدود من الشركات العملاقة تتشابك مع شركات ((المعرفة)) متعددة الانشطة، ويسهل حركة هذه المجمعات الاعلامية المملوكة ملكية خاصة اساساً، والتي تقدم المحتوى الجوهري من المحصول المعرفي للبلاد، ويتعهدها بالرعاية المالية، الانفاق الاعلاني للشركات الكبرى في البلاد. وهناك بعد ذلك البيروقراطية الحكومية القومية ـ بمواقعها المنفصلة عن هذه التجمعات ذات النفوذ، وان لم يعن ذلك استقلالها عنها ـ والتي توفر كماً كبيراً من المعلومات والبيانات لايصل الى الجمهورالعام منه الا اقل القليل.)

 

           المؤثر المالي في الخطاب الاعلامي..مردوخ انموذجا

 

* النص مأخوذ من مادة كتبها على عبد العال بالاعتماد على المصدر:المثقف السياسي-4-9-2007،"انترنت" (يملك روبرت مردوخ  إمبراطورية عملاقة، صارت على مر الأيام أقوى من امكانية العديد من الدول في العالم مجتمعة، بل وأعظم تأثيراً ونفوذاً في السياسة الدولية. وانتشرت "نيوز كوربوريشن" التي يمتلكها ، وتضم ٨٠٠ مؤسّسة إخبارية وإعلامية، ليس في بريطانيا والولايات المتحدة وحدهما، بل وفي أستراليا وإيطاليا و٥٢ بلداً آخراً، لتمتد إلى أربع قارات حول العالم.وبين ثنايا تفاصيل هذه الإمبراطورية العملاقة، نجد أن موردوخ يمتلك أكثر من ( 175) صحيفة عالمية شهيرة من بينها : "التايمز" اللندنية، و"الصنداي تايمز" و"الصن" الشعبية أوسع الصحف البريطانية انتشاراً، و"نيوز أوف ذي ورلد"، و"نيويورك بوست"، و"وول ستريت جورنال" ثاني الصحف الأوسع انتشاراً في الولايات المتحدة، وإحدى أهم الدوريات الاقتصادية في أمريكا والعالم، اشتراها موردوخ في إطار صفقة "داو جونز" التي تضم شركة داو جونز للمعلومات المالية، ومجلة "بارونز" للشؤون المالية، بالإضافة إلى وكالة أنباء داو جونز، ونشرة "فاكتيفا"، ومجموعة صحف "بارون"، ومجموعة مؤشرات بورصات بما في ذلك مؤشر داو جونز..  وكان المحللون قد أشاروا إلى أن صفقة شراء مجموعة "داو جونز" ستجعل من موردوخ، لاعباً رئيساً في الأخبار المالية العالمية.ويملك موردوخ أيضاً (25) مجلة من بينها : "تي في جيد" tv guid ، و"ويكلي ستاندارد" مجلة المحافظين الجدد التي يستلهم منها صقور إدارة جورج بوش الأفكار والمواقف.. تصدر في واشنطن وتتميز مقالاتها ورسوماتها بنزعة جماهيرية، وقد جاءت في إطار اهتمام المحافظين الجدد بالإعلام كوسيلة فعالة للترويج لأفكارهم ومعتقداتهم وتعبئة الرأي العام للالتفاف حول القضايا التي يرونها مهمة.وعرفت "ويكلي ستاندارد" بأنها مجلة الجيل الثاني من المحافظين، الذي تميز بنزعة ايدولوجية وحركية جماهيرية أكبر من الجيل الأول.. وكان هذا الجيل قد ظهر بعد فوز الولايات المتحدة بالحرب الباردة، وبعد أن أعاد ريجان وحرب الصحراء ثقة الأمريكيين في جيشهم، لذا تبنى الهدم كقيمة تنطلق من كيفية استخدام أمريكا لقوتها ــ غير المسبوقة ــ كقطب أوحد في تحقيق أهدافها وتشكيل العالم وفقاً لرؤيتها.وفي مجال التلفزة والبث الفضائي، يمتلك روبرت موردوخ (12) محطة تلفزيون في أمريكا وحدها، منها : شبكة تلفزيون "بي سكاي بي"، وشبكة "فياكوم" مالكة "سي بي إس" و "يو بي إن"، وشبكة "فوكس" fox التي تضم "فوكس فيدو" ومحطة "فوكس نيوز"Fox News  الإخبارية الشهيرة سيئة السمعة، ذات التوجهات الصهيونية المناهضة للعرب والمسلمين، التي تأسست لكي تستحوذ على القسم الأوسع من المشاهدين الأميركيين ولاسيما المتعصبين دينياً وقومياً.ويمتلك أيضاً شركة "فوكس القرن العشرين" للسينما twentith century fox إحدى أهم شركات الإنتاج التلفزيوني والسينمائي. ومحطة تلفزيون "دايركت تي في" التي تمثل أكبر نظام فضائيات في الولايات المتحدة، وتبث برامجها لنحو 12 مليون منزل، حصل عليها مردوخ بدعم من لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميريكية مقابل 8ر6 مليار دولار، وجاءت الخطوة بعد أن قام مسؤولون أميركيون بمنع مؤسسة "إيكو ستار" للاتصالات أكبر منافسي مؤسسة موردوخ ــ  من الحصول على هذه الصفقة.ويشترك موردوخ (العجوز) في ملكية سبع شبكات تلفزة في استراليا، وفي ايطاليا يستحوذ على شبكة "سكاي ايطاليا".. كما يمتلك قنوات "تي في ستار" tv star في آسيا الموجهة إلى الشرق الأوسط والتي يصل بثها إلى 53 دولة.. ولمرودوخ كذلك حصة شبكة vox الألمانية، وكانال فوكس canal fox في أمريكا اللاتينية.كما يستحوذ روبرت مودوخ على قنوات "سكاي" في بريطانيا، التي يُعد أحد أهم الأقطاب الإعلامية فيها؛ حيث يمتلك وكالة إعلامية ضخمة تضم العديد من الصحف والمجلات والمواقع إلى جانب المحطات التليفزيونية ولا غرو فهو يسيطر وحده على 40% من الصحافة في دولة عظمى كبريطانيا بما معها من الرأي العام المحلي والعالمي.وكانت صحافة موردوخ وراء رفض البريطانيين الانضمام إلى العملة الأوروبية الموحدة "اليورو"، والتخلي عن الجنيه الإسترليني، مستخدمة في ذلك أساليب الترهيب والترغيب حتى حدث لمن وراءها ما أرادوه.

ومن جهة أخرى، فالساسة في بريطانيا يحسبون لصحيفة كـ "الصن" The Sun ألف حساب فيما تكتبه؛ إذ تصل التعليقات التي تنشرها إلى أكبر عدد من القراء من الشريحة العريضة في المجتمع، والتي لا تبحث عن التفاصيل الدقيقة مكتفية بما يقدمه كتاب الصحيفة؛ ومن ثم يسهل تشكيل الرأي العام لا سيما وقت الأزمات و الانتخابات.

وكانت النقلة الكبرى في سيطرة مردوخ على الرأي العام البريطاني، مع مرور مجموعة صحف "التايمز" The Times - أعرق الصحف البريطانية - بأزمة مالية حادة، وأعرض المستثمرون عن إنقاذها تخوفاً من الغموض الذي يغلف مستقبلها بعد تراجع مبيعاتها بشكل ملحوظ، ووقوع مشاكل مع عمال الطباعة والنقابات.. إلا أن هذه المخاوف لم تمنع مردوخ من التركيز على المجموعة؛ لما تمثله من أهمية في عالم الصحافة وثقل في دنيا السياسة، ويبدو أنه كان يستعد بخطة جديدة لتحويل خسارتها إلى أرباح،  فخاض في سبيل ذلك معارك استخدم فيها أسلحته كافة ، حتى حظي بتأييد رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك "مارجريت تاتشر" التي وافقت له بصفة استثنائية على شراء المجموعة، على الرغم من أن قانون الاحتكارات البريطاني يمنع هيمنة شخص واحد على كل هذا العدد من الصحف.)

فهل من الممكن الحديث عن الحيادية والمهنية والنزاهة ازاء هكذا امبراطورية اعلامية؟، وهل من الممكن العمل في هذه المؤسسة الاعلامية من دون ان تتقدم المصلحة وهامش الربح في اي مشروع اعلامي تسلكه هذه المؤسسة، والا كيف استطاع مردوخ ان يجمع هذه الثرورة الهائلة من صحيفة بائسة تركها له ابوه!.

  

وبعد الذي حاولنا ايجازه بشأن بدايات الاعلام وكيف انه يمثل مصالح القوى الحاكمة والمؤسسات الدينية والاقتصادية وكل فاعل سياسي ومصدر معرفي، يسعى الى ايصال خطابه دفاعا عن ايديولوجيا او فرض ارادة معرفية او توفير قناعة، سواء بقصد ودراية او من دون وعي.

وبعد التطورات والتحولات الكبرى في المجالات الاقتصادية والفكرية والتعليمية والاجتماعية والمعرفية، وما طرأ من تحول في مجال حقوق الانسان بعد الحرب العالمية الثانية وافكار ما بعد الحداثة واشتراطات العولمة ونهاية الحرب الباردة جميع هذه الامور اسهمت في ولادة صحافة جديدة وخطاب اعلامي جديد يدعى صحافة المجتمع المدني. 

 

المشهد الإعلامي العراقي


مادة منشورة للباحث في جريدة الصباح بعنوان المشهد الاعلامي، تتدفق الصحف والمجلات العراقية ووسائل الإعلام الأخرى بعد زوال النظام الشمولي في العام 2003، بصورة لم يشهد لها التاريخ العراقي مثيلا، اذ تجاوز عدد الصحف والمجلات المائتي صحيفة ومجلة ومن الصعوبة بمكان الحصول على صورة واضحة ونهائية، فالمشهد الإعلامي يشهد ولادات جديدة ومستمرة  لصحف ومجلات واختفاء غيرها فضلا عن زيادة مضطردة في الفضائيات العراقية والإذاعات، وتتمتع وسائل الإعلام العراقية بحرية التعبير والرأي، حتى وصفها البعض بالحرية المنفلتة، وجميعها في الأغلب الأعم مملوكة للقطاع الخاص والاحزاب السياسية.

كما خرجت للوجود أيضا ثقافة الانترنت، فظهرت المواقع والمدونات الشخصية من دون حجب أو رقابة اوتدخل من قبل الدولة شأنها في ذلك شأن أية دولة ديمقراطية في العالم، من دون تعرض أي احد لمساءلة قانونية على العكس مما يجري في المحيط الاقليمي.  

على الرغم من الجوانب الايجابية الا ان مايميز وسائل الاعلام العراقية هو ان اغلبها تعبر عن وجهات نظر طائفية أواثنية أودينية أو حزبية، لكن في حالة وسمة غريبتين توظف هذه الحرية في التعبير عن هموم ومصالح الهويات الفرعية على حساب التثقيف ببناء دولة المؤسسات والمواطنة، وبشكل يتناقض مع توجهات البناء الديمقراطي وفي الوقت الذي يستطيع الصحفي او الكاتب انتقاد رئيس الجمهورية او رئيس الوزراء بحرية تامة لا تتوفر في اهم واشهر الفضائيات العربية الا انه يخشى شرطة الفكر وتهديدات المافيات التي تعبر عن مصالح واجندات بعضها مرتبط بجهات اجنبية.

الإعلام العراقي وعلى الرغم من محاولات اظهاره الحيادية والامكانات المالية الضخمة وهامش الحرية المتاح لم يستطع التفوق على نزعة الاعلام الطائفي أوالتحريضي من قبل بعض الفضائيات والصحف العربية أو محاولة تحييدها او ارباكها!.  فعلى الاعلام تقع مسؤولية نشر الحقيقة والتأثير في الرأي العام وكشف الحقائق وتغطية الوقائع كما هي ويتحمل وزر مسؤولية توجيه الناس توجيها سليما لتغذية الروح الوطنية وثقافة المواطنة واحترام الرأي المختلف والتعايش السلمي، فاذا كانت تلك هي حال الصحافة التقليدية في العراق فانى لصحافة المجتمع المدني ، الظهور بقوة وبشكل محسوس.

صحافة المجتمع المدني في العراق

 

ظهرت صحافة المجتمع المدني في اواخر تسعينيات القرن الماضي  بالولايات المتحدة الاميركية، كردة فعل مضادة للصحافة التقليدية المهيمن عليها من كبريات الشركات العالمية والتي بالضرورة تسعى لخدمة مصالحها، وتسوق اخبارها على وفق هذه المصلحة، فضلا عن البروز القوي لمنظمات المجتمع المدني اثر المناخ الملائم والتحولات التي طرأت في العالم  عقب فشل التجربة السوفياتية، وبتشجيع ودعم من الولايات المتحدة الاميركية، لمؤازرة التوجهات الديمقراطية في العالم ، بدلا من دعمها الانظمة الدكتاتورية والشمولية، والانسجام مع العولمة وطروحات الفوضى الخلاقة..،إلا إن هذا لايعني خضوع جميع المنظمات للتوجه الاميركي، وخير دليل على ذلك مظاهرات سياتل والتظاهرات الاخرى المناهضة للعولمة التي تقودها منظمات من جميع دول العالم.

 وبعد ان بارت بضاعة الصحافة التقليدية، وانكشف زيف ماتدعيه من حيادية اقنعت المتلقي لسنين طويلة، فضلا عن التحولات الكبرى التي طرأت في الجانب الاقتصادي والمعرفي والثورة المعلوماتية والتكنولوجية... لذا اقتضت مجمل هذه العوامل، البحث عن صحافة جديدة برؤية تكون اكثر قربا ومصداقية ومنفعة للمجتمع، فحلت هذه الممارسة الصحفية الجديدة كبديل للصحافة التقليدية ولكن حراكها حتى الان يجري في مساحة ضيقة اذا ما قورنت مع الصحافة التقليدية،  الا ان اهميتها والايمان بها يترسخ يوما بعد يوم لاشعار المواطن بدوره وتاثيره في التفاعل مع الحدث الاجتماعي والمشاركة الفعالة في التغيير وقيادة الحدث عبر صحافة تتفاعل مع الخبر لاتكتفي بمراقبته ورصده فقط بل المشاركة في معالجته وفهمه والاشتراك فيه حتى ايجاد الحلول والمعالجات له عبر خطاب اعلامي مختلف عما اعتاد عليه ولكن هذا لايعني من السهولة بمكان حلول هذا النوع من الصحافة في اي مكان اذ مازالت الصحافة التقليدية هي المهيمنة في الاعم الاغلب، فعلى سبيل المثال حين قامت مجموعة من منظمات المجتمع العراقي في ممارسة اعلامية اجتماعية حقيقية لمناهضة العنف متخذة من فاجعة الاربعاء في 19/8 مبررا لحث الناس على ضرورة التثقيف والتصدي لهذه التفجيرات التي تحصد ارواح العراقين بشكل متفرد في المشهد الاجتماعي العراقي، وذلك عبر التظاهر كل اسبوع وبتغير مكان التظاهرة في كل مرة باتخاذ رقعة جغرافية مختلفة ومكتظة بالسكان او تحتوي على نشاط اجتماعي ملحوظ واستخدموا الصافرات لشد الانتباه وتلقوا دعما لا بئس به من وسائل الاعلام الا ان هذا النشاط الاجتماعي المدني بامتياز لم يحظ بتفاعل جماهيري بالرغم من اهمية وخطورة الموضوع المطروح، وتلاشت التجربة ولو انها لاتخلو من فائدة الا انها تؤشر على ان ثمة خطابا اعلاميا جديدا يؤسس وبالتراكم سوف تتوضح ملامحه مستقبلا.

 

التفريق بين صحافتين

 

مادة منشورة للباحث في جريدة الصباح بعنوان(صحافة المجتمع المدني) يطلق البعض صفة صحيفة مجتمع مدني جزافاً من دون التفريق بين الجريدة او المجلة التقليدية وبين اشتراطات اعلام المجتمع المدني، اذ تشتغل هذه الادوات الاعلامية على وفق آلية عمل الاعلام التقليدي، فهناك من يطلق صفة صحيفة مجتمع مدني لان الصحيفة الفلانية، تصدر عن منظمة مجتمع مدني، لكن هذه الصحف او المجلات، تبدأ بصورة لاتختلف عن بقية الصحف السياسية في العراق حيث الصّحافة ووسائل الإعلام كافّة، يمكن أن تكون قوّة ابتزاز وأداة هيمنة،كما يقول عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو والإعلاميّون يستطيعون أن يصنعوا ما يهمّ النّاس من فراغات ويتلاعبون بحقائقها ليصوّروها كحقائق مهمة وفاعلة.  من حيث مضامينها وتصميمها الفني، اذ تتصدر الصفحة الرئيسة اخبار عن نشاطات الحكومة، وصورة لمسؤول رفيع المستوى، ووضع صورة رئيس التحرير او رئيس المنظمة في زيارته لشخصية حكومية او عربية فضلا عن توثيق عمل المنظمة، وهناك صحف متخصصة بالاسم مثلاً يطلق عليها صحيفة المرأة او تسمية المجتمع المدني او تسميات اخرى مقاربة، ولكن هي الاخرى ايضاً، لاتقترب من اشتراطات صحافة المجتمع المدني اذ ليس بالاسم وحده تكتسب تلك الصفة. اذ عمل الصحافة يشتغل بطريقة مغايرة لصحافة المجتمع المدني  فمثلاُ هناك من يقدم توصيف لنماذج من صحف مجتمع مدني في منطقته ويصفها  بأنها تلك المطبوعات التي تصدرها المراكز والجمعيات والهيئات الشعبية (الأهلية)، وتهدف تلك المنظمات بإصدار مطبوعاتها لتوثيق أنشطتها والتعبير عن أفكار وتوجه تلك المنظمات التي تخاطب فئة أو مكون ما وضمن توصيفه يقول الصحيفة الفلانية تعمل على بث الوعي القومي الـ ـ ـ ـ ـ في الاثنية ـ ـ ـ ـ علما ان هذه الاثنية تنقسم بانتمائها الى قوميتين مختلفتين!!عموماُ ان هذا الذي انبرى لتوصيف صحف مدينته بانها ذات خصوصية مجتمعيه بالاعتماد فقط لكونها تصدر عن منظمة مجتمع مدني صحافة مجتمعية، فيمتدح صحيفة كونها تعمل في اتجاه بث الوعي القومي الـ... في الاثنية الفلانية من دون ان يعرف ان نشاط المجتمع المدني، يشتغل  باتجاه التعامل مع مفهوم الهوية بطريقة مختلفة..  فهو يسعى من اجل جعل الاقليات ارقاماً صعبة، ويحترم توجهاتها ويعزز دورها، وليس من شأنه الاشتغال ضمن هذه المساحات العرقية التي تتعارض مع توجهات عمله، في حين  صحافة المجتمع المدني تتسم  بمد الجسور مع الافراد في المجتمع فضلا عن منظمات المجتمع المدني والتفاعل معها، بطرح همومها اليومية ومشاكلها، فضلا عن ايجاد الحلول واشاعة ثقافة النقد والتحليل للظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتفاعل بين المتلقي ومنظمة المجتمع المدني من جهة، والصحف من جهة اخرى. وُعدّّّّّّّّ المتلقي طرفا في العملية الإعلامية وفاعلا فيها، وليس مستقبلا سلبيا ، يتلقى المعلومة بالتعبئة ومن اولى اهتماماتها تسليط الضوء على القضايا الساخنة لخلق حوار ونقاش بشأنها ، كما انها لا تعتمد على التقاط الحدث وبثه ثم تقطع العلاقة به .. بل بالمتابعة الميدانية ونشرالمواضيع الفكرية والمفاهيمة  المتعلقة بقضايا المجتمع المدني. ومن التزامات هذه الصحافة ربط  منظمات المجتمع المدني مع القوى المؤثرة والفاعلة في العملية السياسية وملاحقة المشكلات الاجتماعية المختلفة كالفساد الاداري والمالي بهدف المشاركة والمساهمة في ايجاد الحلول لها من قبل الجميع والحد منها.

وعلى الرغم من انتشار اعداد هائلة  من الصحف بعد التغيير، فانها اما صحف تقليدية او اختصت  بنشر المفاهيم الطائفية وتعظيم الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية، في حين  صحافة المجتمع المدني تتسم  بمد الجسور مع الافراد في المجتمع فضلا عن منظمات المجتمع المدني والتفاعل معها بطرح همومها اليومية ومشاكلها  ،وايجاد الحلول واشاعة ثقافة النقد والتحليل للظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتفاعل بين المتلقي ومنظمة المجتمع المدني من جهة، والصحف من جهة اخرى. وعد المتلقي طرفا في العملية الإعلامية وفاعلا فيها، وليس مستقبلا سلبيا ، يتلقى المعلومة بالتعبئة ومن اولى اهتماماتها تسليط الضوء على القضايا الساخنة لخلق حوار ونقاش بشأنها ، كما انها لا تعتمد على التقاط الحدث وبثه ثم تقطع العلاقة به .. بل بالمتابعة الميدانية ونشرالمواضيع الفكرية والمفاهيمة  المتعلقة بقضايا المجتمع المدني. ومن التزامات هذه الصحافة ربط  منظمات المجتمع المدني مع القوى المؤثرة والفاعلة في العملية السياسية وملاحقة المشكلات الاجتماعية المختلفة كالفساد الاداري والمالي بهدف المشاركة والمساهمة في ايجاد الحلول لها من قبل الجميع والحد منها، و عبرها يتم نشر الثقافة الديمقراطية وتفعيل ادبياتها وآلياتها مع التركيز على عمل ومهام منظمات المجتمع المدني،  ودفع الفرد العراقي للتعلم والمشاركة  في ممارسة الضغط والتأثير في عملية صنع القرار السياسي، اذ من مسؤوليتها دعم  الفرد عبر بث وجهات نظره ورؤاه  ،  ومهمات أخرى  كالتعاضد مع منظمات المجتمع المدني في التثقيف بالقضايا المصيرية للمجتمع، و خلق وعي ثقافي يجعل من الاقليات او المكونات ارقاما صعبة لها القوة والقدرة على المساهمة الحقيقية في بناء التجربة الديمقراطية،كما تهدف إلى تدعيم مفهوم المواطنة ونشر ثقافة التسامح والتعايش السلمي واحترام الآخر . ، ويتطلب ذلك قناعة العاملين بدور المجتمع المدني بالتغيير و فهمهم وادراكهم لمسؤولياتهم عبر استيعابهم لثقافة المجتمع المدني، ولا نغفل ايضا التسلح بخلفية ثقافية ومفاهيمية والاحاطة بجميع مقتربات المفهوم. ولكننا في العراق نختلف بطبيعة واقعنا الاجتماعي والاقتصادي، فالاوروبيون مروا بسياقات تاريخية معروفة بالتطور من علاقات تجارية زراعية الى صناعية فعصر النهضة  وفصل الكنيسة وحركة التنوير، الا اننا نعيش حالة من الارباك واختلاط المراحل ،اذ نجد ثمة هيمنة واضحة للمجتمع الاهلي ممثلا بالمؤسسة الدينية والقبلية ،والمفارقة الحضارية تتمثل في ان هذه المؤسسات التقليدية مازالت تملك تأثيرا كبيرا في الحراك السياسي ،و بهذا الصدد يبرز  ماحدث من انعطافة سياسية وامنية حدثت على يد المؤسسة القبلية في الانبار،والدور الذي لعبته القبائل في الانبار غيّر الكثير من ثوابت الادبيات الديمقراطية، التي كانت تؤكد ان القبيلة من البنى التقليدية التي تقف حائلا في طريق التحولات الديمقراطية،وكذلك المؤسسة الدينية لها الدور والفاعلية في التاثير بالتفاعلات السياسية والاجتماعية لذلك من مسؤولية الصحافة والمنظمات غير الحكومية وجميع المعنيين بعملية البناء الديمقراطي استثمار دور مؤسسات المجتمع الاهلي بالشكل الذي يدعم التحولات الديمقراطية في العراق.

 

 

العودة الى صفحة تفاصيل الخبر