العنف .. معالجة سيكولوجية (خاص لمدارك)

2011-09-26

العنف .. معالجة سيكولوجية (خاص لمدارك)

ثمة تداخل كبير بين العنف والعدوان بوصفهما مفاهيم تتحدث عن انماط من السلوك غير المرغوب اجتماعياً والدال على مستوى توافق الفرد الممارس لها او الذي نعت بهما، وان شيوع هكذا سلوكيات في المجتمع يؤثر بشكل خطير على عدم سلامة المنظومة القيمية وضعف كفاءة النسيج الاجتماعي وتخلف المعايير الضابطة لسلوك الناس افراداً وجماعات..


 العنف .. معالجة سيكولوجية

              د سلام هاشم حافظ

ثمة تداخل كبير بين العنف والعدوان بوصفهما مفاهيم تتحدث عن انماط من السلوك غير المرغوب اجتماعياً والدال على مستوى توافق الفرد الممارس لها او الذي نعت بهما، وان شيوع هكذا سلوكيات في المجتمع يؤثر بشكل خطير على عدم سلامة المنظومة القيمية وضعف كفاءة النسيج الاجتماعي وتخلف المعايير الضابطة لسلوك الناس افراداً وجماعات..

والعنف في اللغة هو الشدة والقسوة.

والعدوان هو الاعتداء ومجاوزة الحد، يقال عدا عليه عدواناً اي ظلمه وتجاوز الحد.

والعنف هو عدم الرفق وفقدان التلطف وهو التهديد باستخدام او الاستخدام الفعلي للقوة ضد شخص او مجموعة اشخاص او مجتمع مما يؤدي الى اصابة الاخرين.

والعدوان: هو تجاوز الحدود في المعاملة والخروج عن العدل فيها والعدوان قد يكون بالقول كما يكون بالفعل.

والعنف صورة من صور العدوان، وهما يبدأن بالغضب والانفعال الداخلي، ثم التنفيس بالقول ثم باستخدام اللسان واليد.

ان فهم العنف يتطلب فهم العدوان الذي هو واحد من اهتمامات علم النفس وموضوع اساس في بعض نظريات الشخصية.

ويعرف العدوان من وجهة النظر النفسية باشكال شتى تعكس الاصول الفكرية والمنظومة الفلسفية للمنظر او النظرية التي قالت بهذا التعريف:

* تعريف سيزر Seasar: العدوان هو استجابة انفعالية متعلمة تتحول مع نمو الطفل وبخاصة في سنته الثانية الى عدوان وظيفي لارتباطها ارتباطاً شرطياً باشباع الحاجات.

* تعريف فيشباخ feshbaeh: العدوان هو كل سلوك ينتج عن ايذاء لشخص اخر او اتلاف لشيء ما وعليه فان السلوك التخريبي هو شكل من اشكال العدوان الموجه نحو الاشياء.

* تعريف البرت باندورا Bandura: العدوان هو سلوك يهدف الى احداث نتائج تخريبية او مكروهة او الى السيطرة من خلال القوة الجسدية او اللفظية على الاخرين، وهذا السلوك يعرف اجتماعياً على انه عدواني.

والمهم في كل تعريفات العدوان ان يكون ثمة شبه اتفاق اجتماعي على وصف مثل ذلك السلوك بالعدوان وانه سلوك غير مرغوب فيه ذلك ان بعض الجماعات او الثقافات قد لا ترى في سلوك ما تعبيراً عن العدوانية مثلما تراه جماعات اخرى. بل ترى فيه خصائص شخصية مرغوب فيها.

ويمكن تصنيف العدوان وكذلك العنف بوصفه من تجلياته الى:

1. العدوان او العنف البدني كما في حالات العراك والضرب، وكما يبدو في المواقف الاتية:

- ضرب الزوج للزوجة او العكس والاول منهما حالة مستشرية فيما الثانية حالة نادرة.

- ضرب المعلم للتلميذ بدعوى التأديب، مع ان هناك من يميز بين التعنيف البدني للتلميذ وبين التأديب من خلال العقاب البدني.

- ضرب رجال الشرطة او عناصر قوى الامن لبعض المواطنين خلال عمليات الاعتقال او التحقيق دون وجود مسوغات كافية.

- ضرب رب العمل للعاملين الصغار معه.

2. العدوان اللفظي كالاهانة والشتم.

3. العدوان بالازاحة او بالنيابة كما في حالة ميل المرأة المعنفة او التي تعرضت للاعتداء او العدوان الى توجيه رد فعلها العدائي نحو اطفالها او عناصر اخرى ضعيفة قريبة منها.

4. العدوان السلبي كما في حالات العناد، او المماطلة.

5. العدوان الرمزي كما في حالة الاساءة لرموز السلطة من قبل المعارضة (خاصة في حالة انعدام حرية التعبير السياسي) او تخريب الممتلكات.

6. العدوان على الذات او ايذاء الذات كما في حالة تعريضها المستمر للحوادث المؤذية او محاولات الانتحار المتكررة او الانتحار الفعلي، وهذا النوع مرتبط بسوء التوافق وخيبات الامل المتكررة او الاكتئاب النفسي.

وربما كان اسوأ اشكال العنف او العدوان هو ذلك الذي يمارسه الافراد او الجماعات او المجتمعات ضد اخرين تحت ذرائع دينية او عنصرية او جنسية او فكرية، ولعل جرائم الانظمة الفاشية والنازية والخمير الحمر وصدام حسين وشارون وبن لادن والزرقاوي هي الامثلة الاوضح والابشع بهذا الشأن.ويبقى السؤال المهم هو ما تفسير علم النفس (بوصفه علم دراسة السلوك الانساني على اسس علمية) للعنف والعدوان والاعتدائية.لقد قدم علماء النفس تفسيرات (نظريات) متعددة لفهم هذه السلوكيات من جهة ولضبطها من جهة اخرى. اما اهم هذه التفسيرات فهي:

ا. نظرية التحليل النفسي (فرويد) والعدوان فيها دافع سلوكي مهم، بل واساسي، وهو دافع فطري او عضوي وغير متعلم او مكتسب، ويأخذ صورتين او نمطين:

م. العدوان الموجه للداخل المعبر عن غريزة الموت بصيغة تدمير الذات.

ب. العدوان الموجه للخارج المعبر عن غريزة الموت بصيغة تدمير الاشياء او ايذاء الافراد.

لقد طور فرويد فهمه لغريزة الموت (العدوان) على اساس خبرته وتحليلاته للحرب العالمية الاولى التي عاصرها وللحرب العالمية الثانية التي كانت نذرها تتجمع شيئاً فشيئاً، ومعنى هذا ان فرويد توسع في فهم او تفسير السلوك العدواني ليشمل بمظلتها الحروب بل والحروب العالمية.

ان فرويد يرى ان العدوانية والجنس دافعان اساسيان في فهم وتفسير السلوك الانساني ولانهما عصيان على التعديل بسبب فطريتهما فان لفرويد تصوراً متشائماً عن الطبيعة الانسانية التي تعمل وفق مبدأ الحتمية العضوية غير القابلة للتعديل.

2. النظرية الايثولوجية: الايثولوجي هو علم دراسة سلوك الحيوان في البيئة الطبيعية، ودرس كونرا ولورنز k.lorez السلوك العدواني في بعض انواع الحيوانات وفي بيئاتها الطبيعية واقاليمها الحياتية. وقد افترض لورنز ان التشابه في خصائص العدوان الحيواني يعود الى اصول فطرية واحدة، وهو يوجه عادة الى افراد من نفس النوع الحيواني وغايته اعادة التوازن بين عديد افراد النوع الحيواني المتزايدة باطراد من جهة والموارد الحيوية المتاحة في اقليمه من جهة اخرى.

وتوصل لورنز الى ان القتال بين افراد النوع لا يصل الى حد هلاك احد الطرفين. ووفقاً لهذا المنظور يبدو العدوان ايجابياً وليس هدمياً كما في نظرية التحليل النفسي.

3. النظرية السلوكية، تنطلق هذه النظرية من منظور مغاير لما سبق فالعدوان سلوك متعلم من البيئة بصورة مباشرة عن طريق النتائج التي تلي السلوك العدواني وتشجع على استمراره (اعتداء فرد ما على اخر دون عقاب يشجع الاول على الاستمرار في عدوانيته ضد ذات الفرد او ضد افراد اخرين) او من خلال تقليد النماذج الاجتماعية المؤثرة التي تمارس العدوان (الابن يقلد الاب العدواني او بطل الفلم العدواني..) وتفيد هذه النظرية التي تنطلق من الحتمية البيئية ان سلوك الافراد رهن بالبيئة الاجتماعية التي ينشأون فيها فالسلوك العدواني المتعلم بالنمذجة يترسخ.

4. نظرية الاحباط - العدوان: ينطلق دولار وميلر وجماعتهما من افتراض اساسي هو ان الاحباط يسبب العدوان. والمعنى الدقيق للاحباط هو ان دافعية الفرد للانجاز عالية جداً فيما تكون اعاقة الانجاز كاملة وبتواتر خبرة الاحباط في الوصول الى الهدف ومنع الفرد من تحقيق غاياته ينشأ دافع العدوان الذي لا يهدأ الا باطلاقه وتحرير طاقته

(اضافة للنظرية السلوكية).

كانت البيئة مشجعة لهذا السلوك وتتوافر على عناصر وميزات تحفزه وتسهل التعبير عنه، كما ان القيم المشجعة على الاعتداء والتفوق والتنافس هي خلفيات بيئية مهمة في هذا الامر.

والاتجاهات الاجتماعية المتعصبة طبقياً وقومياً وفئوياً وجنسياً لها ذات التأثير وتسمح بالعدوان وتبرره. من جهة اخرى فان تشجيع الاقران ومنهم الفرد على العدوان واختلاق المسوغات له او تلقي الاوامر من اعلى هي عوامل اخرى توفرها البيئة وتسهل حدوث الاستجابة العدوانية.

5. النظرية العضوية: يرى بعض المنظرين والباحثين ان العوامل البيئية والاجتماعية ليست كافية بمفردها لاطلاق السلوك العدواني، ولابد ان يرافق ذلك نظام عضوي مساعداً ومشجع (عضلي، عصبي، غدي) يوفر الاداة الحركية والتنفيذية لممارسة اشكال السلوك العنيف والعدواني. وهذا قد يفسر لماذا ان العدوان اكثر انتشاراً بين الذكور منه بين الاناث، وان الشباب هم الفئة العمرية الاكثر ميلاً لممارسة السلوكيات العنفية والجنائية من الفئات العمرية الاخرى.

وتميل الاتجاهات الحديثة في فهم سلوكيات العنف والعدوان للاخذ بمنظور متعدد الاسباب لتفسير وتشريح هذه السلوكيات مثل:

- الحالة النفسية والعقلية للفرد فبعض حالات العنف والعدوان هي اعراض لاضطرابات سلوكية او امراض عقلية.

- الحالة العضوية للفرد من ناحية جهازه العصبي ونظامه الغدي وقدراته العضلية.

- المنظومة القيمية للفرد والجماعة التي تشجع او تمنع هكذا سلوكيات.

- الشرط الاجتماعي والاقتصاد اي من جهة التفاوت او العدالة.

- اللحظة السياسية وتوازنات القوى والشعور بالغبن او الاقصاء.

- الظرف الفيزيقي او الطبيعي السائد، فهناك من يعتقد ان مواسماً بعينها اكثر اقتراناً سجالات الثورات او الهيجانات الاجتماعية.

وللقارئ الكريم ان يتخيل مقدار الغضب والعنف والعدوان المتوقع صدوره من المواطن العراقي المتعب تحت ضغط الظروف المادية والطبيعية والاجتماعية والسياسي والنفسية وما يترتب عليها من نتائج ضارة به وبالاخرين والمجتمع.

اما كيف يمكن معالجة العنف والعدوان فيمكن الاشارة الى ما يأتي:

1. العمل قدر المستطاع على تقليل الفوارق الطبقية والتمايزات الاجتماعية والفئوية (تعديل البيئة).

2. اشاعة البرامج الاعلامية والتربوية الداعية للمواطنة الحقة، والانتماء الحقيقي للوطن والشعور بالمسؤولية الاجتماعية والاخلاقية (خلق الثقافة البديلة).

3. تعديل منظومة القيم السائدة بما يجعلها اكثر اتساعاً وانفتاحاً وتقبلاً للاخر بوصفه مواطناً وشريكاً في هذا الوطن واشاعة لغة الحوار. (الارتقاء بالنظام القيمي السائد).

4. تعديل معتقدات الفرد الذي ينطلق من ان العنف والعدوان هما افضل الوسائل لضبط العلاقة بالاخر وللحصول على ما يريد وتحقيق اهدافه. (التعديل المعرفي للفرد).

5. التأكيد على اشاعة التربية المدنية والبحث عن المشتركات بين مكونات الطيف العراقي والاعلاء من قيمة المجتمع المدني.

6. التأكيد على استخدام واشاعة اساليب التنشئة الاجتماعية واساليب المعاملة الوالدية التي تعزز كرامة الانسان وتخدم خياراته وفرديته.

7. الاقلال من التعرض لنماذج العنف المتلفزة.

8. توفير الانشطة البيئية والترويجية الايجابية للاطفال.

9. اشاعة فلسفة حياة متفائلة ومنفتحة.

10. الاشراف غير المباشر على نشاطات الابناء ومتابعتها عن بعد لتشخيص ما يمكن تشخيصه من مشكلات سلوكية بصورة مباشرة والتدخل المسؤول عنها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العودة الى صفحة تفاصيل الخبر